لحظة تفكير

د/عبد العلي الودغيري: حول مائدة سليمان

يذكر الملك الحسن الثاني رحمه الله في كتابه: ذاكرة ملك، أنه عندما كان وليّا للعهد في نهاية خمسينيات القرن الماضي، فاجأ مجموعةً من المثقفين العرب، وهو معهم على مائدة طعام في لبنان يتحدثون عن النزاع العربي الإسرائيلي، بالقول:« الخلاصة أن العرب لن يُفلحوا قط في تسوية هذا المشكل، ولو كنتُ مكانَهم لاعترفتُ بإسرائيل وأدمَجتُها في حظيرة الجامعة العربية».

ربما كان ذلك مجرد سانِحة من السوانِح العابرة التي خطَرت للملك الحسن الثاني في تلك اللحظة، دون أن يكون جادًّا فيما يقول. لكن هذه الفكرة لم تمت منذ ذلك الحين، وكأن ذاكرة التاريخ التقطتها من فم قائلها، واحتفظت بها إلى الوقت المناسب، لتعيد إحياءَها وتجسيدها بشكل أو بآخر. فلقد أعاد طرحها أشخاصٌ آخرون في السنوات القليلة الماضية حين تداولوا فكرة جامعة الشرق الأوسط بديلاً عن الجامعة العربية، تكون إسرائيلُ قطبَ رحاها، وحولها تدور كواكبُ الدول العربية السيّارة. وفي سنة 2020 نشر الإعلامي الإسرائيلي إيدي كوهين تدوينة ساخرة، بعد أزمة امتناع خمس دول عربية عن ترؤُّس دورة الجامعة العربية لوزراء الخارجية، قال فيها: «إسرائيل هي الحل، وهي المخلّص، وهي الرئيس لهذه الجامعة التي أسَّسها الإنجليز لتكون البديل للجامعة الإسلامية».

ومن سخرية الأقدارـ كما يقولون ـ أن تتحول إسرائيل هذه الأيام إلى حاضنة لاجتماع الجامعة العربية المصغّر (٤+ ٢)، وندوةٍ صحافية يحتل فيها لابيدُ مكانَ القلب والصدر، يَحفُّه عن اليمين واليسار، أربعة وزراء يمثلون جناحَي العالم العربي الشرقي والغربي. ولولا ظروفٌ طارئة منَعت حضور وزير الأردن، وظروفُ أخرى خاصة بوضع السودان الداخلي منَعت وزيرها من المشاركة أيضًا، لكان ثلث الجامعة العربية حاضرًا في اجتماع النَّقَب. لن يكون غريبًا بعد اليوم، أن تروا عما قريب، عاصمة إسرائيل وهي تحتفل باجتماعٍ كاملِ العُدّة والنِّصاب، وقد رَفرفت على منصتها كلُّ أعلام الجامعة، وعُزفت في مطاراتها كلّ الأناشيد، والحاضرون يتداولون كل القضايا: السلام، الأمن الإقليمي (وليس العربي)، شَجْب الإرهاب، التسامح، الانفتاح، الديانة الإبراهيمية الجديدة، إقامة المشاريع السياحية والتجارية ʺالجبّارةʺ ( كل شيء تكون فيه إسرائيل فهو جَبّار)… وما إلى ذلك من الموضوعات ʺالهامة والمفيدةʺ، إلا قضية الشعب الفلسطيني وهمومه، فتلك قضية داخلية لا تهم سوى إسرائيل والفلسطينيّين وحدهم.

سيُفرش البساط الأحمر للجميع، وتطبّق مراسيم الاستقبال والتوديع بحذافيرها وصرامتها المعهودة، وكما هو متعارَف عليها عالميا، بما ذلك الاحتضان والعناق والتَّبويس، وتبادل الرموز والهدايا والقُمصان، بروح رياضية تامة. ولن ينفضّ الاجتماع، كلُّ اجتماع، إلا بعد أن يُبادر الجميع إلى وضع أكاليل الغار على مجسَّم الهولوكست، والتبرّك بتُربة ʺالأب المؤسّسʺ (لم يعد اسمه: المُجرِم ابن غوريون)، ويقسم بأغلظ الأيمان ألا يمس السامية بأي مكروه.ثم، لا تعجبوا إن عجز العرب عن توحيد صفهم إلا على مائدة سليمان.

ولا تعجبوا إذا لم يُفلح وزراؤنا في توحيد لهاجتهم بلسان عربي جامِع، ولم يجدوا غيرَ الإنجليزية الفصيحة لتبادل خطاباتهم السياسية ومجاملاتهم وطرائفهم العجائبية. فذلك أقلّ شيء يمكن أن يُقدّم هديةَ شكرٍ وتقديرٍ للعمّ سام راعي الوحدة العربية الإسرائيلية، فيقال له بلسان لا يفهم غيرَه: مرحبًا بالإنجليزية المجيدة، لغةً جامعةً لجامعةٍ جديدة. كل ذلك في انتظار أن يُجمع العرب على اتخاذ العِبرية، لغةِ البلد ودولةِ المقرّ، لسانَهم الرسمي والقومي. وليس ذلك على الله بعزيز.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button