‏آخر المستجداتفنون وثقافة

«سيرة شعرية».. حين تتحول حياة الشاعر إلى ذاكرة للقصيدة في دار الشعر بمراكش

كش بريس/التحرير ـ

تواصل دار الشعر بمراكش، في موسمها الثقافي والشعري العاشر، اختبار صيغ جديدة للقاء الشعري، وتوسيع المسافة بين القصيدة ومتلقّيها، عبر برامج تجعل الشاعر طرفاً في حوار يتجاوز الإلقاء إلى مساءلة التجربة ذاتها. وبعد محطة «أصوات معاصرة»، التي فتحت فضاء الدار أمام أصوات شعرية من أجيال جديدة، اختارت الدار، ليلة الجمعة 25 شتنبر الماضي، أن تضع السيرة في قلب لقاء شعري جديد ضمن برنامجها «سيرة شعرية».

لم تكن السيرة، في هذا اللقاء، دفتر وقائع ولا ترتيباً زمنياً لأيام الشاعر، وإنما ظهرت باعتبارها مادة تتشظى داخل القصيدة، وتعيد اللغة تشكيلها كلما عبرت من الذاكرة إلى المخيلة، ومن التجربة الفردية إلى فضاء أوسع تتقاطع فيه الأمكنة والأصوات والغياب والآخرون. ومن هذه الزاوية، جمع اللقاء أربعة شعراء ينتمون إلى جيلين من أجيال القصيدة المغربية: محمد علي الرباوي، نبيل منصر، زكية المرموق وكبور فرتاد، في محاورة جعلت من «السيرة» مدخلاً لقراءة ما تخفيه القصيدة خلف صورتها الظاهرة.

كان السؤال الذي حملته الأمسية، وإن لم يُصغ دائماً في صورة سؤال مباشر، هو: أين تنتهي حياة الشاعر وتبدأ حياة القصيدة؟ وهل يمكن للذات، حين تدخل الشعر، أن تظل محتفظة بسيرتها الأولى، أم أن اللغة تعيد اختراعها وتمنحها حياة أخرى؟

محمد علي الرباوي.. من الأغنية إلى القصيدة

استعاد الشاعر الرائد محمد علي الرباوي بدايات علاقته بالشعر، مستحضراً لحظة كان فيها الشعر يصل إليه عبر الموسيقى والأغنية. وتوقف عند ذكرى تلحين أحمد البيضاوي لقصيدته الأولى، في شهادة كشفت عن الأثر العميق الذي تركته الموسيقى في تكوين تجربته الشعرية.

كان الشعر، كما استعاد الرباوي تلك البدايات، يصل إلى جيله عبر «الكلمات الجميلة» التي كان كبار المغنين يتغنون بها، حيث امتزج سحر الكلام بجمال اللحن. لذلك كان التلميذ الذي كانه يومها يسمي الشعر «الأغنية»، قبل أن تتكشف له لاحقاً الحدود الملتبسة بين الموسيقى والقصيدة.

ومن داخل هذا الاسترجاع، اتخذت السيرة عند الرباوي بعداً يتجاوز الذات الفردية. فحيوات الآخرين تتسرب إلى القصيدة، كما تتسرب الأمكنة والذاكرة والأصوات، لتصبح جزءاً من سيرة الشاعر نفسها. وهو ما بدا واضحاً في قراءته مقاطع من قصيدته «سلطان باليما وبوجميع في سبع موجات»، وفي النص المهداة إلى والده في عزلته بباريس، حيث تتقاطع عزلة الأب مع عزلة الشاعر في الرباط، ويصبح المكان حاملاً لطبقات من الذاكرة والغياب.

وفي مقطع من «الموجة الرابعة» يقول:

«في هذا الليل رأيت السلطان يغادر باليما، ورأيت غزالاً يمشي بالمهماز، رأيت النخل تدلّى منه عيون في حجم الرمان… رأيت البحر بمراكش يترك زرقته في جسدي المحروق ويرحل كالحلم إلى جزر الوقواق…».

هنا لا تستعيد السيرة ماضيها كما وقع، وإنما تعيد القصيدة تركيب العالم من شظايا الذاكرة والخيال، حتى يصبح الماضي نفسه مادة قابلة لإعادة الولادة داخل اللغة.

نبيل منصر.. «منزل في أرض الشعر»

في المحاورة الثانية، قاد الشاعر نبيل منصر الإصغاء إلى منطقة أكثر التصاقاً بالغياب، من خلال شهادته حول «منزل في أرض الشعر». فالمنزل الذي يستحضره منصر لا يستقر في جغرافيا مرجعية ثابتة، وإنما يتشكل بين الروح والجسد، وبين الأطياف والمعنى المثلوم باليتم.

وتقوم التجربة، كما قدمها الشاعر، على كتابة تتعامل مع الذاكرة بوصفها أثراً لا وثيقة، ومع الغياب بوصفه قوة خفية تستمر في إنتاج المعنى. لذلك لا تستعيد القصائد حياة الأب بوصفها سيرة جاهزة، ولا تحول الموت إلى مرثاة مكتملة، وإنما تحاول الإمساك بما تركه الغياب من خطوط ومسالك وأمكنة محذوفة.

إنها كتابة تتقدم من داخل ما تلاشى، بحثاً عن قبضتها المستحيلة على زمن تداخلت فيه الحياة والموت، وصار الماضي جزءاً من الحاضر الشعري.

ومن هذا العالم قرأ منصر مقطعاً يقول:

«من يقدر على إطفاء الفرح، كما نطفئ صفوف الشموع بفعل الرياح العاتية؟
ما من أفواه تجرأت على ذلك، وكل نفخ لا يزيد الأبدية إلا توهجاً، الكلمات نفسها
تقف عاجزة عن الاقتراب منه!».

وفي هذه المسافة بين ما يُقال وما تعجز الكلمات عن بلوغه، تتشكل إحدى مفارقات السيرة الشعرية: كلما حاول الشاعر استعادة حياته، وجد نفسه أمام حياة أخرى صنعتها اللغة.

زكية المرموق.. القصيدة بوصفها سيرة مقنّعة

من جهتها، دفعت الشاعرة زكية المرموق مفهوم السيرة إلى منطقة الاعتراف، معتبرة أن «كل قصيدة هي سيرة مقنعة». فالذات، حتى عندما تتحدث عن البحر، لا تتحدث عن بحر خارجي خالص، وإنما تستدعي بحرها الداخلي، وتلقي على العالم شيئاً من أثرها الخاص.

وتصبح الكتابة، في تصورها، مساحة لتحويل التجربة الانفعالية إلى مادة شعرية. الحزن والفرح والندوب والكوابيس والذاكرة، كلها تنتقل من حالة داخلية غامضة إلى صور يمكن رؤيتها ومواجهتها. ومن هنا يصبح الشعر فعلاً للنجاة، ومساراً للخلاص من أثقال الذات حين تعجز عن احتمالها في صمتها.

ومن ذاكرة الجدة فاطنة، استحضرت المرموق قصيدتها «كفوف صغيرة»، حيث يتحول تفصيل عائلي شديد الخصوصية إلى صورة شعرية واسعة عن المرأة والبيت والذاكرة والعمل والحب:

«لم تقصد المدرسة
لم تتعلم فك الخط حتى
ولم تأخذ دروساً في الاقتصاد
لكنّها كانت تدير حياتنا
وبيتاً كبيراً
مكوناً من أولاد وأحفاد يتهاطلون
كما يتهاطل المطر
في ديسمبر…».

ثم تستعيد الشاعرة يدي جدتها، لتصل بهما إلى يديها، ومنهما إلى القصيدة نفسها، حيث يتحول الإرث الحميمي إلى كتابة، ويتحول الجسد العائلي إلى ذاكرة شعرية تتجاوز صاحبها.

كبور فرتاد.. حين تكتب الذات سيرتها بصيغة الجمع

أما الشاعر كبور فرتاد، فقد نقل مفهوم السيرة من فضاء الاستعادة إلى فضاء التحول. فالسيرة، في تجربته، لا تعني أرشفة الأيام ولا إعادة ترتيبها وفق تسلسل زمني، وإنما تعني إعادة بناء علاقة الذات بالعالم.

يكتب فرتاد ذاته وهي تدخل في شبكة من العلاقات والتجارب والأمكنة والأصوات والذاكرة، حتى تفقد حدودها المنعزلة وتصبح جزءاً من حركة أوسع. ومن هنا تتحول التجربة الفردية إلى مادة جمالية قابلة للانفتاح على تجارب الآخرين، ويصبح «الأنا» الشعري، في جوهره، كتابة عن الإنسان في صورته الجمعية.

ومن هذه الزاوية، لا يكتب الشاعر سيرته بوصفه فرداً منفصلاً، وإنما يترك للكون واللغة والتاريخ والأمكنة أن تشارك في روايتها. السيرة هنا لا تسير في اتجاه واحد من الذات إلى العالم؛ العالم نفسه يصبح راوياً محتملاً للذات.

ومن قصيدة «دعاء الملاح الأخير» قرأ فرتاد:

«تمضي بي الأيام رتيبة
أتدلى من صار ضبابي
تحت جلدي
يمخر ملاح حزين
لا أحد ينتظرني هناك
مثل ملاحي أثينا…».

كما قرأ من «مقطع من سيرة يد»:

«حان الوقت
لأنفصل عن جسدي…
تقول: يدي…
كظل خرجت أصابعي
تلوح لنهر دون أن تتكلم…
هل كانت حقاً يدي؟!».

وفي هذه القصيدة تحديداً، تبدو السيرة وكأنها تفقد صاحبها تدريجياً؛ فاليد التي تحمل أثر الذات تصبح كائناً مستقلاً عنها، والذاكرة لا تعود ملكاً لمن عاشها وحده.

«شدو».. حين تصغي الموسيقى إلى القصيدة

واكتملت فقرات الأمسية بمساهمة كورال «دار النغم» بمراكش رفقة الفنان عزالدين دياني، ضمن فقرة «شدو»، حيث تداخلت المقامات الموسيقية مع الإيقاع الداخلي للقصائد، واستعادت الأمسية بذلك أحد خيوطها الأولى: العلاقة القديمة بين الشعر والغناء، وهي العلاقة التي استعادها محمد علي الرباوي في حديثه عن بداياته.

وهكذا بدا اللقاء وكأنه ينتقل بين شكلين من أشكال الذاكرة: ذاكرة تستعيدها الكلمات، وذاكرة تستدعيها الموسيقى.

«سيرة شعرية».. من حياة الشاعر إلى حياة القصيدة

اختارت دار الشعر بمراكش أن تجعل من «سيرة شعرية» مساحة لتأمل علاقة الشاعر بحياته، دون اختزال القصيدة في السيرة الذاتية أو تحويلها إلى وثيقة شخصية. فقد أظهرت شهادات الشعراء الأربعة أن التجربة، حين تدخل اللغة، تفقد حدودها الأولى: ذكرى الأب تصبح سؤالاً عن الغياب، والجدة تتحول إلى ذاكرة جماعية، واليد تصير استعارة للجسد، والمكان يستحيل إلى طبقة من طبقات الروح.

ومن هنا تأتي أهمية هذه الصيغة التي تواصل دار الشعر بمراكش اختبارها في موسمها العاشر؛ إذ لا تجعل اللقاء الشعري مناسبة للقراءة وحدها، وإنما تفتح القصيدة على سياقات تكوينها، وعلى ما يحيط بها من أسئلة الذاكرة والوجود والآخر.

وتندرج هذه البرمجة ضمن توجه الدار نحو بناء لقاءات تقوم على تيمات موضوعاتية، تستحضر الأسئلة المركزية التي تشغل الشعر المغربي، وتتيح في الوقت نفسه حواراً بين تجاربه وأجياله. وفي «سيرة شعرية» تحديداً، لم تكن السيرة خاتمة لحياة مكتملة، وإنما بدت مادة أولية تعيد القصيدة اختراعها كل مرة، حتى يصبح ما عاشه الشاعر قابلاً لأن يعيش مرة أخرى داخل اللغة، وبصوت قارئ آخر، وفي ذاكرة مدينة أخرى.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button