التجارب الدولية تعلّمنا…
أن الدول التي مرت بمراحل انتقالية صعبة، أو عاشت تحت وطأة هاجس الاستقرار الأمني بعد هزات سياسية كبرى، لم تنتقل إلى فضاء الحرية المطلقة فجأة، بل مرت بمراحل وسيطة وتوافقية ذكية جففت مخاوف السلطة وفي نفس الوقت أعادت الروح للإعلام.
من أبرز التجارب التي تشبه الحالة المصرية من حيث هيمنة الهاجس الأمني ولكنها نجحت في صياغة مخرج آمن هي:
-تجربة تشيلي
-تجربة إندونيسيا
إذا أخذنا من هذه التجارب ما يناسب الواقع المصري الحالي، يمكننا استخلاص نموذج إصلاحي من النموذجين السابقين على النحو التالي :
في النموذج التشيلي : اتفققت الجماعة الاعلامية والصحفية على التوافق على الملفات الاقتصادية والتنموية أولاً .. لم تبدأ بمعارك سياسية أيديولوجية كبرى مع السلطة. بدلاً من ذلك، تم التركيز على “صحافة التنمية” و”الصحافة الاستقصائية الخدمية والمالية”.
وركز الإعلام التشيلي على كشف الفساد الإداري الصغير، وتحليل السياسات الاقتصادية والخدمية بالأرقام.
السلطة وجدت فائدة لها في هذا النوع من الإعلام..
(يكشف كفاءة الجهاز البيروقراطي للدولة ويجذب الاستثمارات)،
واستعاد الإعلام ثقة الجمهور تدريجياً ،وصنع أرضاً صلبة وهوامش اتسعت بالتدريج على مدار سنوات دون مواجهة قرارات قمعية مضادة.
أما النموذج الاندونيسي، فقد توصلت الجماعة الصحفية في حوارها مع السلطة إلى صيغة “مجلس الصحافة المستقل”
تم التوافق على تأسيس “مجلس صحافة مستقل فعلياً” (Press Council)،بتركيبة ذكية:
يضم ممثلين عن الإعلاميين والأكاديميين، وممثلين يحظون باحترام أو قبول الأجهزة السيادية.
تم الاتفاق قانوناً على أن أي تجاوز إعلامي أو قضية رأي لا تذهب إلى “النيابة أو الأمن” مباشرة، بل تذهب إلى هذا المجلس الذي يملك سلطة العقاب المهني ..
(غرامات، اعتذار، تعليق مؤقت) ،
هذا المجلس طمأن السلطة بأن الإعلام لن يتحول إلى فوضى غير مسيطر عليها، وفي نفس الوقت حَمى الإعلاميين ، وفرق بين الخطأ المهني والتآمر السياسي.
نأتي إلى تجارب أوروبا الشرقية والجنوبية، كانت هناك كيانات ضخم تشبه “ماسبيرو” (مترهلة، مكبلة بالديون، وتابعة للسلطة). الإصلاح لم يأت بهدم هذه الكيانات ، بل بتحويلها تدريجياً من “إعلام حكومي/سلطوي” إلى “إعلام خدمة عامة” مثل نموذج الـ BBC ولكن بصيغة محلية.
استمرار السيطرة عطل مسيرة الاعلام المصري وخلق لدينا ثلاث أزمات ضارة بالأمن القومي.
أولها، أزمة غياب أصوات المعارضة العاقلة والنقد المهني يحرم صانع القرار من “ترمومتر” حقيقي يقيس درجة غليان المجتمع، مما يرفع احتمالات المفاجآت الارتدادية الكبرى. أكبر خطورة للاعتماد على “صوت واحد مؤيد” هو أن النظام يصبح معزولاً عن واقع الشارع. التقارير المرفوعة للقيادة تصبح تكراراً لما يُعرض في الإعلام الموجّه (كل شيء على ما يرام، والشعب سعيد ومبتهج..!)
وثانيها: عجز “الصوت الواحد” عن الدفاع عن الدولة : الحكومة تطالب بإعلام قوي لمواجهة الروايات الخارجية (الإقليمية والدولية)، لكنها نسيت أن الإعلام الذي لا يملك مصداقية في الداخل، لن يملك وزناً أو تأثيراً في الخارج. الصوت الواحد المهلل يفقد فوراً سلاح “الإقناع”؛ فالجمهور (سواء المحلي أو الخارجي) ينظر إليه باعتباره بوقاً دعائياً وليس وسيلة إعلام. وعند وقوع أية أزمة حقيقية أو تهديد للأمن القومي، يكتشف النظام أنه استثمر المليارات في أداة لا يصدقها أحد.
وثالثها، كان الهدف من السيطرة هو حماية الوعي العام، لكن النتيجة الفعلية هي العكس تماما، تسليم الجمهور للإعلام البديل. عندما يجد المواطن تفريغاً كاملاً للشاشات والصحف من همومه الحقيقية (الأسعار، المعيشة، الحرية)، فإنه لا يتوقف عن البحث عن الحقيقة، بل يهاجر تلقائيا إلى المنصات الخارجية، أو قنوات المعارضة في الخارج، أو شبكات التواصل الاجتماعي غير الخاضعة للسيطرة. هنا، يقع النظام في نفس المحذور الذي هرب منه: تسليم عقول مواطنيه لجهات لا يملك السيطرة عليها.
كيف نستفيد من هذه التجارب في مصر ؟
لتطبيق هذه الدروس على الحالة المصرية، يجب تقديم الإصلاح للسلطة ليس باعتباره مطالب سياسية، بل باعتباره حزمة حلول لإنقاذ أمن الدولة القومي واقتصادها.
البناء على فكرة “لجنة الـ 67 خبيراً”، ومطالبة الأكاديميين (الذين لا تشك السلطة في ولائهم الوطني) بتقديم “خارطة طريق مرحلية” تبدأ بالإصلاح الإداري والمهني والاقتصادي للمؤسسات، وتأجيل المعارك التشريعية الكبرى إلى مرحلة لاحقة بعد بناء جسور الثقة.
الانتقال من “السياسة” إلى “السياسات”: بمعنى أن يناقش الاعلام الذكي “سياسات” الحكومة (التعليم، الصحة، الاستثمار، الدعم) بالتحليل العلمي والأرقام والبدائل، والابتعاد عن “الاستقطاب السياسي الحاد” الذي يستفز الهاجس الأمني. هذا يمنح الإعلام “شرعية الخبير” التي يصعب قمعها، ويوفر للمواطن المحتوى الحقيقي الذي يبحث عنه.
هذه بعض أفكار للحل لمن يريد إنقاذا للإعلام المصري .. لعلها تجد طريقها ولنبدأ الاصلاح .
*أستاذ الاذاعة والتليفزيون
وعميد كلية الاعلام المدينة ـ جامعة السويس

دراسة تعيد رسم خريطة عمل الميتفورمين: دواء السكري الشائع يؤثر في الدماغ أيضاً
حقوقيون مغاربة وأوروبيون يطالبون بتحقيق مستقل في أحداث سبتة ومليلية ويحملون الرباط ومدريد مسؤوليات مشتركة
“سبتيات” يكتبها ل(كش بريس) د المصطفى عيشان ( 6 / 7 )