لحسن أيت بها: سنابل شعرية لمسافر ملأى بالحب والتفاؤل ومعاني الرحيل

هي خلجات شعرية يزفها شاعرنا العربي الطيبي، من قطوف أزاهيره، وجمال عباراته، في مجموعته الشعرية المسافر التي تحيل في مظهرها وصياغتها إلى رحيل ميتافيزيقي لروح متعبة من الحنين، تتوق للانعتاق والتفاؤل بالحب والخير، يطالعنا بمضمون نصوصه وعمق عباراته، عن رحيل أبدي لا يتحقق إلى بتحقق رغبة الشاعر في البعث، والتعبير عن الحب الذي تكنه الذات وتكتمه، المجموعة الشعرية صادرة عن جامعة المبدعين المغاربة سنة 2019, وهي الجمعية التي بذلت جهودا مضاعفة في التعريف بالشعراء ومد العون لهم، وكان الشاعر العربي الطيبي من بين هؤلاء الذين قدموا قصائدهم التي تحمل عصارة جهودهم الجبارة، ومحاولاتهم الشعرية المائزة.
في قصيدة بعنوان “حب مؤجل”: يبوح الشاعر بهذه العبارات:
أحبيني متى شئت
وأبغضيني كما تشائين
فأنا لست كالتابوت
يكتم أسرار الموتى
ويقتل أنين الغريب
ولست كالعنكبوت
ويلتف حول الضحايا…

أحبيني/ أبغضيني/ كلماتي/ قصيدتي/ لا تحزني/ذاكرتي/ تشائين
العنكبوت/ الضحايا/ الموتى/ الغريب/ جوادي/ الحمامة/ الأنين
يجاهد الشاعر ليبث شكواه وأنينه من خلال كلماته ومفرداته، إذ تشكل المفارقة بين الحب والبغض، والحزن والفرح، معجما خصبا للتعبير عن تشظي الذات بين واقع معلن وهو الحب والشعور بالسعادة، وواقع مضمر وهو الحزن والكآبة، إنه هنا يخير المحبوب أن يختار بين الحب والكره، ويخبره أيضا أنه ليس تابوتا يضم إليه الموتى، أو عنكبوتا يلتف بين ضحاياه، ليس الحب وحده هو من يشكل القصيدة في قصيدة حب مؤجل، ستجد أيضا حتى الخيال، وهو ما يلجأ له الشاعر عندما يحس بعدم قدرته على البوح بالحقيقة، الخيال وحده هو الذي يمكنه نقل مشاعر الإنسان، ويخبر شخصا آخر بحجم المعاناة، لكنا سوف نسرد آخر القصيدة حتى تكتمل الرؤيا:
أحبيني فالحياة دقائق وثواني
وأحبيني قبل أن يخلو الحب من المعاني
فقد لا أعيش حينا ثاني
أم هو خير لك نسياني.
يستمر عنصر التخيير عند الشاعر ومن خلاله سيظل يتحدث عن ذاته ويصف معاناته، ومن خلال اللعب على المفارقة وتوظيف الخيال، يبرع الكاتب في نقل صورته كشخص معذب، وجعل المحبوب شخصا حائرا، ثم يطلب منها أن تحبه، لأن الحياة هي مجرد دقائق والحب يحمل كل المعاني، فإما الحب وإما النسيان.
ثم يتحدث في قصيدة الليل والوهم، عن الذين أطلق عليهم الصفات الآتية: النائمون، التائهون، الصامتون، الخائفون، مخاطبا إياهم بصيغة الجمع، “أيها”، إذ يطلب منهم تحرير أنفسهم من الأغلال والذل، والعار، ويقصد هنا الضعفاء والجبناء، والغرباء، يقوي عزيمتهم ويحثهم على المسير، فالشاعر دوما سيظل موجها للناس، يطلب منهم أن يسلكوا سبيل العلا فيقول:
أيها المسافرون في سفن الانتظار
أيها الراحلون في وصمات العار
ارحلوا عن جبنكم
وقررا أمركم
واستيقضوا من سباتكم
فقد طال نومكم
من هذه المقاطع ومن خلال دلالة العنوان، فالمسافر هو سفر الشاعر في أحوال الناس، سفرهم في استكشاف عوالم ذاته وتشظيها وغربتها، إنه يستنهض الهمم، ويدعوا إلى الحرية ومعانقة المجد، ولن يحصل هذا إلا إذا تحررت الإنسانية من أغلالها، وتشبث الإنسان بالحب، فهو المخلص الوحيد من هموم الإنسان المعاصرة، وتعتبر قضية فلسطين من القضايا الهامة في وجدان الإنسان العربي، ولا بد لأي شاعر أن يتحدث عنها، بقصيدة من قصائده، فالسفر عبر محطات الحياة لا ينتهي، والشاعر مسافر يحاول رصد هذه المحطات من رؤيته الخاصة، لكنها ولا بد تجربة أعمق لمرحلة ذاتية، قد يكون لها عظيم الأثر في صقل تجربة الذات، ولا بد للشاعر أن يستخلص منها تجارب أعمق، تسعفه في إنتاج قصائد جديدة، بمعاني جديدة في تجاربه القادمة، بالإضافة إلى الثروة اللغوية التي راكمها، ليست محاولة هينة، ولا نبخس من قيمتها، ولكنها الشرارة الأولى لمبدع له إحساسه المرهف، وقيمة هذا العمل سيكون له أثر في مستقبل الشاعر في كل أعماله القادمة، كما أن الصدق حاضر بقوة في أعماله.
*كاتب مغربي

↑
Exit mobile version