
ـ في ضيافة شاعرة مُجدِّدة مُتعدّدة الأصوات ـ
حوار محمد أحمد الطالبي
مساء الإبداع، ومساحة السؤال، ومرحبا بكم في «ملتقى الأقلام»؛ حيث لا نلتقي بالأسماء فقط، بل نقترب من التجارب التي صنعتها، ومن الأسئلة التي دفعتها إلى الكتابة.
ضيفتنا اليوم شاعرة تحمل في نصوصها أكثر من صوت، وأكثر من ضفة؛ تكتب الشعر والزجل والسرد والرواية، لكنها تعود دائما إلى الشعر باعتباره لغتها الأولى، وإلى اللغة باعتبارها طريقا لاكتشاف الذات والعالم.
إنها تجربة تتقاطع فيها الذاكرة والحلم والبحر والفقد واليقين، وتتحول فيها الكتابة من مجرد تعبير إلى مقاومة للصمت والنسيان.
نفتح معها اليوم أسئلة القصيدة، وأسئلة اللغة، وأسئلة الانتقال بين الزجل والفصيح، وبين الانفعال والوعي، وبين النص وصاحبه.
يسعدنا أن نرحب في «ملتقى الأقلام» بالشاعرة والكاتبة المغربية

فوزية أحمد الفيلالي.
فأهلا بها… وأهلا بكم في لقاء نترك فيه للكلمة أن تقول ما لا تستطيع الأسئلة وحدها أن تقوله.
١. حين ننظر إلى عناوين أعمالك، نجد حضورًا للحلم والبحر والفراشات والريح واليقين… هل تختارين العنوان أولًا أم أن النص هو الذي يقودك إليه؟
الأمر يختلف من نص إلى آخر. أحيانًا يأتيني العنوان كشرارة أولى، جملة تومض في العتمة فأتبعها إلى آخر القصيدة. وأحيانًا أخرى يولد العنوان من رحم النص نفسه، بعد أن أفرغ ما بداخلي، فأعود لأقرأ ما كتبت وأكتشف الكلمة التي كانت تختبئ بين السطور طوال الوقت. لكن الحلم والبحر والفراشات والريح واليقين ليست عناوين عابرة، بل أبجدية داخلية أعود إليها كلما ضاقت بي اللغة، فهي رموز أعيش بها قبل أن أكتب عنها.
٢. كتبتِ الشعر والزجل والسرد والرواية، فهل ترينها أجناسًا مستقلة، أم أنها تتقاطع داخل مشروع إبداعي واحد؟
هي أجناس تتقاطع في نهر واحد، وإن اختلفت ضفافه. الزجل صوت الجذور والدارجة التي تربيت على إيقاعها، والفصيح مساحة الجلال والمسافة، والسرد امتداد للصورة الشعرية حين تحتاج إلى نفَس أطول لتروي حكايتها كاملة. لا أشعر أنني أغادر ذاتي حين أنتقل من جنس إلى آخر، بل أشعر أنني أزيح الستار عن وجه آخر من وجوه التجربة نفسها.
٣. هل تكتب فوزية أحمد الفيلالي القصيدة بعقل الروائية، أم تكتب الرواية بقلب الشاعرة؟
أكتب الرواية بقلب الشاعرة، بلا تردد. حتى حين أُطيل النفَس السردي في “ماريا” أو في رواية الفارس الغامض، تظل الجملة عندي محكومة بإيقاع داخلي، وبحاجة إلى الصورة قبل الحدث. القصيدة عندي هي اللغة الأم، وكل ما أكتبه بعدها إنما هو ترجمة لها بأشكال مختلفة.
٤. مدينة فاس مدينة محمّلة بالتاريخ والروحانية. ما الذي بقي منها في لغتك الإبداعية؟
بقي منها الإيقاع قبل كل شيء، ذلك الإيقاع الذي تسمعه في الأذان يتردد بين الأزقة، وفي خطى الناس فوق الحجر العتيق. بقيت العتبات: الأبواب، الأسوار، الأنهار الصغيرة التي تجري تحت المدينة كما تجري الأسرار تحت الكلام. فاس علّمتني أن للمكان روحًا يمكن أن تتلبّس اللغة، وأظنها تسكن نصوصي دون أن أستدعيها عمدًا.
٥. في رأيك، هل الإبداع فعل موهبة أم فعل مقاومة للحياة؟
هو الاثنان معًا، لكنني أميل إلى تسميته مقاومة. الموهبة أداة، لكن الدافع الحقيقي للكتابة عندي هو الرفض: رفض الصمت، رفض النسيان، رفض أن يمر الألم دون أن يترك أثرًا يُقرأ. أكتب لأنجو، لا لأن الكتابة رفاهية.
٦. المرأة تحضر بقوة في نصوصك، لكن بعيدًا عن الشعارات. كيف تنظرين إلى الكتابة النسائية اليوم؟
أرى أن أنضج ما في الكتابة النسائية اليوم هو تجاوزها لمرحلة الخطاب المباشر نحو كتابة المرأة ككائن كامل، بتناقضاته وضعفه وقوته، لا كرمز يُرفع في وجه أحد. المرأة في نصوصي ليست شعارًا، بل حضور إنساني كامل يعيش، يخطئ، يحب، ويقاوم بصمت أحيانًا أعمق من الصراخ.
٧. ما القضية الإنسانية التي تشعرين أنها تسكن معظم أعمالك دون قصد منك؟
الفقد، بكل تجلياته: فقد الأحبة، فقد الأوطان، فقد اليقين. وحين أعيد قراءة نصوصي أجد أن الغياب – سواء كان غياب إنسان أو غياب حرية أو غياب أرض كما في غزة – يتسلل إليها دون استئذان. أظن أن الكاتب الحقيقي لا يختار جراحه، بل تختاره هي.
٨. بين الزجل المغربي والشعر الفصيح، أين تجدين نفسك أكثر حرية؟
في الزجل، بلا منازع. الدارجة لغة القلب الأولى، اللغة التي بكيت بها وضحكت بها قبل أن أتعلم قواعد الفصحى. حين أكتب الزجل أشعر أنني أخلع عني كل قيد، وأتحدث كما لو كنت أجلس مع أمي في فناء البيت.

٩. هل تختلف علاقتك باللغة حين تكتبين الزجل عنها حين تكتبين الشعر الفصيح؟
نعم، اختلافًا جوهريًا. مع الزجل، العلاقة حميمية وعفوية، أشبه بحوار مع نفسي بلا رقيب. أما مع الفصيح، فثمة مهابة ووعي بالمسؤولية تجاه لغة حملت القرآن والمتنبي، فأزن الكلمة قبل أن أطلقها.
١٠. في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل تصنع شهرة سريعة، هل ما زال الأدب الحقيقي قادرًا على فرض نفسه؟
أؤمن بذلك رغم كل شيء. الشهرة السريعة زبد يذهب جفاءً، أما النص الذي يحمل صدقًا وتجربة حقيقية فيبقى، ولو تأخر وصوله. وسائل التواصل قد تمنح الكاتب جمهورًا، لكنها لا تمنحه خلودًا؛ الخلود يُصنع بالصدق وحده.
١١. كيف تنظرين إلى واقع النقد الأدبي العربي؟ وهل أنصف تجربتك؟
النقد الأدبي العربي اليوم يعاني من انحياز واضح نحو الأسماء المستقرة في المراكز الثقافية الكبرى، بينما تبقى أصوات كثيرة، خصوصًا من خارج تلك المراكز، تكتب في الظل. لا أخفي أن تجربتي لم تحظَ بعد بالقراءة النقدية الموسعة التي تستحقها، لكنني أكتب لأن الكتابة ضرورة، لا انتظارًا لمديح ناقد.
١٢. هل تكتبين لتقولي ما تعرفينه، أم لتكتشفي ما تجهلينه؟
لأكتشف ما أجهله، دائمًا. القصيدة عندي رحلة لا خريطة لها مسبقًا؛ أبدأ بجملة ولا أعرف أين ستنتهي بي. لو كنت أعرف كل شيء عن نفسي قبل أن أكتب، لما احتجت إلى الكتابة أصلًا.
١٣. هناك حضور واضح للرموز الطبيعية في أعمالك؛ البحر، الريح، الفراشات، السنابل… هل هي رموز واعية أم أنها تأتي تلقائيًا؟
تأتي تلقائيًا في البدء، من عمق التجربة ومن مشهد طفولة أو لحظة تأمل، ثم تتحول مع تكرارها إلى لغة واعية أعرف كيف أوظفها. البحر عندي ليس ماءً، بل هو الشوق واللاّنهاية؛ والفراشات ليست حشرات جميلة، بل هي الهشاشة التي تصر على الطيران رغم كل شيء.
١٤. كيف تولد القصيدة لديك؟ من فكرة، أم من صورة، أم من جملة مباغتة؟
غالبًا من جملة مباغتة، تأتيني في غفلة من الليل أو في زحمة يوم عادي، فأتركها تقودني. لا أخطط للقصيدة، بل أكتبها بنفَس واحد، كأنها كانت جاهزة بداخلي وتنتظر فقط أن أفتح لها الباب.
١٥. أيهما أكثر صعوبة بالنسبة إليك: كتابة قصيدة قصيرة مكثفة أم رواية طويلة؟
القصيدة القصيرة، بلا تردد. فيها يجب أن تحذفي تسعة أعشار ما تشعرين به لتُبقي على العُشر الذي يحمل كل شيء. الرواية تمنحك مساحة لتتنفسي، أما القصيدة القصيرة فتخنقك بجمال حتى تجدي الكلمة الوحيدة الكافية.
١٦. لديك مشاريع للأطفال وباللغات الأجنبية، هل ترين أن الأدب جسر للحوار بين الثقافات؟
بالتأكيد. حين أكتب للأطفال، سواء بالعربية أو بالفرنسية، أشعر أنني أزرع بذرة إنسانية مشتركة قبل أن تكبر فيهم الحدود واللغات المتفرقة. الأدب – وخاصة أدب الطفل – هو أصدق جسر لأنه يخاطب البراءة قبل أن تتعقد الهويات.
١٧. ما الذي دفعك إلى ترجمة بعض أعمالك إلى الفرنسية والإنجليزية؟ وهل تخشين أن تفقد القصيدة شيئًا من روحها في الترجمة؟
الدافع هو الرغبة في أن يصل صوتي إلى قارئ لا يتحدث العربية، أن أفتح نافذة أخرى على تجربتي. ونعم، أخشى دائمًا أن يضيع في الترجمة ذلك الظل الخفي الذي لا تحمله إلا اللغة الأم، لكنني أؤمن أن جوهر الصورة الشعرية، إن كانت صادقة، يعبر اللغات ولو خسر بعض موسيقاه.
١٨. بعد كل هذه الإصدارات، هل تشعرين أنك اقتربت من النص الذي تحلمين بكتابته، أم أن أجمل نص ما يزال مؤجلًا؟
أجمل نص ما يزال مؤجلًا، ولطالما بقي كذلك. وهذا بالضبط ما يبقيني كاتبة، لا كاتبة سابقة. لو شعرت يومًا أنني كتبت نصي الأخير، لكففت عن الكتابة.
١٩. لو طلبت منك أن تختصري مشروعك الأدبي كله في ثلاث كلمات، ماذا ستختارين؟
هواية، حلمًا، نشر الوعي الثقافي.
٢٠. ما الكتاب الذي غيّر نظرتك إلى الأدب؟
سؤال فلسفي يصعب الإجابة عليه، لأن النظرة لا تتغيّر بكتاب أو غيره. كثيرون قرأوا مئات الكتب ولم تتغيّر نظرتهم. بالنسبة لتجربتي، كنت أعشق كل ما يلامس روحي ووجداني ويدغدغه، سواء كان أغنية أو رواية أو قراءة لنصّ شعري يطربني.
كنت علمية الدراسة، لكنني كنت أتغنّى بجمال الأدب. كانت تعجبني نصوص الرثاء لنزار قباني، وتأسرني مفرداته وصوره. وكنت أعشق أيضًا نصوص أبي القاسم الشابي، وعبد اللطيف اللعبي، ومحمد الحلوي.
أما الكتابة فجاءت صدفة، دفقة واحدة في عدة سطور، وطوّرتها مع الوقت والاحتكاك والتجربة.

٢١. من هو الكاتب أو الشاعر الذي ترك أثرًا عميقًا في تكوينك؟
الجواب كما أسلفت: نزار قباني، أبو القاسم الشابي، عبد اللطيف اللعبي، ومحمد الحلوي — هؤلاء من عشقت نصوصهم ولامست روحي.
لكن في زماننا، أيام الدراسة الجامعية، كان الكل يتغنّى بمحمود درويش ونصوصه الثورية الخالدة.
٢٢. كيف توفقين بين الانفعال الذي يولد النص، والوعي الذي يعيد صياغته؟
أترك للانفعال أن يكتب المسودة الأولى خامًا، ثم يهذّب الوعي الشكل دون أن يسرق صدق اللحظة الأولى.
فاللحظة الأولى هي الأهم، فهي كسبيكة ذهب نقيّة نحملها بين أصابعنا، ثم بعدها نُشكّلها على مزاج اللحظة والطلب، فربما نصنع منها قطعة فريدة لم تكن في الوجدان من قبل. يجب هنا التمعّن والتريّث لاختيار الأصلح والأجمل.
٢٣. هل تؤمنين بأن للأدب رسالة، أم يكفيه أن يكون جميلًا؟
لكل عمل رسالة مُبتغاة من ورائه. حتى الدين نزل برسالة، ليست التوحيد فقط، بل دستورًا كاملًا. وحتى الاختراعات وكل ما يوجد على هذه البسيطة له رسالة مشروطة به.
وطبعًا الشعر والقصص والرواية وكل ما يتعلق بالفن والأقلام، ولولا وجود رسالة وراءها لَما سهر الكُتّاب، ولا وُجدت دور النشر والمعارض، والقائمة طويلة.
٢٤. لو أتيح لك أن توجهي رسالة إلى الجيل الجديد من الكاتبات المغربيات، ماذا تقولين لهن؟
أنصح بالقراءات المكثفة، وبقبول النقد الإيجابي الهادف والبنّاء وأخذه بجدية، والبحث عن الذات الكاتبة. والأهم من ذلك كله: التواضع، وعدم الإحساس بالنرجسية وحب الذات.
٢٥. وأخيرًا… إذا كانت حياتك كلها قصيدة، فما البيت الذي تودين أن يظل عالقًا في ذاكرة قرائك بعد غيابك؟
شكرًا على هذا السؤال.
أظن أن الأعمال الأدبية لا تموت بكل ألوانها ما دامت عناوينها وكلماتها محفوظة في صدور القرّاء، سواء كانوا من عشّاق القراءة أو من العابرين الذين توقّفوا عند نصٍّ فلامس شيئًا في أرواحهم.
وأظن أن مسيرتي لا يمكن أن تُختزل في بيتٍ شعري، ولا حتى في نصٍّ واحد. أتمنى أن أترك للقراء ذخيرةً من الكلمات، أو صندوقًا من الجواهر الأدبية، ينهلون منه ما يفيدهم ويمنحهم المتعة والمعرفة.
والدليل على ذلك أننا ما زلنا إلى اليوم نقلب بأصابعنا تراث من سبقونا، ونقرأ آثارهم ونستضيء بأفكارهم، كما يتعلّم الأطفال من الحكايات والكتب التي عبرت الأزمنة وبقيت حيّة في الذاكرة.
أما البيت الذي أود أن يبقى عالقًا في الذاكرة فهو:
كنتُ بحرًا يخافُ الغرقَ في نفسِهِ، منحتُ الحلمَ شراعًا، فأوصلني اليقينُ إلى ضفَّتِهِ.
شكر وتقدير:
أشكر الشاعر والناقد محمد احمد طالبي على تفضّله بإجراء هذا الحوار الأدبي العميق، الذي نبش في الذات الشاعرية لشخصي، أنا الكاتبة والشاعرة فوزية أحمد الفيلالي، التي أجسّدها في نصوصي وقصائدي.
وبهذا، أطوي صفحة هذا الحوار الذي امتزج فيه شعري بفكري، وذاكرتي بحلمي. بين بحري ويقيني، بين زجلي وفصيحي، تبقى الكتابة عندي فعل حياة لا يهدأ، ومرآة أرى فيها روحي التي لا تكفّ عن السؤال والبحث والعطاء.
شكرًا لكل من رافقني في هذه الرحلة الصادقة داخل عالمي الإبداعي، وموعدنا قريبًا مع كل حرف قادم في «وشوشة في كف الريح» وما بعدها.
فوزية أحمد الفيلالي — المغرب



