
كش بريس/التحرير ـ
لا تنحصر أهمية ورش ترميم الحصن البرتغالي بمدينة الجديدة في الجانب المعماري المرتبط بإعادة تأهيل معلمة تاريخية تعود إلى مرحلة مفصلية من تاريخ المدينة، بل تتجاوز ذلك إلى بروز نموذج جديد في تدبير مشاريع صيانة التراث، يقوم على إشراك الفاعلين المدنيين وتحويلهم من موقع المتتبع الخارجي إلى شريك فعلي في حماية الذاكرة الجماعية.
فمنذ انطلاق أشغال الترميم التي تشرف عليها المديرية الجهوية للثقافة، برزت مقاربة تشاركية اعتُبرت من أبرز خصوصيات هذا المشروع، من خلال إحداث “اللجنة الاستشارية المختلطة لتتبع الأشغال”، وهي آلية تنسيقية أتاحت حضور فعاليات المجتمع المدني إلى جانب الجهات المؤسساتية المشرفة، بهدف مواكبة مراحل الإنجاز وتقديم الملاحظات والاقتراحات المرتبطة بالجوانب التراثية والتاريخية للموقع.
وتضم اللجنة عددا من الفاعلين المدنيين المهتمين بحماية التراث المحلي، من بينهم إبراهيم القلعي، ومحمد زيان، والجلالي ضريف، الكاتب العام لجمعية دكالة للحفاظ على التراث، حيث أسهم حضورهم في إغناء النقاش حول طرق التدخل داخل فضاء يحمل قيمة تاريخية ورمزية كبيرة بالنسبة لمدينة الجديدة وللذاكرة الوطنية.
ولم تظل اللجنة مجرد إطار استشاري شكلي، بل تحولت إلى فضاء اقتراحي ساهم في عدد من التدخلات الميدانية المهمة، من بينها التنبيه إلى ضرورة إنقاذ عدد من العناصر التراثية والتاريخية التي كانت محفوظة برواق الخطيبي، والعمل على إخراجها من دائرة الإهمال وإعادة إدماجها ضمن رؤية تحترم خصوصية المعلمة وقيمتها الحضارية.
كما لعبت اللجنة دورا في لفت الانتباه إلى وجود بناء فوق سطح المسقاة، وهو ما أتاح إعادة طرح عدد من التساؤلات المرتبطة بالحفاظ على البنية الأصلية للحصن وضمان انسجام أشغال الترميم مع المعايير المعتمدة في صيانة المعالم التاريخية.
وتكشف هذه التجربة أن حماية التراث لم تعد قضية تقنية مرتبطة فقط بالهندسة والترميم، وإنما أصبحت رهانا مجتمعيا يحتاج إلى تكامل أدوار المؤسسات والخبرات المحلية وفعاليات المجتمع المدني. فالمعالم التاريخية ليست مجرد أحجار وجدران، بل هي ذاكرة حية تحمل طبقات من التاريخ والهوية، وأي تدخل فيها يحتاج إلى معرفة دقيقة بالسياق الثقافي والاجتماعي الذي نشأت داخله.
ويقدم ورش الحصن البرتغالي بالجديدة، من خلال هذه المقاربة التشاركية، نموذجا مختلفا في تدبير المشاريع التراثية، حيث يتحول الحوار بين الإدارة والمجتمع المدني إلى آلية لضمان جودة التدخلات، وتعزيز الثقة بين مختلف المتدخلين، وتحقيق توازن بين متطلبات الترميم والحفاظ على الأصالة التاريخية للموقع.
إن نجاح هذه التجربة يبرز أن إشراك المجتمع المدني لا ينبغي أن يكون مجرد استجابة ظرفية، بل خيارا مؤسساتيا في كل المشاريع المرتبطة بالتراث، باعتبار أن الذين يحملون ذاكرة المكان ومعرفته الدقيقة يشكلون رصيدا لا غنى عنه لإنجاح أي مشروع يهدف إلى صون الموروث الحضاري وإعادة تقديمه للأجيال القادمة.






