
يبدو أن سؤال “ربط الجامعة بمحيطها” قد بلغ من العمر ما يجعله اليوم يستحق بطاقة تعريف وطنية. فمنذ أكثر من عقدين، ونحن نسمعه يتردد في الخطب الرسمية كما تتردد اللازمة في أغنية قديمة: محفوظة، مألوفة، لكنها لا تُطرب أحدا.
ولأنني أنتمي بحكم المهنة إلى حقل العلوم الإنسانية، فقد حرصت في السنوات الأخيرة على متابعة كل ما يصدر من كتب أجنبية عما تعنيه عبارة ربط الجامعة بمحيطها أو ما يدخل تحت هذه العناوين (جامعة القرن الواحد والعشرين / التميز في التعليم الجامعي/ نحو جامعة للأألفية الثالثة) وكلها بالفرنسية. كما حاولت بقدر الاستطاعة أن أنظر إلى هذا السؤال لا باعتباره مشروع إصلاح إداري، بل بوصفه لغزا ثقافيا صغيرا . كيف لمؤسسةٍ وُجدت أصلاً لإنتاج المعنى أن تعجز عن إنتاج معنى واضح لعلاقتها بما يحيط بها؟
ثم للانصاف ليست كل الجامعات سواء. فهناك مؤسسات، بحكم تخصصها التقني أو المهني، تبدو أقرب إلى سوق الشغل من ظلها إلى جسدها. أما الكليات ذات الاستقطاب المفتوح ، حيث تتزاحم الآداب والقانون والعلوم الإنسانية ، فالوضع فيها أشبه بحوار صامت بين طرفين لا يتقنان اللغة نفسها: سوقٌ يسأل عن المهارات، وجامعة تجيب عن المناهج.
في هذه الكليات، آلاف الطلبة يمضون سنواتهم الدراسية وهم يتساءلون في سرهم أو جهرهم عن موقعهم من هذه الحكاية: ماذا يُنتظر منا؟ هل نحن مشروع موظفين مؤجلين؟ أم مجرد قرّاء محترفين في زمن لا يقرأ؟ وهل يُفترض في الأستاذ أن يكون مرشدا مهنيا، أم شاهدا على حيرة جماعية ؟
أما الوزارة الوصية، فلا يمكن اتهامها بالتقصير في الاقتراح، فقد دأبت – مشكورة – على تجديد العناوين: “ثقافة المقاولة”، “التواصل المؤسساتي”، “مشروع البحث”، وأخيراً “الذكاء الاصطناعي”. عناوين لافتة، تشبه إلى حد بعيد واجهات المحلات الحديثة: تُوحي بالحركة، لكنها لا تخبرك كثيرا عما في الداخل. فهل يكفي تغيير أسماء المواد لنُقنع الواقع بأن الزمن قد تغير؟
في المقابل، يواصل الأستاذ الباحث – في كلية الآداب أو القانون – طقوسه العلمية المعتادة. يكتب، ينشر، يشارك، يُراكِم. بعض هذا الإنتاج ثمين وجاد، وبعضه – ولنكن لطفاء – يعاني من حنين مفرط إلى التكرار. لكن الظاهرة الأبرز في السنوات الأخيرة هي هذه الوفرة التي بلغت حد الشبهة: كتب ومقالات وأبحاث تتناسل بسرعة لافتة، حتى ليخيل للمرء أن القارئ الوحيد لها هو ملف الترقية.
وهنا يطل سؤال محرج: من يقرأ كل هذا؟ وإن وُجد القراء، فكم عددهم؟ وهل تحولت الكتابة الجامعية، في بعض تجلياتها، إلى نوع من “السيرة الذاتية الموسعة” أكثر منها خطابا موجها إلى المجتمع؟
أما الطلبة، فقصتهم تستحق فصلا خاصا. لقد حدث شيء ما في العقد الأخير، شيء يصعب تحديده بدقة، لكنه واضح الأثر: نفور متزايد من الحضور، من القراءة، من الانخراط في الحياة الجامعية كما كانت تُتصور. وجاءت جائحة كورونا لتمنح هذا التحول دفعة إضافية؛ فقد اكتشف كثيرون “فضيلة الغياب المنتج”: دروس عن بعد، ملخصات متداولة، حضور مؤجل إلى يوم الامتحان… وكأن الجامعة تحولت، في بعض الحالات، إلى محطة عبور موسمية.
بعض الكليات، فعلا، بدأت تستعيد شيئاً من ملامح “الفضاء الشبحي”: مدرجات واسعة، حضور خجول، وحياة جامعية تُمارَس في صيغة الحد الأدنى.
وسط كل هذا، قد يبدو الحديث عن “ربط الجامعة بمحيطها” أشبه بمحاولة ربط ظلٍ بجدار متحرك. ومع ذلك، فالمسألة ليست مستحيلة، وربما ليست معقدة إلى الحد الذي نتصوره. لعل الإشكال لا يكمن فقط في نقص المبادرات، بل في طبيعة السؤال نفسه: هل نريد جامعةً تُشبه السوق، أم سوقاً يتعلم قليلا من الجامعة؟ هل المطلوب هو التكيّف، أم الحوار؟
من زاوية العلوم الإنسانية، قد يكون الرهان مختلفا قليلا ليس فقط إعداد الطلبة لوظائف جاهزة، بل تمكينهم من أدوات الفهم، النقد، والتحليل وهي مهارات لا تقل قيمة، حتى وإن لم تُدرج في إعلانات التوظيف. فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى من يُشغّل الآلات، بل أيضا إلى من يفهم لماذا تُشغَّل، ولمن، وبأي ثمن.
لذلك، ربما حان الوقت لنطرح السؤال بصيغة أقل استعجالا وأكثر عمقا: كيف يمكن للجامعة أن تكون مفيدة لمحيطها دون أن تفقد روحها؟ وكيف يمكن للمحيط أن يعترف بقيمة ما تنتجه الجامعة، حتى وإن لم يكن قابلا للبيع الفوري؟
قد لا نملك “صيغة سحرية”، لكننا نملك ما هو أهم: القدرة على إعادة طرح السؤال، دون كلل، وبشيء من التواضع… وربما أيضا بقليل من السخرية التي تذكرنا بأن التفكير، نهاية المطاف، هو أرقى أشكال المقاومة.



