ضوابط جديدة لتدقيق مالية الأحزاب..

ـ الحكومة تعتمد دليلاً موحداً لتعزيز الشفافية وربط الدعم العمومي بالمراقبة المحاسبية ـ

كش بريس/التحرير ـ

دخلت قواعد جديدة لمراقبة مالية الأحزاب السياسية حيز التنفيذ، بعد نشر القرار المشترك لوزير الداخلية ووزيرة الاقتصاد والمالية رقم 1434.26 في العدد الأخير من الجريدة الرسمية، والذي يعتمد لأول مرة دليلاً مرجعياً موحداً يحدد معايير التدقيق القانوني والتعاقدي للحسابات السنوية للأحزاب، في خطوة تروم تعزيز الحكامة المالية، وترسيخ مبادئ الشفافية وربط صرف الأموال العمومية بآليات رقابية أكثر صرامة.

ويضع القرار إطاراً تنظيمياً دقيقاً لعمل الخبراء المحاسبين المكلفين بالإشهاد على الحسابات السنوية للأحزاب السياسية، إذ يلزمهم بتطبيق المعايير المهنية المعتمدة من طرف هيئة الخبراء المحاسبين بالمغرب، مع التقيد الكامل بمبدأ الاستقلالية والحياد، بما يضمن نزاهة عمليات الافتحاص وعدم تأثرها بأي اعتبارات حزبية أو تنظيمية.

ويهدف الدليل الجديد إلى توحيد منهجية مراقبة مالية الأحزاب، من خلال تحديد مجالات المخاطر المحتملة، والإجراءات الواجب اعتمادها أثناء عمليات التدقيق، بما يسمح بتقييم مدى احترام الأحزاب للقواعد القانونية والمحاسبية المنظمة لتدبير مواردها ونفقاتها.

واعتمد القرار المخطط المحاسبي الموحد للأحزاب السياسية مرجعاً رسمياً لإعداد الحسابات السنوية، فيما أوكل مهمة الإشهاد إلى خبير محاسب يعينه الجهاز المختص داخل الحزب، شريطة أن يكون مسجلاً بجدول هيئة الخبراء المحاسبين بالمغرب، ولمدة ثلاث سنوات مالية متتالية قابلة للتجديد مرة واحدة.

استقلالية صارمة ومنع تضارب المصالح

وشدد الدليل على ضرورة ضمان استقلالية الخبير المحاسب، عبر إقرار حالات واضحة للتنافي تمنع تعيين أي شخص تربطه علاقة تنظيمية أو مصلحية بالحزب.

وبموجب هذه الضوابط، يمنع الخبير المحاسب من مزاولة مهمته إذا كان عضواً أو منخرطاً في الحزب، أو يشغل مسؤولية داخل أجهزته أو داخل شركة أو مؤسسة تابعة له، كما يمتد المنع إلى كل من سبق له تولي هذه المسؤوليات خلال السنوات الأربع السابقة لتعيينه.

وتشمل حالات التنافي أيضاً وجود صلة قرابة أو مصاهرة مع أحد مسؤولي الحزب أو المكلفين بتدبيره المالي، أو تقديم خدمات محاسبية أو استشارية لفائدته، أو امتلاك مصالح مالية مرتبطة به، أو الاستفادة من امتيازات أو هدايا تتجاوز الأتعاب المهنية المتفق عليها.

رقابة تمتد إلى الموارد والنفقات والدعم العمومي

ويمنح الدليل للخبير المحاسب صلاحيات واسعة للتحقق من سلامة المحاسبة في أي مرحلة من السنة المالية، مع التأكد من احترام مقتضيات المخطط المحاسبي الموحد، ومطابقة جميع العمليات المالية للوثائق والمستندات القانونية.

كما تشمل عملية التدقيق فحص مشروعية الموارد المالية للحزب، بما فيها واجبات الانخراط، والهبات، والوصايا، ومختلف مصادر التمويل الأخرى، والتأكد من صحة تقييدها محاسبياً وتبريرها وفق النصوص الجاري بها العمل.

وفي المقابل، يخضع جانب النفقات لمراقبة دقيقة تروم التأكد من ارتباطها بالأهداف القانونية للحزب، واحترامها لقواعد صرف الدعم العمومي، مع استبعاد أي مصاريف ذات طابع شخصي أو غير مبررة أو لا علاقة لها بالأنشطة الحزبية.

ويولي الدليل أهمية خاصة لمراقبة أوجه استعمال الدعم المالي الذي تمنحه الدولة للأحزاب السياسية، حيث يتعين على الخبير المحاسب التحقق من توظيف هذه الاعتمادات حصرياً في الأغراض التي رصدت لها، واحترام الآجال القانونية لصرفها، مع مطابقة المعطيات المحاسبية للتقارير والوثائق الموجهة إلى المجلس الأعلى للحسابات.

توسيع نطاق الافتحاص ليشمل المؤسسات التابعة للأحزاب

ولم يقتصر الدليل على مراقبة مالية الحزب في حد ذاته، بل نص على توسيع نطاق التدقيق ليشمل الشركات أو المؤسسات أو الهيئات التي قد يحدثها الحزب وفق التشريعات الجاري بها العمل، بما يضمن شمولية الافتحاص وعدم استبعاد أي نشاط مالي مرتبط بالحزب.

ثلاثة تقارير سنوية وتبليغ المخالفات الجسيمة

وفي ختام كل سنة مالية، يلتزم الخبير المحاسب بإعداد ثلاث وثائق أساسية، تتمثل في تقرير الإشهاد على القوائم المالية، وتقرير مفصل حول أعمال التدقيق المنجزة، إضافة إلى تقرير خاص بتقييم نظام المراقبة الداخلية للحزب.

ويتيح الدليل للخبير المحاسب إصدار أحد ثلاثة مواقف بشأن الحسابات السنوية، تتمثل في الإشهاد دون تحفظ، أو الإشهاد مع تسجيل تحفظ أو عدة تحفظات، أو رفض الإشهاد كلياً إذا تبين وجود اختلالات مؤثرة، مع إلزامه بتعليل قراره، ورصد المخالفات والأخطاء المسجلة، والإشارة إلى أي أفعال قد تكتسي طابعاً جرمياً إذا كشفت عنها عملية الافتحاص.

ويعكس هذا الإطار التنظيمي الجديد توجهاً نحو إرساء منظومة أكثر صرامة في تدبير مالية الأحزاب السياسية، عبر تعزيز آليات الافتحاص المستقل، وإحكام الرقابة على المال العام، بما يكرس مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية والمساءلة في تدبير التمويل الحزبي، ويرفع من مستوى الثقة في المؤسسات السياسية وآليات مراقبتها.

Exit mobile version