لحظة تفكير

أذ/ صبري الصاوي: هيبة المعلم وخيبة التعليم عبر التاريخ

يحظى المعلم بمكانة مرموقة وتقدير عظيم، لما تضفيه تلك الوظيفة المقدسة من مهابة وإجلال علي شخصه، وعلي سمته وسماته، وبما ينطوي عليه دوره في إعداد الأجيال، من رسالية ( كاد المعلم ان يكون رسولا ) تتجسد في حراسة قيم العلم والتنوير والمعرفة في المجتمع، فضلا عن صناعة العقول وتأكيد الانتماء. الأمر الذي يرتقي بالمعلم إلى مكانة عالية ودرجة رفيعة استثنائية، ما لا تحظى به غيرها من الوظائف في المجتمع. و في المقابل، فالمعلم محروم من أي تسامح مجتمعي، حال إخلاله بقداسة المهنة وإهداره لجلال وهيبة وظيفت.ه فلا يغفر له ما يغتفر لغيره من زلات. ومن ثم فإنه يجب أن تكون من مقتضيات هذه الوظيفة التأكد من إدراك المعلم العميق الواعي المسؤول لهذه القداسة. وذلك الإجلال حفاظا على كرامته الانسانية وشرفه الوظيفي أولا، وتقدير المجتمع واحترامه له ثانيا .

وبناء عليه وتعليقا على ما شاهدته مصر وما انشغلت به من فيديوهات معلمة المنصورة المثالية ( حسب زعم مناصريها ) و التي قدمت فيها وصلة من الرقص البلدي، على ظهر مركب في رحلة نيلية إلى القاهرة بمشاركة خمسة زملاء لها معلمين بادارة غرب المنصورة بمحافظة الدقهلية، والذين تم إحالتهم جميعا للتحقيق، بعد تقدم عدد من زملائهم المعلمين ببلاغ ضدهم، اعتراضا واستياءا مما شاهدوه من فيديوهات الرقص للمعلمة المذكورة، والتي قام مجهول (حتي الآن) بتصويرها ونشرها على الفيس بوك. وكذلك بعد متابعتي لتصريحات المعلمة المدهشة، التي وصفت مافعلته ( بأنه رقص عادي جدا أنا كنت بتفك شوية مع أصحابي ) ودون اعتذار منها عن رقصها، اعترفت أن غلطتها ليست في رقصها، بل لأنها وثقت في زملائها، ولم تكن تعلم بأنه سيتم تصويرها، ولو علمت ما رقصت. وقد استفزني الدفاع السقيم المتهافت من جانب منظم الرحلة موظف نقابة المعلمين عن نفسه أولا، وعنها ثانيا، ومحاولته الفجة لتسطيح الأمر وتوصيفه للمشهد في مداخلة تليفزيونية.

إنها مجرد حالة انبساط ومرح في رحلة لمعلمين في يوم إجازة، وليس يوم عمل رسمي. وأنها لم ترقص وحدها، بل شاركها كل الموجودين الرقص. وزادنا اطمئنانا أن ذلك تم في وجود سيادته. هو وزوجته وبناته. وزادنا من الشعر بيتا بأن المعلمة مجرد بنت صغيرة لاتدرك ماتفعل و حرام التشهير بها. لأنها زوجة وأم لثلاثة أطفال. ثم واصل تخبطه، فتنصل منها نافيا تبعيتها لوزارة التربيه والتعليم. وقال إنها مدرسة للغة العربية متطوعة بلا أجر منذ تلات سنوات. ثم عاد ودافع عنها ليزكيها لنا بأنها قد تم تكريمها كمعلمة مثالية. وأخيرا اتهم مصور الفيديو بأنه من أعداء النجاح، نظرا لإنجازات سيادته الخارقة في لجنته النقابية. مؤكدا على أنه أنجز في ثلاثة أشهر ما يحتاجه غيره لإنجازه عشرة سنوات كاملة .. شيء مقزز ..

وسرعان ما تشكلت هيئة التبرير والتمرير الإعلامية من جانب القنوات الفضائية، التي هبت بالتزامن الفاضح و بفجاجة وسماجة منقطعة النظير للدفاع عنها كضحية، للتنمر والتمييز ضد المرأة والتشهير بخلط الأوراق والتهوين مما حدث، لخلق رأي عام متعاطف مع المعلمة، كونها ضحية للتنمر من جانب مصور الفيديو الشرير منتهك الحريات. وأن ما فعلته أمرا عاديا من قبيل الحرية الشخصية، وأن هذه الضجة إنما اضا@افتعلها الاخوان بوزارة التربية و التعليم مقدمي البلاغ ( والمصور قطعا منهم ) لإجراء التحقيق فيما حدث، ومحاسبة المعلمة، ومن شاركها. وخرجت الفضائيات لتدعمها وتطالبها بالثبات والزهو بنفسها، وبأنها مارست حقها الطبيعي في الرقص واختلط الحابل بالنابل، فضاعت حقائق وأهدرت قيم تحت دخان كثيف وصخب مفتعل، باسم الدفاع عن هذه المعلمة المسكينة ضحية التنمر والإساءة إليها والتشهير بها، فقط لمجرد أنها امراة مهيضة الجناح، في مجتمع ذكوري متعفن متوحش رجعي متخلف .

لا يا سادة. فمن أجل الحفاظ علي هيبة ومكانة المعلم، أرجوكم قليلا من الهدوء والتعقل وكثيرا من الموضوعية. فإن ماقامت به المعلمة “المثالية” هو فعل كاشف لتدني معايير الاختيار لقبول المعلمين، حتي ولو كانوا متطوعين يعملون بلا أجر، كما قال مسؤول النقابة. وكأن ذلك مبررا لعدم إجراء اختبارات ومقابلات شخصية للمتطوعين، للتأكد من إدراكهم لأهمية وقدسية وظيفة المعلم، ماداموا سيعملون بلا أجر. فلا داعي لأي نوع من الاختبارات ولا مبرر لأي قيود علي سلوكهم الشخصي. فيفعلوا ماشاؤوا دون حسيب أو رقيب. علما بأن العمل بلا أجر هو موافقة ضمنية من الوزارة للمعلم، بأن يحصل على أجره من أولياء الأمور عبر الدروس الخصوصية. وما عرض بالفيديو من وصلة الرقص المبتذل هو فعل فاضح، لايمكن تمريره وقبوله من معلمة وأم وزوجة. وقد أغضب ذلك زوجها حسب ماصرحت به المعلمة بعد رفضها من الوظيفة بعد التحقيق معها. ولأنها معلمة لن يغفر لها مايغتفر لسواها.

والحقيقة أن إدانتها ورفض سلوكها، يرجع بالدرجة الأولى، كونها معلمة مربية وليس كونها امراة. ولو لم تكن معلمة ما أثير هذا الأمر ووسائل التواصل الاجتماعي تعج بمثل هذه النفايات الأخلاقية. فالأمر لايتعلق بحرية المراة في الرقص، ولا بالتنمر عليها. فلا تلبسوا الحق بالباطل، ولا تزيفوا الحقائق، ولا تخلطوا الأوراق، فالأمر يتعلق بهيبة المعلم التي أهدرتها هذه المعلمة بسلوكها المشين.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‏شاهد أيضا
Close
Back to top button