‏آخر المستجداتبقية العالم

ثلاثة أعوام من التصعيد الإسرائيلي تعيد تشكيل الحياة في الضفة الغربية.. التهجير والحواجز والاستيطان تطال الأرض والتعليم والعمل

كش بريس/ وكالات (بتصرف) ـ

بعد ثلاثة أعوام من التصعيد الإسرائيلي، تجاوزت تداعياته في الضفة الغربية حدود القتل والاعتقال والهدم، لتطال تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، من حرية التنقل والتعليم والوصول إلى الخدمات، إلى العمل في الأراضي الزراعية والبقاء في المنازل والمخيمات.

وتكشف المعطيات الميدانية أن ما يجري لم يعد سلسلة من الوقائع المنفصلة، وإنما تحول إلى واقع واسع النطاق تتداخل فيه العمليات العسكرية والقيود على الحركة واعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم والتهجير والاستيلاء على الأراضي، بما أعاد تشكيل أنماط الحياة في مناطق عديدة من الضفة، بما فيها القدس.

وأفادت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، في تقرير نشرته الأحد الماضي، بأن القوات الإسرائيلية والمستوطنين نفذوا 62 ألفاً و916 اعتداءً بحق الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر 2023، بينها 48 ألفاً و174 اعتداءً نفذتها القوات الإسرائيلية و14 ألفاً و742 اعتداءً ارتكبها المستوطنون.

ووثقت الهيئة استشهاد 66 فلسطينياً جراء اعتداءات المستوطنين، إلى جانب تسجيل 1182 حريقاً استهدف الممتلكات والأراضي، فيما طالت الاعتداءات 147 ألفاً و111 شجرة، بينها أكثر من 100 ألف شجرة زيتون، فضلاً عن 922 حالة تجريف للأراضي و2645 اعتداءً على الأشجار والمزروعات.

مخيمات أفرغت من سكانها

ويبرز التهجير القسري لسكان مخيمات شمال الضفة أحد أكثر التحولات حدة خلال السنوات الثلاث الماضية، بعدما تحولت مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم إلى مناطق مهجورة إلى حد كبير، إثر تهجير سكانها ومنعهم من العودة.

وقالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، في تقرير نشرته في 4 سبتمبر الماضي، إن القوات الإسرائيلية هجّرت قسراً جميع سكان المخيمات الثلاثة خلال يناير وفبراير 2025، ولا تزال تمنع عودتهم.

وبحسب التقرير الأممي، تعرض نحو 52 بالمئة من مباني مخيم جنين للدمار أو الأضرار حتى أكتوبر 2025، مقابل 48 بالمئة من مباني مخيم نور شمس و36 بالمئة من مباني مخيم طولكرم.

ولم تتوقف آثار التهجير عند فقدان المساكن، إذ امتدت إلى الطرق والبنية التحتية وشبكات المياه والكهرباء، فيما انعكس استمرار إبعاد السكان عن مناطقهم على العملية التعليمية.

وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير صدر في 11 سبتمبر، بأن أكثر من 4 آلاف طالب هُجروا من مخيمات شمال الضفة، وتعطلت دراستهم المنتظمة. كما ظلت أربعة مبانٍ مدرسية تابعة للأونروا في مخيم جنين غير متاحة، واضطر نحو 1600 طالب إلى الدراسة مؤقتاً في أماكن بديلة.

وفي مخيم نور شمس، تعذر الوصول إلى مبنيين مدرسيين، بينما تستقبل أربعة مبانٍ مدرسية تابعة للأونروا قرب مخيم طولكرم نحو 2300 طالب من ست مدارس في مخيمي طولكرم ونور شمس.

الحواجز تعيد رسم خريطة التنقل

وبالتوازي مع التهجير، توسعت منظومة الحواجز والإغلاقات العسكرية التي تقيد حركة الفلسطينيين بين المدن والبلدات والقرى.

وقالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، في 25 سبتمبر، إن الضفة الغربية تضم 942 حاجزاً وعائقاً عسكرياً، بينها 824 حاجزاً ونقطة إغلاق ثابتة و118 عائقاً خطياً من سواتر وخنادق وحواجز طرق، مشيرة إلى إقامة 13 حاجزاً وبوابة ثابتة جديدة خلال الشهرين السابقين للتقرير.

وأصبحت هذه القيود جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، بعدما باتت تؤثر في الوصول إلى أماكن العمل والمدارس والمرافق الصحية والأراضي الزراعية، وتزيد صعوبة التنقل بين التجمعات الفلسطينية.

وتظهر انعكاسات ذلك بصورة خاصة خلال موسم الزيتون، حيث أصبح وصول المزارعين إلى أراضيهم مرتبطاً بقيود الجيش واعتداءات المستوطنين.

وقال المزارع إسماعيل أبو الشيخ، من بلدة بيتا، إن موسم جني الزيتون تحول إلى «موسم خطير» في ظل اعتداءات المستوطنين وقيود الوصول إلى الأراضي، مشيراً إلى أن الزيتون يمثل مصدراً رئيسياً للدخل بالنسبة إلى عائلات كثيرة.

وأضاف أن الاعتداءات باتت تحول دون استكمال المزارعين عمليات قطف الثمار، بعدما كان الموسم مناسبة تنتظرها العائلات، فيما أصبح اليوم مرتبطاً بالخوف على حياة المزارعين وأسرهم.

من جهته، قال المزارع صقر الجبالي إن الجيش الإسرائيلي أجبر مزارعين على مغادرة مناطقهم تحت التهديد وباستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع، رغم وجود ناشطين أجانب لمساندتهم.

وتوقع الجبالي ألا يتجاوز إنتاج زيت الزيتون هذا العام 20 بالمئة، في ظل استمرار منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم واعتداءات المستوطنين.

تصاعد اعتداءات المستوطنين والتهجير

وتشير بيانات «أوتشا» إلى أن اعتداءات المستوطنين باتت تنتج آثاراً تراكمية تتجاوز الأضرار المباشرة التي تخلفها كل حادثة.

وحتى 14 سبتمبر الماضي، وثق المكتب أكثر من 1600 اعتداء للمستوطنين منذ بداية 2026، طالت 275 تجمعاً فلسطينياً، بمعدل 6.7 اعتداء يومياً، مقارنة بخمسة اعتداءات يومياً خلال عام 2025.

وأوضح المكتب أن اعتداءات المستوطنين والقيود المرتبطة بها أدت إلى عزل تجمعات فلسطينية لفترات طويلة، وقلصت قدرة سكانها على الوصول إلى منازلهم وأراضيهم الزراعية والخدمات الأساسية.

وفي السياق ذاته، استمرت عمليات الهدم والإخلاء والتهجير. ووفق «أوتشا»، هُجر أكثر من 4300 فلسطيني في الضفة الغربية خلال 2026 نتيجة عمليات الهدم والإخلاء واعتداءات المستوطنين والقيود المرتبطة بها، حتى منتصف سبتمبر، فيما شكلت اعتداءات المستوطنين والقيود المتصلة بها نحو 60 بالمئة من حالات التهجير.

وخلال أسبوع واحد من سبتمبر، هدمت السلطات الإسرائيلية 86 مبنى فلسطينياً وأجبرت أسرة على هدم منزلها، ما أدى إلى تهجير 147 فلسطينياً، بينهم 73 طفلاً، بحسب تقرير «أوتشا» الصادر في 25 سبتمبر.

الاعتقال.. وجه آخر للتصعيد

وامتدت تداعيات السنوات الثلاث إلى ملف الاعتقال، إذ بلغ عدد الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية نحو 9300 أسير ومعتقل حتى مطلع 5 أكتوبر الجاري.

وذكر بيان مشترك لنادي الأسير الفلسطيني ومؤسسة الضمير وهيئة شؤون الأسرى والمحررين، بمناسبة مرور ثلاثة أعوام على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، أنه تم توثيق استشهاد 92 أسيراً فلسطينياً في السجون الإسرائيلية خلال السنوات الثلاث الماضية، فيما تجاوز عدد الاعتقالات في الضفة الغربية، بما فيها القدس، 26 ألف حالة منذ 7 أكتوبر 2023.

وأضافت المؤسسات أن مصير عشرات الأسرى من قطاع غزة الذين استشهدوا لا يزال مجهولاً، فيما تواصل إسرائيل احتجاز جثامين 100 أسير ممن استشهدوا قبل الحرب وبعدها.

وأشار البيان إلى ارتباط الاعتقالات خلال هذه الفترة بممارسات تشمل التعذيب والتجويع والحرمان من العلاج والاعتداءات الجسدية والجنسية، وصولاً إلى القتل، وفق ما أوردته الورقة المشتركة.

وبحسب المعطيات ذاتها، تعرض أكثر من 2000 طفل و800 امرأة للاعتقال والاحتجاز في الضفة الغربية منذ بدء الحرب، فيما يوجد أكثر من 9300 أسير في السجون الإسرائيلية، بينهم 3101 معتقل إداري و1419 معتقلاً تصنفهم إسرائيل ضمن ما تسميهم «المقاتلين غير الشرعيين».

واعتبرت المؤسسات أن الاعتقال الإداري بلغ منذ بدء الحرب مستويات قياسية، وتحول من إجراء استثنائي إلى سياسة واسعة للاحتجاز من دون توجيه تهمة واضحة أو محاكمة.

الضفة أمام واقع جديد

وتكشف حصيلة السنوات الثلاث أن التحولات التي طرأت على الضفة الغربية لا تختزل في أعداد القتلى والمعتقلين أو حجم الدمار، وإنما تمتد إلى البنية اليومية للحياة الفلسطينية: مخيمات أفرغت من سكانها، وطلاب اضطروا إلى الدراسة خارج مدارسهم، وحواجز تعيد رسم مسارات الحركة، ومزارعون يواجهون صعوبة في الوصول إلى أراضيهم، وأسر تفقد مساكنها ومصادر رزقها.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الضفة الغربية دخلت خلال هذه الفترة مرحلة أكثر تعقيداً، تتشابك فيها العمليات العسكرية مع القيود على الحركة والهدم والتهجير واعتداءات المستوطنين، بما يضغط بصورة مباشرة على قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى الأرض والعمل والتعليم والخدمات، ويعيد تشكيل شروط الاستقرار داخل التجمعات الفلسطينية.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button