‏آخر المستجداتالمجتمع

تمديد آجال التجزئات إلى 15 سنة يمرر تحت قبة البرلمان.. إصلاح عمراني أم هدية جديدة للوبيات العقار؟

كش بريس/التحرير ـ

في خطوة تشريعية تثير أكثر من علامة استفهام حول المستفيد الحقيقي منها، صادق مجلس النواب بالأغلبية على مشروع القانون رقم 34.21 المعدل والمتمم للقانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول بعض مقتضياته إلى مظلة قانونية جديدة تمنح المنعشين العقاريين امتيازات إضافية على حساب الرقابة والمصلحة العامة.

وقد حظي المشروع بموافقة 120 نائبا برلمانيا، فيما اختار 50 نائبا الامتناع عن التصويت، دون تسجيل أي معارضة صريحة، في مشهد يطرح بدوره تساؤلات حول أسباب هذا الإجماع شبه الكامل على نص قانوني يمس أحد أكثر القطاعات ارتباطا بالمضاربات العقارية والرهانات المالية الكبرى.

الحكومة تتحدث عن الإصلاح.. والمنتقدون يرون توسيعا لهوامش الاستفادة

الحكومة بررت المشروع بكونه يندرج ضمن مخرجات الحوار الوطني حول التعمير والإسكان، ويهدف إلى تحيين ترسانة قانونية يعود تاريخها إلى سنة 1992. غير أن القراءة المتأنية لبعض المقتضيات تكشف أن جوهر التعديلات ينصب أساسا على إعادة ترتيب العلاقة بين الإدارة والمنعشين العقاريين، من خلال منح آجال أطول لإنجاز المشاريع وتوسيع إمكانيات الاستفادة من الاستثناءات القانونية.

ومن أبرز المقتضيات المثيرة للنقاش رفع مدة إنجاز التجزئات العقارية من ثلاث سنوات إلى خمسة عشر سنة بالنسبة للمشاريع الكبرى التي تتجاوز مساحتها 400 هكتار، وهو ما يعتبره متتبعون تحولا جذريا قد يفتح الباب أمام تجميد مساحات عقارية شاسعة لسنوات طويلة تحت غطاء قانوني جديد.

خمسة عشر عاما من الانتظار.. لمن تصب المصلحة؟

في الوقت الذي تعاني فيه فئات واسعة من المواطنين من أزمة الولوج إلى السكن وارتفاع أسعار العقار، يثار السؤال حول مدى مشروعية منح المنعشين العقاريين آجالا استثنائية قد تمتد إلى عقد ونصف من الزمن لإنجاز مشاريعهم.

فإذا كانت الحكومة تعتبر هذه المدة استجابة لواقع المشاريع الكبرى وتعقيداتها، فإن منتقدين يرون فيها نوعا من التساهل التشريعي الذي قد يفضي إلى تعطيل التنمية المحلية وإبقاء الأراضي رهينة حسابات استثمارية طويلة الأمد، دون ضمانات كافية لحماية حقوق المواطنين والجماعات الترابية.

تبسيط المساطر أم تقليص الرقابة؟

ومن بين الشعارات التي رفعتها الحكومة لتبرير المشروع، تبسيط المساطر الإدارية وتسريع منح التراخيص. غير أن هذا التوجه يثير بدوره مخاوف من أن يتحول السعي إلى السرعة والمرونة إلى تقليص فعلي لأدوار المراقبة والتتبع، خاصة في قطاع ظل لسنوات موضوع انتقادات متكررة بسبب الاختلالات المرتبطة بالتعمير والتجزئات غير المطابقة وشبهات الاستفادة من النفوذ.

ويخشى متابعون أن يصبح مفهوم “تحسين مناخ الأعمال” مدخلا لتخفيف الضوابط بدل تعزيزها، في وقت ما تزال فيه العديد من الجماعات الترابية تشتكي من ضعف الإمكانيات التقنية والبشرية اللازمة لمواكبة المشاريع العمرانية الكبرى ومراقبتها.

المعارضة تحذر من تغليب الاستثمار على الحق في السكن

ورغم تثمينها لبعض الجوانب المتعلقة بمعالجة الاختلالات الإدارية والمسطرية، لم تخف فرق المعارضة تخوفها من بعض المقتضيات الواردة في المشروع، محذرة من أن يتحول خطاب التبسيط إلى أداة لتفكيك الضمانات القانونية والرقابية التي يفترض أن تحمي المجال العمراني والمصلحة العامة.

كما نبهت إلى خطر وضع الاعتبارات الاستثمارية فوق الحق الدستوري في السكن اللائق، في ظل غياب مؤشرات واضحة تؤكد أن هذه التسهيلات القانونية ستنعكس فعليا على أسعار السكن أو على تحسين ظروف الولوج إليه بالنسبة للطبقات المتوسطة والفقيرة.

أسئلة معلقة تنتظر الإجابة

وبينما تقدم الحكومة المشروع باعتباره إصلاحا ضروريا لمواكبة التحولات العمرانية والاقتصادية، يرى منتقدون أن النقاش الحقيقي لا يتعلق فقط بتمديد الآجال أو تبسيط المساطر، بل بالجهة التي ستجني ثمار هذه التعديلات فعليا.

فهل نحن أمام مراجعة قانونية تروم تصحيح أعطاب التعمير وخدمة المواطنين، أم أمام إعادة هندسة تشريعية تمنح الفاعلين العقاريين هامشا أوسع من الامتيازات والتسهيلات؟ وهل ستتمكن الدولة من فرض الرقابة والمحاسبة بالصرامة نفسها التي توسع بها آجال الاستثمار؟ أم أن النص الجديد سيشكل حلقة إضافية في مسلسل تغليب منطق العقار على متطلبات العدالة المجالية والحق في المدينة؟

أسئلة تظل مشروعة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقانون يرسم ملامح المجال العمراني لعقود مقبلة، ويحدد طبيعة العلاقة بين المصلحة العامة ورهانات السوق العقارية.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button