
لم يكن السياق الذي نشأت فيه الدولة العربية الحديثة، ولا المسار الذي اتخذته بعد ذلك، شبيها بذلك الذي جرى مع الدولة القومية الأوروبية، خاصة عند المقارنة مع المثالين الأوضح لنشأة تلك الدولة في ألمانيا وإيطاليا. فالدولة الألمانية الحديثة، تشكلت في صورتها القومية الموحدة نتيجة تفاعل طويل بين الأمة، التي كانت تتشكل عناصرها من لغة وتاريخ وذاكرة وتفاعل اقتصادي وشعور متزايد بالانتماء للشعب الألماني، وبين قوى شعبية واقتصادية ونخب سياسية و”دولتية” داخل الدويلات الألمانية التي سبقت الدولة الموحدة، ووعي قومي متزايد بضرورة الوحدة.
كانت الأمة الألمانية موجودة بملامحها الأساسية قبل وجود الدولة الألمانية الموحدة، ثم تشكل الوعي القومي الذي صاحبه تكامل اقتصادي وحراك سياسي، ثم بادرت “الدويلة” الأقوى (بروسيا) لقيادة عملية التوحيد. كان كل ذلك الفعل ألمانياً ذاتيا فلم يكن أي دور لقوى خارجية أو استعمارية، إذا ما استثنينا غزو نابليون الذي ساهمت مقاومته في ايقاظ الشعور القومي الألماني.
كذلك أيضا كانت التجربة الإيطالية؛ فإيطاليا كما هي ألمانيا لم تكن دولة قومية موحدة، بل كانت هناك هوية قومية (أمة) أوسع من الدول القائمة، ثم جرت عملية توحيد للأقاليم التي تشكلت منها تلك الأمة في دولة واحدة.
في حالات أوروبية مبكرة، مثل فرنسا وإنجلترا وإسبانيا، سبق وجود الممالك والأقاليم اكتمال مفهوم القومية، وكانت دولة “مركزية” تقوم بمهمة توحيد الإقليم، وتنشيء دولة موحدة وهوية سياسية مشتركة و”أمة” حديثة.
في كل الحالات الأوروبية كانت الدولة أداةً لتجميع السكان داخل جماعة سياسية واحدة، وتشكلت علاقة “سليمة” بين الدولة والأمة، فالدولة تعبر عن الأمة وتصيغها سياسيا، والأمة تمنح الدولة شرعيتها ومعناها وفضاءها الثقافي والسياسي.
لم يكن الحديث عن النماذج الأوروبية في إنشاء الدولة الحديثة لاعتمادها معيارا وحيدا لتكوّن الدولة، بل لإظهار مدى أهمية الانسجام في العلاقة بين الدولة والأمة، كضرورة لإيجاد وضع “طبيعي” لكليهما، وتجسيد مشروعهما المشترك، وتحديد مسارهما اللاحق ودورهما المطلوب.
في ضوء ذلك، ماذا عن الدولة العربية (القُطرية) الحديثة، خاصة تلك التي نشأت أو تحددت معالمها الأساسية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وما بعدها؟. في أي سياق تكونت تلك الدولة؟. وما هو مقدار الذاتي و”الخارجي” في تكوينها؟.
لاعتبارات بحثية، من المفيد استحضار اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل ومنظة التحرير الفلسطينية، التي يمكن اعتبارها “هدية” التاريخ لجيل من الباحثين الذين عاصروها، إذ أتاحت لهم فرصة نادرة لمشاهدة “دولة” عربية حديثة، لا من خلال كتب التاريخ، بل وهم يشهدون عملية إنشائها وهي تجري أمامهم، فأظهرت لهم أطراف تلك النشأة وملابساتها وسياقاتها وآليات عمل “الدولة” لاحقا.
أوسلو شديدة الأهمية لفهم طبيعة الدولة العربية وعلاقتها ب”الخارج” المحتل وبالنظام والمجتمع. لقد أعفت الباحثين _ على الأقل إلى أن يصبح الحاضر تاريخا _ من ضرورة الإيغال كثيرا في النظرية وفي التحليل، والبحث في الكتب وفي “الوثائق” لفهم تشكل تلك الدولة، بعد أن عاشوا التجربة بأنفسهم.
لم تكن أوسلو استثناء فلسطينيا، بل أوضح وأقرب نموذج لآلية قديمة ظهر فيها ومنها، بصورة جلية وواضحة ومكثفة، المنطق الذي حكم نشأة عدد كبير من الدول العربية، والذي يتلخص في “مستعمر” يعقد اتفاقا مع نخبة محلية بحيث يمنحها الاعتراف والحماية والرعاية والموارد لتصبح نظاما أو “سلطة”، مقابل قيام ذلك النظام بوظائف محددة، وانتهاجه السياسة المطلوبة. أما الشعب الذي “يُفترض” أنه صاحب الحق وصاحب القضية، فلم يكن طرفا في ذلك العقد المؤسس لا من قريب ولا من بعيد.
ما يهم الباحث في شؤون الدولة العربية الحديثة، ليس أوسلو كحدث منظمة التحرير الفلسطينية طرفا فيه، بل كنموذج أو كصيغة تأسيسية لدولة أو كيان؛ في طريقة النشأة والأطراف المشاركة والظروف المحيطة والشروط المطلوبة، وكذلك تطور الأحداث والأدوار والسياسات واللغة والمعنى. هذا حدث مع كثير من الدول العربية التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حيث كان لكل دولة من تلك الدول “أوسلو” خاصة بها.
على عكس الدولة الأوروبية القومية، التي تبلورت في سياق صعود المشروع القومي الذي سعى إلى تجسيد الأمة في دولة موحدة، نشأت الدولة العربية القطرية في سياق هزيمة المشروعين الأشمل للأمة؛ المشروع العثماني الذي اتخذ طابعا إسلاميا، حيث تفككت الإمبراطورية العثمانية وحل مكانها الاستعمار الأوروبي، والمشروع “القومي” العربي الذي تمثل في محاولة الشريف حسين إقامة دولة عربية كبيرة في المشرق العربي.
نشأت الدولة العربية القطرية بعكس الدولة الأوروبية القومية في ظل تفكك الأمة وتشظيها وتراجع مشروعها، وبدور حاسم للخارج (المستعمِر) في ملء الفراغ الناتج وصياغة البديل حسب مصالحه وإرادته، وبروز نظام تولى إدارة الدولة وهيمن عليها وجيرها حسب مصالحه وحسب الوظيفة التي قام على أساسها، وكذلك كان هناك تغييب تام للمجتمع والأمة الذين بقيا خارج لحظة التأسيس.
“أوسلو” الدولة العربية شكلت المشهد؛ “خارج” (مستعمر) صاغ الملامح العامة للدولة (حدودها وسكانها وسياساتها وعلاقاتها)، وحدد نظامها و”رسّمه” صاحبا لها ومنحه الشرعية والرعاية والحماية والضمان والدعم، وقرر “دوره” الوظيفي. وشعب أو مجتمع خارج دائرة الفعل، مطلوب منه التكيف مع الدولة التي تقرر وجودها من دونه، لكنه ضروري كجزء من الديكور الذي يعطي المشهد شيئا من “المصداقية”. وأمة خارج المشهد كله، تُترك للإضمحلال الذاتي بفعل تآكل مقومات الوجود، أو تتكفل الدولة (القطرية) بتفكيك عناصرها.
لنُحِل المشهد إلى اللغة لمزيد من الايضاح، فبإنشاء الدولة اكتملت “الجملة”: الاستعمار فاعلا، والنظام نائبا عنه، والشعب مفعولا به والأمة خارج الإعراب. لم يكن ذلك ترتيبا عابرا بل تشكل منذ البداية، ومعه تشكلت الدولة نفسها.
في ضوء ذلك البناء، تبلور المألوف الفكري الذي يبرره ويعيد إنتاجه، وأصبحت أي محاولة للتدخل في بناء الجملة، أو تغيير مواقع عناصرها المقرّرة سلفا، تبدو كأنها هدم للبناء برمته، وخروج على قواعد “اللغة”، وكفر ب”المسلمات”.
المشكلة أنه أريد لهذه النشأة الإشكالية للدولة العربية الحديثة أن تبدو طبيعية، وأن يبدو منطق إنشائها هو المنطق البديهي رغم أنه منطق مقلوب على رأسه بالكامل، فالعقد المؤسس لم يكن بين مجتمع ودولة أو بين شعب وسلطة، بل بين سلطة ناشئة وقوة خارجية مستعمرة حول إدارة الشعب أو ما أصبح “نصيب” أو “حصة” الدولة من الشعب، إضافة إلى “المهام” الإقليمية والدولية الأخرى التي على الدولة القيام بها.
مشكلة الدولة العربية القطرية الحديثة، أو معضلتها، متصلة اذاً بلحظة التكوين؛ تلك اللحظة التي صيغت فيها الملامح الأساسية للدولة، وتحددت مواقع عناصرها، حيث دخلت فيها أطراف لم تكن لتكون طرفا في عقد اجتماعي لتأسيس دولة، وفي مقدمتها المستعمِر الخارجي الذي لعب الدور الحاسم في تقرير مسار نشأة الدولة الوليدة، في مقابل استبعاد أطراف مثّل غيابها أحد أهم مصادر اللامعقولية في هذا التكوين، وهي المجتمع أو الشعب. وإذا أضفنا إلى ذلك العقد التأسيسي الغريب، السياق الاستراتيجي العام الذي ساد العالم والمنطقة آنذاك، وأخذنا في الاعتبار المصالح التي أراد كل طرف من أطراف التأسيس تحقيقها، والمصالح التي تشكلت له لاحقا، حتى على حساب مصالح، وأحيانا وجود الأطراف التي جرى تغييبها، أمكننا أن نفهم جوهر هذه الدولة “الغريبة” وتفردها عن بقية أنماط الدول المعروفة، لا في ملابسات نشأتها فحسب، وإنما أيضا في ما ترتب على تلك النشأة من علاقات وسياسات ومواقف.
هذه الدولة العربية الناشئة، رغم ما تحمله من صفات مشتركة مع الدول المعروفة، لا تتطابق تماما مع أي من أنماطها، فهي تحمل سمات متعددة منها، لكنها تشكل في مجموعها تركيبا مختلفا؛ فعند مقارنتها بتلك الدول، نجدها ليست دولة “ضعيفة” رغم أنها قد تتسم بالضعف، وهي ليست دولة “هشة” رغم هشاشتها في بعض الأحيان، ولا دولة “فاشلة” رغم فشلها في أداء كثير من الوظائف التي يفترض أن تقوم بها، ولا دولة “رخوة” رغم كونها كذلك أحيانا، ولا دولة “تابعة” رغم كونها كذلك، ولا “ريعية” فقط، أو “وظيفية” فقط. إنها دولة لا تنطبق عليها في صورتها الكاملة أي من هذه التصنيفات.
وإذا ما أضفنا إلى ذلك، طبيعة علاقتها مع الأمة، ومع الشعب، ومع الخارج ومع النظام، ومع السيادة والقوة والضعف، ومع الأعداء والأصدقاء، نكون أمام نمط مختلف من الدولة، الدولة “المعاقة”، والأهم من ذلك، أن هذه الإعاقة التي بدأت بنيوية مع ظروف التكوين التي جعلت مصلحة النظام في ضعف الدولة، انتقلت لتكون إعاقة وظيفية، عندما انتقلت إعاقة الدولة من حالة قد تكون مؤقتة لتكون وظيفة سياسية للنظام نفسه.
لم تكن مشكلة العقد التأسيسي للدولة العربية (أوسلو الدولة العربية) في مضمون ما اتُّفق عليه فقط رغم أهميته، بل في البنية نفسها؛ فالذين اتفقوا استثنوا الشعب الذي هو موضوع الاتفاق، والذي سيعيش نتائجه. في تلك “العملية” تم تنصيب “النظام” ممثلا “حصريا” للدولة وصاحبا لها، والشعب بات موضوعا للترويض لا أكثر.
تبلورت الدولة كعلاقة بين الدولة والخارج، وبقيت مدينة له أساسا، ولهما بذلك. فهي لم تأت من علاقة تطورية بين أمة ودولة، بل داخل ثلاثية متوترة؛ أمة أوسع، ودولة قطرية، واستعمار لعب الدور الحاسم في النشأة. هذا ألقى بظلاله على سؤال شرعية الدولة ومصادر تلك الشرعية، وأثار موضوع تعريف الأمة والهوية، وعوَّم تعريف المصلحة الوطنية، فلم تصبح الأمة أو المجتمع مصدرا فعليا لتعريف تلك المصلحة كما يُفترض بل باتت تُعرف من موقع النظام.
كما أن الدولة العربية “المعاقة” نشأت في ظل أزمة الأمة وفي إطار تفكيكها السياسي وعلى أنقاضها، فشكلت حاجزا بين الأمة وبين تحويل وجودها الثقافي والقومي إلى فعل سياسي. وبدل أن تقوم الدولة بلملمة الأمة المجزأة كما في أوروبا، تشظت الأمة الواحدة إلى دول عربية عديدة، وأخذت كل واحدة منها بمطالبة الأمة بالانتماء إليها بينما هي نفسها جزءا من الأمة. وانتقلت الأمة من أصل تاريخي وسياسي وهوياتي إلى موضوع للدولة، وليس مصدرا لها أو مرجعية.
الدولة التي يفترض أنها وليدة الأمة ترَبَّت على الخوف منها وعلى القطيعة معها، وأصبحت نقيضا لها، وإذا حاولت الأمة استعادة بعض وجودها السياسي تتصدى لها الدولة، التي تعتبر أي اقتراب من الأمة تهديدا لسيادتها واستقلالها وتدخلا في شؤونها الداخلية ومشروعا لإلغائها. وأصبح بقاء الدولة يتطلب منع أي مشروع وحدوي أو جامع، فكلما ضعفت الأمة شعرت الدولة أنها أكثر استقلالا واستقرارا. لقد تمثلت ” الإعاقة” في القطيعة التي حدثت منذ البداية بين الوجود التاريخي الثقافي الذي مثلته الأمة، وبين الوجود السياسي الذي يفترض أن تجسده الدولة.
من أهم سمات الدولة العربية المعاقة بنيويا علاقتها الإشكالية بما يفترض أنه شعبها ومجتمعها؛ فهي دولة اختطفها نظامها من شعبها بعد أن “تعاون” مع المستعمر في سلخها عن أمتها، وصار المطلوب من ذلك النظام ترويض المجتمع، وضمان القطيعة بينه وبين الدولة، وبين الشعب والأمة.
الدولة هذه أصبحت نظاما اجتماعيا لإنتاج مجتمع غير قادر على استعادة دولته، وللإبقاء على الشعب مغيبا بعد استبعاده منذ البداية، عندما تم التعاقد على إنشاء الدولة من دونه. ربما من الضروري الإشارة هنا إلى أن الحديث عن وجود جماعات خارج الدولة في بعض الدول المعاقة فيه شيء من الصحة، رغم أنه يُساق في إطار تجريم تلك الجماعات وشيطنتها، فالحقيقة في هكذا دول أن النظام يحرص على أن يبقى المجتمع كله خارج الدولة. العلاقة الجيدة بالنظام عند بعض الفئات لا تعني أنها فئات داخل الدولة، فالعودة إلى العلاقة الطبيعية بين الدولة ومجتمعها تتطلب استعادته التي تعني استعادته القدرة على الفعل السياسي، والعودة لامتلاك الشعب لدولته، وتصحيح موقع تلك الدولة من الأمة ومصالحها وقضاياها.
الدولة المعاقة لا ترى في الأمة “عدوا” وحيدا لها، بل كذلك في مجتمعها إن حاول امتلاك عناصر قوة. فهي لا تبني قوتها من مجتمعها القوي بل من ضعفه، فكلما طالب المجتمع بدور سياسي يشعر النظام الذي وظيفته ترويض المجتمع، أن ذلك المجتمع يحاول تجاوز حالة ضعفه المقرّرة، مما يشكل خطرا على النظام نفسه وعلى “الأسس” التي قامت عليها الدولة. لذلك فالدولة المعاقة ليست فقط علاقة بين النظام والدولة والمستعمِر، بل هي أيضا نظام اجتماعي لإنتاج مجتمع غير قادر على استعادة الدولة. وهي المهمة التي تكفل بها النظام، والتي يبرر من خلالها علاقاته بالدولة وبالخارج وسياساته تجاه الإقليم وقضاياه.
وكما يحرص النظام على إبقاء المجتمع ضعيفا ومعزولا، يعمل كذلك على إيجاد مواطن من نوع خاص، تسهل إدارته، فردي ومستفيد وصاحب مصلحة خاصة، علاقته جيدة بالنظام الذي يمنحه الامتيازات والتسهيلات والعطايا، لكنه ممنوع عليه فهم ذلك كحقوق. في العلاقة بين النظام والدولة والشعب لا توجد كلمة حقوق، بل امتيازات و”مكرمات” يمنحها النظام لمن “يستحق” من “المواطنين”.
في الدولة المعاقة تقترب المسافة بين النظام والدولة إلى ما يقارب الصفر، فالدولة تتماهى في النظام وتُختصر فيه إلى حد بعيد، وهو بدوره يحتكر تمثيلها، وهو الذي يُعَرف مصلحتها بعد أن تم حرمان المجتمع من دوره في ذلك.
“اختطاف” النظام للدولة، وتقريره لموضوع المصلحة الوطنية، يتيح له التصرف في موضوع السيادة، خاصة في الشق الخارجي منها بأريحية، إذ يصبح بإمكانه تقديم التنازلات بما فيها أمور قد تكون لها صلات بالمصالح الاستراتيجية للدولة، ويقدم ذلك باعتباره متطلبا لحفظ المصلحة الوطنية التي صاغها على مقاسه.
في هكذا دولة، تبدو العلاقة بين الأطراف الثلاثة، نظام ودولة ومجتمع_ ويمكن هنا إضافة المواطن أيضا _ في منتهى الغرابة؛ فنحن أمام نظام تقمص الدولة، وعمل ويعمل ما في وسعه لعزل المجتمع وإبعاده عن الدولة، وفي نفس الوقت عمل على ربط المجتمع به كنظام كي يحافظ على سيطرته ومصالحه، وحتى على استقراره ووجوده. على المجتمع أن يبتعد عن الدولة ويقترب من النظام، هذا ما يجري في الدولة المعاقة. وهذا يجري، إن أردنا وصف الأمور كما هي، ليس في دولة لها نظام بل في نظام له دولة، لذلك تكون “المعارضة”، في حال وجودها، في وضع لا تحسد عليه.
تبرز هنا إشكالية العلاقة الثلاثية، النظام والمجتمع والمعارضة؛ فهَمُّ النظام الأساس هو رضا “الخارج” المؤسس للدولة المعاقة، وراعيها والوصي عليها وحافظ نظامها وولي “نعمتها”. والمجتمع المُرَوَّض (المعاق سياسيا) من قِبَل النظام، ليس عاجزا بطبيعته، وإنما جرى وبصورة منهجية، تعطيل قدرته على تحويل قوته الاجتماعية إلى فعل سياسي مستقل، أي جرى الحيلولة دون تحوله إلى فاعل سياسي نتيجة تفكيك قوته قوته الاجتماعية إلى مصالح فردية وربطها بالنظام، حيث تتم عملية المقايضة بين المصالح والقبول السياسي. بذلك تتضح المعضلة التي تجد المعارضة نفسها بها.
المعارضة هنا _ في الدولة المعاقة _ لا تواجه النظام وحده، بل تواجه بنية علاقة كاملة بين النظام والمجتمع، والدولة والمجتمع والأمة. نحن أمام مصلحة وطنية الفاعل الحقيقي في تعريفها “الخارج” والنظام، وأمام دولة لم يخترها مجتمعها، هي في الواقع السياسي دولة بلا مجتمع. وأمام أمة فقدت مشروعها، ودولة تربط وجودها نفسه باستمرار غياب مشروع الأمة.
مطلوب من “المعارضة” أن تبتكر الطرق للسير بين كل هذه التعقيدات والمتناقضات والمفارقات البنيوية؛ فالبدبهي أن المعارضة تحتاج للمجتمع كي تصبح قوية ومؤثرة وفاعلة، بينما الدولة تخلت عنه ونبذته، والنظام روَّضه وأجهضه وفككه وجزأه واستوعب بعض فئاته التي ربطت مصالحها باستمراره (النظام). في الدولة المعاقة يصبح ضعف المجتمع وضعف الدولة ليس حالة استثنائية ولا مؤقتة، بل جزءا من آلية بقاء النظام المعتمد أساسا على الخارج.
أخطر ما يخشاه النظام “المعاق” ليس المعارضة بحد ذاتها بل المجتمع المستقل. والنظام مستعد لتقديم المزيد من الامتيازات لفئات اجتماعية متزايدة، شرط أن لا يذهب تفكير المواطن إلى أن الامتيازات التي يحصل من النظام ليست حقوقا، ففي اللحظة التي يحضر فيها مفهوم الحقوق يتفَعَّل “الدينامو” السياسي للمجتمع الذي يبدأ باستعادة حقه في تحديد المصلحة الوطنية، وتكتسب المعارضة معناها الحقيقي.
مهمة المعارضة الحقيقية في الدولة المعاقة أكثر من صعبة، فهي تحتاج لاستعادة المجتمع كي يكون صاحبا (مالكا) للدولة، وإلى استعادة الدولة كي “تُطَبع” العلاقة بين وجودها وبين مشروع أمتها، وإلى استعادة المواطن كي يصبح مواطنا حقيقيا له حقوق تختلف عن الامتيازات، وهي بحاجة لاستعادة نفسها كمعارضةٍ تماهى معظمها مع النظام، ولا يتجاوز نقدها له عدم العدالة في توزيع الامتيازات. بدون ذلك ينجح النظام في جعل المعارضة تبدو كأنها بالوقوف ضده تقف ضد مصالح الناس حتى في الحالة التي تتحدث المعارضة فيه بإسم المصلحة الوطنية العامة.
بالعودة إلى الدولة “المعاقة”، فعند فهم الخلل البنيوي الذي كان سببا في الإعاقة، وخاصة في موضوع علاقة النظام بالدولة وبالأمة وبالمجتمع و”بالخارج”، وجدلية القوة والضعف، وكيف يتحول الضعف والعجز وحرص النظام على بقائهما كضرورة أساسية لبقائه واستمراره في الحصول على الامتيازات والمكتسبات من “الخارج”، يمكن فهم الآلية التي تم فيها الانتقال من الإعاقة البنيوية إلى الإعاقة الوظيفية التي يعتاش عليها النظام، ويؤكد من خلالها “أهميته” وضرورته للقوى الدولية والإقليمية.
وما دامت هي دولة معاقة و”قاصر”، لا يُفترض فيها القدرة على تعريف مصالحها بنفسها، وتحتاج دائما إلى راعٍ أو “ضامن” خارجي، ولا تملك حق النضج الكامل، ولذلك تحتاج لوصي داخلي هو النظام، ووصي خارجي وأساسي هو “الخارج”. لهذا يتم النظر إلى أي مؤشر لنضج الدولة بصفته خطرا، ويتم النظر إلى كل خطوة تشير إلى الوحدة كخطر، وإلى كل ما يمكن أن يكون عنصرا داعما للوحدة أو حتى للتقارب مع “الأشقاء” بوصفها خطر. هذا يفسر حرص الدولة المعاقة على القطيعة مع الأمة وإلى كل ما يشير إليها، وإلى العلاقة الملتبسة مع المجتمع، وإلى إبقاء العلاقة مع الخارج “بوصلة” تفوق ما عداها.
في الدولة المعاقة، تعطيل القدرة السيادية للدولة ليس بالضرورة مجرد عجز، بل قد يكون خيارا عقلانيا للنظام الحاكم لأنه يزيد قدرته على البقاء والاستفادة من الخارج. إنها ليست الدولة التي لا تستطيع أن تفعل وإنما الدولة التي يصبح فيها عدم الفعل مصلحة للنظام.
على هذه القاعدة يمكن فهم السياسات المختلفة للدولة المعاقة في الإقليم، فيبدو الموقف من فلسطين وقضيتها مفهوما، والعداء لإيران مفهوما، وكذلك توتر العلاقات البينية العربية، و”التمسك” بالقواعد الأجنبية بأي ثمن، وتقوقع كل دولة على نفسها واستخفافها بشعبها، وترويض المجتمع حتى وإن تطلب ذلك الوصول إلى القمع مفهوما.
وعلى هذه القاعدة أيضا، يمكن فهم تردد الأنظمة المعاقة بين ما يجري في السر وفي العلن، بين ما يُْقال وما يجري بالفعل، بين “الديموقراطية” والاستبداد، وبين الدين والعلمانية، وبين المواقف المؤيدة والمعارضة للأحزاب “الدينية” وكذلك للأحزاب القومية، وبهذا يمكن تفسير الذهاب إلى الانتخابات أو عدم الذهاب. كل ذلك يجري تحت شعار أساسي هو استقرار النظام واستمراره، ذلك الذي يتطلب “خارجا” راضيا، ونظاما ممتثلا، ودولة معاقة، ومجتمعا مُغَيبا، ومواطنا مستلبا، وأمة مفككة ومعارضة مستقيلة.





