كش بريس/التحرير ـ
شهد قطاع غزة، الثلاثاء، واحدة من أكبر مراسم التشييع في تاريخه، بعد خروج آلاف الفلسطينيين لتوديع جثامين ورفات 112 شهيداً من أفراد عائلتي الحساينة وأبو شريعة، الذين قضوا في مجزرة إسرائيلية استهدفت مربعاً سكنياً في حي الصبرة جنوب مدينة غزة خلال الحرب، قبل أن يتم انتشال رفاتهم من تحت الركام بعد أشهر طويلة من الانتظار والبحث.
وانطلقت مراسم التشييع من حي الصبرة، حيث حمل المشيعون الجثامين والرفات الملفوفة بالأعلام الفلسطينية، ووضعوها بالقرب من أنقاض المنازل التي دُمرت فوق رؤوس سكانها، في مشهد اختلطت فيه مراسم الوداع بحجم الخراب الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على الأحياء السكنية.
ومن المقرر أن توارى الجثامين الثرى في مقبرة “المعمداني” بحي الزيتون جنوب مدينة غزة، عقب أداء صلاة الجنازة، وسط حضور شعبي واسع، في جنازة اعتُبرت من بين الأكبر من حيث عدد الشهداء الذين جرى تشييعهم دفعة واحدة في تاريخ القطاع.
وتعود هذه الجثامين إلى المجزرة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في 23 نوفمبر 2023، عندما قصف مربعاً سكنياً يضم منازل العائلتين، ما أدى إلى انهيار المباني فوق قاطنيها، وذلك عشية دخول أول هدنة مؤقتة حيز التنفيذ في 24 من الشهر نفسه.
وأنهت فرق الدفاع المدني عمليات انتشال الجثامين بعد 136 ساعة من العمل المتواصل، امتدت لنحو أسبوعين وسط ظروف بالغة الصعوبة ونقص حاد في المعدات والآليات اللازمة لرفع كميات الركام والبحث عن المفقودين.
وأكد الدفاع المدني أن الجثامين التي تم انتشالها تعود إلى 40 طفلاً و38 امرأة و7 أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، فيما أوضح المشرف على عمليات الانتشال محمد أبو دان أن الطواقم لم تتمكن من العثور على 157 جثماناً آخر يُعتقد أنها لا تزال تحت الأنقاض.
وتندرج هذه العملية ضمن المرحلة الثانية من مشروع انتشال جثامين الفلسطينيين المفقودين، الذي أطلقه الدفاع المدني في يوليوز الماضي، ويشمل البحث في أنقاض عشرات المنازل والمنشآت المدمرة في مختلف مناطق القطاع.
وكانت المرحلة الأولى من المشروع، التي انطلقت في نونبر 2025، قد أسفرت عن انتشال 333 جثماناً ورفات من أصل مئات المفقودين، في وقت لا تزال فيه أعداد كبيرة من الضحايا عالقة تحت الركام بسبب محدودية الإمكانيات وغياب المعدات الثقيلة اللازمة.
ووفق معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن عدد المفقودين منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023 يقدر بنحو 9500 شخص، بينهم من لا تزال جثامينهم مدفونة تحت أنقاض المباني المدمرة، وآخرون لا يزال مصيرهم مجهولاً.
وتتهم جهات فلسطينية إسرائيل بالتنصل من التزاماتها المتعلقة بالسماح بإدخال المعدات والآليات الثقيلة اللازمة لعمليات البحث والإنقاذ، رغم النصوص المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار التي تنص على تسهيل إدخال هذه التجهيزات.
وفي آخر حصيلة أعلنتها وزارة الصحة في غزة، ارتفع عدد ضحايا الحرب إلى 73 ألفاً و377 قتيلاً، بعد تسجيل سقوط ضحايا جدد خلال الساعات الماضية، وسط استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في مناطق مختلفة من القطاع.
قصف متواصل واستهداف للأحياء المدنية
ميدانياً، أفادت مصادر فلسطينية بسماع دوي إطلاق نار كثيف وقصف في مناطق متفرقة من قطاع غزة، خصوصاً شرق مدينة غزة، حيث استهدفت القوات الإسرائيلية مناطق قريبة من “الخط الأصفر”، كما قتل فلسطينيان جراء استهداف مركبة قرب مفترق النابلسي بحي الشيخ عجلين جنوب غرب المدينة.
وفي وسط القطاع، تواصل القصف المدفعي وإطلاق النار في المناطق الشرقية، بالتزامن مع عمليات نسف لمبانٍ شرق مخيم البريج، بينما شهدت مناطق شرق خان يونس وجنوبها تصعيداً عسكرياً شمل القصف المدفعي وإطلاق النار، وطال بعضها مناطق تؤوي نازحين، من بينها خيام في منطقة الحي النمساوي غرب المدينة.
وأشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” إلى استمرار الغارات والقصف وإطلاق النار في أنحاء القطاع، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى، بينهم أطفال ومدنيون، موضحاً أن قصفاً طال محيط مستشفى الأقصى تسبب في تدمير منشأة لتخزين الإمدادات الطبية وإلحاق أضرار محدودة بالمستشفى، وفق معطيات منظمة الصحة العالمية.
وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة الصحة في غزة أن الشهر الماضي سجل أعلى حصيلة شهرية للقتلى منذ بداية العام الجاري، حيث بلغ عدد الضحايا 152 شهيداً، بينهم 21 طفلاً و14 امرأة وأربعة مسنين، معتبرة أن هذه الأرقام تعكس استمرار تأثير العمليات العسكرية على المدنيين والمناطق السكنية.
مرضى السرطان.. مأساة داخل المأساة
وفي جانب إنساني آخر، حذرت وزارة الصحة في غزة من تدهور خطير يهدد حياة آلاف مرضى السرطان، في ظل استمرار نقص الأدوية والعلاجات المتخصصة وتعذر سفر المرضى للعلاج خارج القطاع.
وقال المدير الطبي لمركز غزة للسرطان، الدكتور محمد أبو ندى، إن الوضع الصحي لمرضى السرطان بات “كارثياً”، مشيراً إلى أن نحو 11 ألف مريض يواجهون ظروفاً صعبة بسبب نقص العلاج الكيميائي وغياب العلاج الإشعاعي وتوقف العديد من الخدمات الطبية المتخصصة.
وأوضح أن نحو 4000 مريض يحملون تحويلات طبية للعلاج أو التشخيص خارج القطاع، لكنهم يواجهون صعوبات كبيرة في مغادرة غزة بسبب القيود المفروضة على المعابر.
وأشار إلى أن نقص الإمكانيات دفع الأطقم الطبية إلى اتخاذ قرارات علاجية معقدة، في ظل غياب بعض العلاجات الأساسية، موضحاً أن أدوية السرطان تشكل نسبة كبيرة من قائمة النواقص الدوائية، وأن تدمير المراكز الصحية المتخصصة فاقم من معاناة المرضى.
وتكشف هذه التطورات المتلاحقة أن مأساة غزة لا تقتصر على أعداد الضحايا الذين يسقطون تحت القصف، بل تمتد إلى آلاف المفقودين تحت الركام، والمرضى الذين يواجهون خطر الموت بسبب انهيار منظومة الرعاية الصحية، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية قسوة في العصر الحديث.

دراسة تعيد رسم خريطة عمل الميتفورمين: دواء السكري الشائع يؤثر في الدماغ أيضاً
حقوقيون مغاربة وأوروبيون يطالبون بتحقيق مستقل في أحداث سبتة ومليلية ويحملون الرباط ومدريد مسؤوليات مشتركة
“سبتيات” يكتبها ل(كش بريس) د المصطفى عيشان ( 6 / 7 )