فيلم «نازا» الإسرائيلي عن غزة يثير غضب الكيان واتهامات بـ«التشهير بالجيش»

كش بريس/التحرير ـ حين تعجز السلطة عن احتواء صورة العنف، تبدأ معركة أخرى حول من يملك حق إنتاج الصورة. عندها تنتقل المواجهة من ميدان الحرب إلى ميدان الرواية، ومن الوقائع إلى اللغة التي تصفها، ومن الجريمة إلى حدود الكلام عنها. وفي هذه المنطقة تحديدًا يستقر فيلم «نازا»، بوصفه عملاً سينمائيًا أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر مفارقات الحرب قسوة: أن يصبح كشف ما يجري أكثر إثارة للغضب من الوقائع التي يكشفها.

فيلم المخرجين الإسرائيليين يوفال أفراهام وراحيل شور لم يدخل المشهد الثقافي الإسرائيلي بوصفه شريطًا وثائقيًا عابرًا. منذ عرضه في مهرجان البندقية السينمائي، ثم حصوله على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، أخذ يتحول إلى واقعة سياسية وأخلاقية، بعدما اصطدم بصورة الحرب التي تنتجها المؤسسة الرسمية بصورة أخرى مصدرها شهادات جنود وضباط إسرائيليين شاركوا في المنظومة العسكرية التي يتناولها الفيلم.

عنوان الفيلم نفسه يحمل مفتاحًا دلاليًا بالغ الدلالة. فـ«نازا» هو مصطلح عسكري إسرائيلي مرتبط بفكرة «الضرر الجانبي»، أي المدنيين الذين يمكن أن يُقتلوا ضمن عملية عسكرية تستهدف شخصًا أو هدفًا محددًا. هكذا تدخل اللغة العسكرية إلى قلب العمل السينمائي باعتبارها جزءًا من بنية الحرب نفسها: فحين تتحول الضحية إلى رقم محتمل، يصبح المصطلح التقني قادرًا على إخفاء البعد الإنساني للفعل، وتحويل الموت إلى متغير داخل معادلة عملياتية.

والفيلم لا يكتفي باستعادة مشاهد الحرب أو رصد آثارها الإنسانية، وإنما يتوغل في البنية التي تسبق الضربة: آليات اختيار الأهداف، تقدير الخسائر البشرية، ودور أنظمة المراقبة والذكاء الاصطناعي في صناعة القرار العسكري. والأهم أنه يستند إلى شهادات من داخل المؤسسة نفسها، بما يجعل الوثيقة السينمائية متصلة بمصدرها الداخلي لا بمراقبة خارجية للحرب فقط.

من هنا اكتسب «نازا» ثقله السياسي. فالمخرج لا يتحدث عن جيش بعيد عنه، والوثيقة لا تأتي من خصم خارجي، والشهادة لا تُبنى على موقع المتفرج المحايد. إنها مادة إسرائيلية تعيد النظر في الحرب من داخل المجتمع الذي يخوضها، ولذلك كان انتقال الفيلم من المجال المحلي إلى الفضاء الدولي بمثابة انتقال للرواية نفسها من نطاق يمكن احتواؤه إلى فضاء يصعب ضبطه.

وهذه هي المفارقة التي جعلت عبارة «نشر الغسيل القذر في الخارج» مركزًا للخطاب المضاد للفيلم. فالغسيل هنا لا يحيل فقط إلى الأسرار أو الوقائع المحرجة، وإنما إلى الصورة التي تريد الدولة أن تحتفظ بها عن نفسها. وحين يصبح إخراج تلك الصورة إلى العالم فعلًا يستوجب العقاب أو سحب الجنسية أو الاتهام بالخيانة، تنكشف حدود المسافة بين حرية التعبير وبين مفهوم الولاء الذي تفرضه لحظة الحرب.

لقد كانت ردود الفعل الإسرائيلية على الفيلم كاشفة لهذه الحساسية. فقد دعا وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهر إلى النظر في سحب جنسية المخرجين، بينما شن سياسيون وكتّاب إسرائيليون هجمات حادة على العمل، في مقابل أصوات صحفية وثقافية إسرائيلية دافعت عنه ورأت فيه امتدادًا لتحقيقات سبق أن تناولت آليات الحرب والاستهداف في غزة.

وهكذا أصبح «نازا» أكثر من فيلم عن غزة. لقد صار ساحة صراع على ملكية الرواية؛ بين الدولة والصورة، بين المؤسسة العسكرية والشهادة، وبين الحقيقة حين تُروى داخل البيت والحقيقة حين تصل إلى الخارج. ومن هذه المفارقة تحديدًا تبدأ قصة «الغسيل القذر»: ليس باعتباره سرًا خرج من المنزل، وإنما باعتباره واقعًا وجد أخيرًا شاشة تعرضه أمام جمهور لا يخضع لقواعد البيت.

Exit mobile version