كش بريس/التحرير ـ
كشف صندوق محمد السادس للاستثمار عن تعبئة 7.2 مليارات درهم من أمواله الذاتية إلى نهاية سنة 2025، في حصيلة تعكس اتساع نطاق تدخله في تمويل الاقتصاد الوطني ودعم الاستثمار المنتج، فيما يراهن الصندوق على تعبئة استثمارات تصل إلى 120 مليار درهم خلال السنوات الخمس المقبلة، انطلاقاً من رأسمال أولي حُدد في 15 مليار درهم.
وأفادت أول حصيلة لقياس الأثر أصدرها الصندوق برسم سنة 2025 بأن تدخلاته امتدت إلى عشر جهات من أصل 12 جهة بالمملكة، وأسهمت المشاريع المستفيدة في دعم أكثر من 15 ألف منصب شغل، وسط توجه رسمي نحو تنويع مصادر تمويل الاستثمار، واستقطاب الرساميل الخاصة، وتقوية قدرة المقاولات والمشاريع الاستراتيجية على تنفيذ برامجها التوسعية.
وحسب التقرير، فقد استفادت 52 مقاولة من تدخلات الصندوق إلى نهاية 2025، من خلال ثلاث آليات رئيسية تتمثل في الاستثمار المباشر، والاستثمار غير المباشر عبر صناديق متخصصة، إلى جانب أدوات التمويل القائمة على الدين الثانوي.
ووجهت هذه التدخلات نحو قطاعات اعتبرها الصندوق ذات أولوية، في مقدمتها الصناعة والبنيات التحتية والفلاحة والسياحة والمقاولات الصغرى والمتوسطة، فضلاً عن الابتكار والأنشطة ذات إمكانات النمو المرتفعة.
4.3 دراهم خاصة مقابل كل درهم مستثمر
وتكشف مؤشرات الأثر المالي عن قدرة الصندوق على جذب رساميل إضافية إلى جانب موارده الذاتية. فقد أظهر التقرير أن كل درهم ضخه الصندوق في إطار الاستثمار الخاص أسهم في تعبئة 4.3 دراهم من الأموال الذاتية لدى مستثمرين آخرين، بينما مكنت كل وحدة نقدية من التمويلات المقدمة عبر آليات الدين الثانوي من استقطاب 5.4 دراهم من الاستثمارات.
وتعكس هذه المؤشرات الوظيفة التي يسعى الصندوق إلى الاضطلاع بها داخل منظومة تمويل الاقتصاد، عبر تقاسم المخاطر مع المستثمرين، وتوفير رأسمال محفز، وفتح المجال أمام رساميل وطنية ودولية للمشاركة في تمويل المشاريع المنتجة.
وفي مجال الاستثمار غير المباشر، بلغ الحجم الإجمالي المستهدف للصناديق الاستثمارية المدعومة 18.7 مليار درهم، منها 14.4 مليار درهم جرى تعبئتها من مستثمرين وطنيين ودوليين، مقابل مساهمة للصندوق بلغت 4.4 مليارات درهم.
وبلغت الاستثمارات التي وُجهت فعلياً إلى المقاولات 3.9 مليارات درهم، استفادت منها 27 مقاولة، في صيغة تعتمد على شركات تدبير متخصصة لتوجيه الموارد نحو النسيج المقاولاتي المغربي، ولاسيما المؤسسات التي تواجه صعوبات في الولوج إلى التمويلات التقليدية أو تحتاج إلى رساميل طويلة الأجل لتنفيذ خططها الاستثمارية.
50 مستثمراً في منظومة التمويل
وسجل التقرير مشاركة 50 مستثمراً وطنياً ودولياً في أنشطة الاستثمار الخاص، ضمن قاعدة تضم صناديق التقاعد والبنوك وشركات التأمين والمجموعات الكبرى ومؤسسات تمويل التنمية والصناديق السيادية.
ويشكل المستثمرون المغاربة 64 في المائة من هذه القاعدة، مقابل 36 في المائة للمستثمرين الأجانب، بما يعكس قدرة الصندوق على الجمع بين تعبئة الادخار والاستثمار الوطني واستقطاب رؤوس الأموال الخارجية.
أما آليات الدين الثانوي، فقد التزم الصندوق في إطارها بتعبئة 1.2 مليار درهم، أسهمت في استقطاب 2.6 مليار درهم من الأموال الذاتية لدى أطراف أخرى، مع توقع تعبئة استثمارات إجمالية تصل إلى 6.6 مليارات درهم.
وأسفرت هذه الآلية عن الموافقة على تمويل 85 مشروعاً استثمارياً، مع دعم 7120 منصب شغل، إضافة إلى توقع إحداث 4130 منصباً جديداً.
وتكتسب هذه الصيغة أهمية خاصة بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة، بالنظر إلى ما توفره من تمويلات مكملة للائتمان البنكي التقليدي، خصوصاً من حيث آجال السداد وفترات السماح، بما يمنح المقاولات هامشاً أكبر لتمويل التوسع وتجديد التجهيزات وتقوية قدراتها التنافسية.
تهدارت في قلب الاستثمارات الطاقية
ولم تقتصر تدخلات الصندوق على تمويل المقاولات، وإنما امتدت إلى أصول وبنيات تحتية ذات طبيعة استراتيجية، وفي مقدمتها قطاع الطاقة.
وفي هذا السياق، سلط التقرير الضوء على عملية استحواذ الصندوق على مساهمات في رأسمال المحطة الكهربائية لتهدارت، لترتفع حصته الإجمالية إلى 52 في المائة، بعد اقتناء حصص كانت مملوكة لشركتي «سيمنس» و«إنديسا»، بنسبة 20 و32 في المائة على التوالي.
وتبلغ القدرة الإنتاجية للمحطة 400 ميغاواط، فيما تشير معطيات التقرير إلى مساهمتها في تلبية حاجيات كهربائية تعادل استهلاك نحو 600 ألف منزل، مع تسجيل معدل جاهزية بلغ 99.8 في المائة.
وتندرج هذه العملية ضمن توجه الصندوق نحو الاستثمار في الأصول الاستراتيجية ذات الصلة بالأمن الطاقي، ومواكبة تحديث البنيات التحتية الكهربائية وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على تأمين حاجياته من الطاقة.
وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى الشراكة الاستراتيجية المبرمة في ماي 2025 بين صندوق محمد السادس للاستثمار ومجموعتي «طاقة المغرب» و«ناريفا»، بتنسيق مع الحكومة والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، والتي تستهدف تعبئة استثمارات تقدر بنحو 130 مليار درهم في أفق 2030.
وتشمل هذه الشراكة تطوير قدرات إنتاج الكهرباء انطلاقاً من الغاز الطبيعي والطاقات المتجددة، وتقوية شبكات نقل الكهرباء، إلى جانب تطوير بنيات تحلية مياه البحر ونقل المياه.
وتستهدف المشاريع المرتبطة بهذا المسار قدرات لتحلية نحو 900 مليون متر مكعب من المياه ونقل 800 مليون متر مكعب، فضلاً عن تطوير قدرات كهربائية جديدة، في محاولة للربط بين تحديات الأمن الطاقي والإجهاد المائي وحاجيات النمو الاقتصادي.
أكثر من 15 ألف منصب شغل
وتبرز حصيلة الصندوق كذلك البعد الاجتماعي لتدخلاته، بعدما أسهمت المشاريع المعتمدة في دعم أكثر من 15 ألف منصب شغل، موزعة بين مختلف أدوات الاستثمار والتمويل.
واستحوذت الاستثمارات في الأصول الخاصة على نحو نصف فرص الشغل المدعومة، بينما بلغت مساهمة أدوات الدين الثانوي حوالي 36 في المائة.
وتكتسب هذه الأرقام دلالتها في ظل استمرار الضغط على سوق الشغل، إذ أورد التقرير أن معدل البطالة بلغ 13 في المائة سنة 2025، وارتفع إلى 37.2 في المائة في صفوف الشباب، مقابل معدل نشاط في حدود 43.5 في المائة.
وتضع هذه المؤشرات الاستثمار العمومي والخاص أمام تحدي الانتقال من مجرد تعبئة الرساميل إلى ضمان قدرتها على خلق وظائف مستدامة، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة المرتفعة.
الاستثمار ينتشر.. لكن المركز ما يزال أقوى
مجالياً، امتدت تدخلات صندوق محمد السادس للاستثمار إلى عشر جهات من أصل 12 جهة، غير أن التوزيع الترابي للرساميل يظل بعيداً عن التوازن الكامل.
فالتقرير يسجل استمرار تمركز الاستثمارات في محور الدار البيضاء والرباط، الذي يستحوذ على نحو 58.5 في المائة من الاستثمارات، وهو ما يكشف استمرار قوة الاستقطاب الاقتصادي للمراكز الكبرى مقارنة بباقي جهات المملكة.
ويضع هذا الواقع أمام الصندوق تحدي توسيع دائرة الاستثمار نحو المجالات الأقل استفادة من الرساميل، عبر دعم المشاريع القادرة على تثمين المؤهلات الاقتصادية المحلية، وربط الاستثمار بسلاسل الإنتاج الجهوية، وتحويل الخصوصيات الفلاحية والصناعية والسياحية لكل جهة إلى رافعة لجذب الاستثمار الخاص.
البيئة والحكامة في حسابات الاستثمار
وفي الجانب المتعلق بالاستدامة والحكامة، أفاد التقرير بأن جميع الاستثمارات خضعت لتقييم وفق معايير البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحكامة، مع انخراط شركات التدبير في برامج تستهدف تحسين الممارسات البيئية والاجتماعية.
كما طور الصندوق شراكات مع مؤسسات دولية، من بينها البنك الأوروبي للاستثمار والاتحاد الأوروبي، بهدف دعم الاستثمار المستدام ومواكبة المقاولات المغربية في تحسين أدائها.
وتقدم حصيلة سنة 2025، في مجملها، صورة عن تحول صندوق محمد السادس للاستثمار إلى إحدى الأدوات المركزية في هندسة تمويل الاستثمار بالمغرب؛ فالمؤشر الأبرز في تجربته لا يرتبط فقط بحجم الأموال التي ضخها، وإنما بقدرته على تحويل رأس المال العمومي إلى رأسمال محفز يستقطب استثمارات إضافية، ويشارك في تمويل المقاولات والبنيات التحتية، ويبحث عن موطئ قدم للاستثمار في مختلف جهات المملكة.
ويبقى التحدي الأكبر أمام هذه الدينامية مرتبطاً بمدى قدرة الاستثمارات المعبأة على إنتاج أثر اقتصادي مستدام، وتقليص الفوارق المجالية، وتوسيع قاعدة المستفيدين، وربط التمويل بالنمو والتشغيل والإنتاجية، بما يجعل من الصندوق أداة فعلية لإعادة تشكيل خريطة الاستثمار الوطني، لا مجرد قناة إضافية لضخ الرساميل.

استطلاع عربي: 79% من المغاربة يرفضون التطبيع مع إسرائيل.. وغزة في نظرهم ساحة إبادة وتطهير عرقي
القروض البنكية تتجاوز 1333 مليار درهم.. تمويل المقاولات يقود نمو الائتمان بالمغرب
القدرة الشرائية تحت ضغط جديد.. أسعار الغذاء العالمية تهدد المغرب في 2027
حكيمي يوجّه رسالة وداع لرونالدو: شكراً على كل شيء يا أسطورة