
كش بريس/التحرير ـ عاد الجدل حول حدود حرية الإبداع واستعمال المال العام إلى الواجهة، بعدما أحالت المفتشية العامة لوزارة الاقتصاد والمالية ملف الدعم الممنوح لفيلم “خلف أشجار النخيل” إلى المفتشية العامة لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، على خلفية شكاية تقدمت بها “جمعية ربيع السينما” تتهم العمل بتضمين مشاهد وصفتها بالإباحية والمخلة بالحياء العام. ويبلغ حجم الدعم العمومي الذي استفاد منه المشروع أربعة ملايين درهم.
التحرك الرقابي جاء بعد شكاية وضعتها الجمعية لدى وزارة المالية بتاريخ 16 فبراير الماضي، مرفقة بإحالة سابقة صادرة عن وزير العدل في 13 يناير 2026 إلى رئاسة النيابة العامة. وأفادت المفتشية العامة للمالية بأن إحالة الملف على القطاع الحكومي المختص ترتبط بكون القضية تمس منظومة الدعم العمومي للإنتاج السينمائي، بما يستدعي التحقق من مدى احترام الضوابط القانونية والتنظيمية المؤطرة لصرف المال العام.
الجمعية دعمت شكايتها بوثائق تفيد حصول الفيلم على تمويل من أموال دافعي الضرائب، وأرفقتها بمواد توثيقية وتقارير إعلامية اعتبرتها دليلاً على وجود مضامين تتعارض مع القيم المجتمعية. كما طالبت بفتح بحث إداري ومالي للتأكد من مدى تطابق السيناريو الذي قُدم إلى لجنة الدعم مع النسخة النهائية المنجزة، متسائلة عن مدى مشروعية تمويل أعمال “تمس الثوابت” بأموال عمومية يفترض أن تُوجه للنهوض بالإبداع الوطني في إطار احترام الهوية والقيم الدستورية.
وتستند الشكاية إلى مقتضيات المرسوم رقم 2.12.325 والقرار المشترك بين وزيري الاتصال والمالية رقم 2490.12، التي تنص على توجيه الدعم لتحقيق المصلحة العامة، وضمان تتبع صرفه، والتحقق من التزام الشركات المستفيدة بالتصور الفني والمالي المصرح به، مع إمكانية استرجاع الدعم في حال ثبوت الإخلال بالشروط.
من جهته، كان المركز السينمائي المغربي قد أكد في بلاغ سابق خضوع منظومة الدعم لآليات التتبع والمحاسبة من طرف مؤسسات الحكامة والرقابة المالية، تكريساً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. فيما اعتبرت الجمعية أن خطوتها تندرج ضمن “الحرية المسؤولة” واحترام القانون.
غير أن القضية، في بعدها الأعمق، تفتح نقاشاً مركباً يتجاوز هذا العمل بعينه: هل الإشكال قانوني صرف يتعلق بمدى احترام مساطر الدعم، أم هو صراع متجدد حول حدود التعبير الفني في مجتمع محافظ؟ فالدعم العمومي للسينما يقوم، من حيث المبدأ، على تشجيع الإبداع وتوسيع مساحات التعبير، وهو ما قد يقتضي أحياناً تناول قضايا حساسة أو مثيرة للجدل. في المقابل، يظل المال العام محكوماً باعتبارات الشفافية والمساءلة واحترام الإطار القانوني.
الإشكال يبرز أيضاً في غياب معايير دقيقة ومتوافق حولها لتعريف ما يُعد “مخلاً بالحياء العام” أو “منافياً للقيم”، وهي مفاهيم فضفاضة قد تُستعمل لتقييد أعمال فنية لا تخرج بالضرورة عن القانون. كما أن ربط الدعم حصرياً بمطابقة صارمة للسيناريو الأصلي يطرح تحدياً عملياً، إذ إن العملية الإبداعية بطبيعتها دينامية وقابلة للتعديل أثناء التصوير والمونتاج.
وفي المحصلة، يضع هذا الملف منظومة الدعم السينمائي أمام اختبار مزدوج: ضمان الشفافية وحسن تدبير المال العام من جهة، وصون حرية الإبداع من جهة أخرى، بعيداً عن منطق الرقابة الأخلاقية أو الحسابات الظرفية. فالمعادلة الدقيقة تكمن في بناء ثقة متبادلة بين الدولة وصناع السينما والمجتمع، عبر قواعد واضحة تحمي المال العام دون أن تُحوّل الدعم الثقافي إلى أداة ضبط أو تقييد للإنتاج الفني.





