عجز الدواء في المغرب يتجه إلى 13.4 مليار درهم.. الإصلاحات لم توقف زحف الواردات

كش بريس/التحرير ـ

تتجه الفجوة التجارية للمغرب في قطاع الأدوية نحو مزيد من الاتساع خلال السنوات المقبلة، رغم الإصلاحات التي تراهن عليها السلطات لتقوية الصناعة الصيدلانية الوطنية وتحسين الولوج إلى العلاجات. وتُظهر أحدث التقديرات أن العجز التجاري الدوائي قد يرتفع إلى نحو 13.4 مليار درهم بحلول 2030، في ظل استمرار الواردات في النمو بوتيرة تفوق بكثير أداء الصادرات.

وأعادت مؤسسة BMI، التابعة لـFitch Solutions والمتخصصة في أبحاث الأسواق ومخاطر الدول والقطاعات، مراجعة توقعاتها بشأن السوق الدوائية المغربية، استناداً إلى معطيات التجارة الخارجية الأخيرة التي كشفت عن نمو أقوى من المتوقع للواردات، وبالتالي اتساع الفجوة بين ما يستورده المغرب وما يصدره من منتجات صيدلانية.

الواردات تقفز والصادرات تراوح مكانها

تكشف الأرقام التي أوردتها المذكرة عن اختلال واضح في الميزان التجاري الدوائي؛ إذ لم تتجاوز قيمة صادرات المنتجات الصيدلانية خلال السنة الماضية حوالي 1.6 مليار درهم، مسجلة نمواً سنوياً محدوداً في حدود 1.2 في المائة بالعملة المحلية.

في المقابل، ارتفعت الواردات بنسبة 17.4 في المائة لتصل إلى نحو 11.9 مليار درهم، متجاوزة بذلك التقدير السابق للمؤسسة، الذي كان قد حدد قيمتها في 10.8 مليارات درهم.

وأدى هذا التفاوت الكبير بين حركة الصادرات والواردات إلى ارتفاع العجز التجاري للقطاع من 9.2 مليارات درهم إلى 10.3 مليارات درهم. ووفق السيناريو المتوقع، لن يكون هذا الاتساع مؤقتاً، إذ قد تبلغ الفجوة حوالي 13.4 مليار درهم في أفق 2030 إذا استمرت الاتجاهات الحالية على حالها.

سوق دوائية تنمو.. لكن فاتورتها الخارجية ترتفع

وتربط المؤسسة هذا المسار باستمرار الطلب على الأدوية المستوردة، في وقت يعرف فيه الإنفاق الصحي ارتفاعاً متواصلاً، بالتوازي مع إجراءات جمركية جديدة تستهدف خفض أسعار عدد من الأدوية الأساسية ومعالجة حالات الخصاص التي عرفها السوق.

وفي المقابل، يتوقع أن يواصل السوق الدوائي المغربي تسجيل معدلات نمو مهمة؛ إذ ترجح BMI ارتفاع مبيعات الأدوية من 35.8 مليار درهم في 2025 إلى 38.6 مليار درهم خلال 2026، أي بنمو يصل إلى 7.8 في المائة، قبل أن تبلغ حوالي 46.3 مليار درهم بحلول 2030.

وتعكس هذه الأرقام مفارقة لافتة: اتساع السوق الصحية لا يعني بالضرورة تعزيز الاستقلال الدوائي، ما دام جزء مهم من الطلب الإضافي يترجم إلى واردات بدل أن يتحول إلى إنتاج محلي قادر على تغطية الحاجيات الوطنية والتوسع خارجياً.

الأدوية الجنيسة تراهن عليها الصناعة الوطنية

في مواجهة هذا الاختلال، تراهن الإصلاحات الجارية على توسيع قاعدة الإنتاج المحلي، ولا سيما من خلال الأدوية الجنيسة، باعتبارها إحدى الأدوات الممكنة لتقليص الاعتماد على المنتجات المستوردة.

وأشارت مذكرة المؤسسة إلى مصادقة مجلس المستشارين، في يونيو الماضي، على مشروع القانون رقم 27.26 المتعلق بمراجعة مدونة الأدوية والصيدلة، بما يمنح الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية صلاحيات أوسع في مجالات الترخيص والمراقبة والتفتيش واليقظة الدوائية.

وترى BMI أن تقليص المدة اللازمة للحصول على تراخيص تسويق الأدوية يمكن أن يسرّع دخول المنتجات الجنيسة إلى السوق، ويمنح المصنعين المغاربة قدرة أكبر على المنافسة، خصوصاً في الأسواق الإفريقية التي أصبحت مجالاً متنامياً للصناعة الدوائية المغربية.

وتتوقع المؤسسة أن تبلغ قيمة سوق الأدوية الجنيسة في المغرب حوالي 20.7 مليار درهم بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يناهز 6.3 في المائة بالعملة المحلية. غير أن هذا النمو، رغم أهميته، لن يكون كافياً وفق التقديرات الحالية لقلب اتجاه العجز التجاري خلال الفترة المقبلة.

خفض الرسوم يخفف كلفة العلاج ويزيد ضغط الاستيراد

وتبدو المفارقة أكثر وضوحاً عند النظر إلى السياسة الجمركية الجديدة؛ فقد أدى خفض الرسوم على مجموعة من الأدوية الأساسية إلى جعل الاستيراد أقل كلفة، لكنه حمل في الوقت نفسه آثاراً مباشرة على الميزان التجاري للقطاع.

وبموجب قانون المالية لسنة 2026، جرى تخفيض الرسوم الجمركية على 112 دواء أساسياً من 30 في المائة إلى 2.5 في المائة، إلى جانب تخفيضات جزئية شملت عشرة منتجات أخرى، وذلك في سياق اتسم بتسجيل حالات خصاص مست أكثر من 600 دواء خلال 2025.

وإذا كانت هذه الإجراءات تستجيب لحاجة اجتماعية وصحية عاجلة تتمثل في ضمان توفر الأدوية وخفض كلفتها، فإنها تكشف في المقابل عن معضلة أعمق: كيف يمكن التوفيق بين تأمين الدواء للمواطن اليوم وبناء استقلال دوائي يقلل الحاجة إلى استيراده غداً؟

ميزانية الصحة تدفع الطلب إلى الأعلى

وتأتي هذه التحولات بالتزامن مع ارتفاع كبير في الإنفاق العمومي على الصحة؛ إذ ارتفعت ميزانية القطاع خلال 2026 بنحو 30 في المائة، لتبلغ مستوى قياسياً في حدود 42.3 مليار درهم.

ومن المنتظر أن يدعم هذا الارتفاع المشتريات العمومية ويرفع الطلب على المنتجات الصيدلانية، بما يمكن أن يساهم في الحد من اختلالات العرض ونقص بعض الأدوية. غير أن زيادة الطلب، في ظل استمرار محدودية الإنتاج المحلي مقارنة بالحاجيات، قد تتحول بدورها إلى عامل إضافي في نمو الواردات.

وهنا تتبلور إحدى أكثر مفارقات السوق الدوائية المغربية وضوحاً: كلما اتسعت القدرة على الإنفاق الصحي، اتسعت الحاجة إلى قاعدة إنتاج وطنية قادرة على استيعاب هذا الطلب، وإلا تحولت الزيادة في الإنفاق إلى توسع موازٍ في الفاتورة الدوائية الخارجية.

النمو الاقتصادي لا يكفي لصناعة السيادة الدوائية

وتراهن BMI على استمرار قوة الاقتصاد المغربي في دعم مستويات مرتفعة من الإنفاق الصحي والواردات الدوائية، متوقعة نمواً حقيقياً للناتج الداخلي الإجمالي بنسبة 4.2 في المائة خلال 2026 و4.1 في المائة خلال 2027.

غير أن تقليص العجز الدوائي، وفق الاتجاهات التي ترسمها المذكرة، لن يتحقق بمجرد نمو السوق أو زيادة الموارد المخصصة للصحة، وإنما يتطلب تحولاً في بنية السوق نفسها: تصنيعاً محلياً أكثر قدرة، وتوسيعاً لسوق الأدوية الجنيسة، وتسريعاً لمساطر الترخيص، واستثماراً أكبر في البحث والتطوير، فضلاً عن بناء قدرة تصديرية قادرة على تحويل الصناعة الدوائية من مستورد صافٍ إلى فاعل إقليمي.

وبذلك لا تبدو معركة المغرب الدوائية مرتبطة فقط بحجم الإنفاق أو بأسعار الأدوية، وإنما بقدرة الصناعة الوطنية على تحويل الطلب الصحي المتزايد إلى قيمة إنتاجية داخل الاقتصاد. فالعجز البالغ 13.4 مليار درهم المتوقع في 2030 لا يمثل رقماً تجارياً مجرداً، بقدر ما يكشف عن سؤال استراتيجي يتصل بموقع الدواء داخل مفهوم السيادة الاقتصادية والصحية للمغرب.

Exit mobile version