مسرح الرباط ومسرح مراكش:
تلك كانت مجرد مقدمة للحديث عن المسرح الفخم الذي دشن مؤخرا بمدينة الرباط بحضور مميز من أصحاب السمو الملكي ونساء ورجال المسرح والفنون وشخصيات المدينة وفعالياتها الثقافية.
ومقدمة للتذكير بكون مدينة مراكش كانت سباقة منذ سبعينيات القرن الماضي لإقامة مسرح جديد عصري كمعلمة من النوع الذي يشرف البلاد والمسرحيين والإبداع المسرحي ويساعد على نموه وتطوره كما هو حال مسرح الرباط ومعلمته الكبيرة المميزة.
لقد استطعنا كمنتخبين في تجربتنا التمثيلية الأولى التي انطلقت سنة 1976 أن نحصل أواخر السبعينيات من المنظمة العربية للمدن المتوأمة على مساعدة سخية جدا آنذاك لبناء مسرح مراكش العظيم الذي يمثل بهيكله الفخم حاليا معلمة باذخة من معالم المدينة، ويعز علي القول بكونها معلمة مفرغة من معانيها ووظائفها.
خسارات مراكش بعد بناة المغرب:
خلال عشرين سنة من الاستقلال طال التداعي والتقهقر مراكش وبنياتها وحضارتها. ففي مرحلة الاستعمار كانت مراكش تتوفر على مجموعة تجهيزات نوعية. يمكن الحديث عن حديقة الحيوان بجنان الحارثي وعن جامعة ابن يوسف العلمية التاريخية ذات العشرة قرون. وخزانة الجامعة اليوسفية التي انتهبت ومخطوطاتها ومخطوطات مراكش ونفائسها العامة والخاصة، والخزانة البلدية الهامة، وحدائق كثيرة أولها أكَدال والمنارة وبناكَوال والجبل الاخضر، وعلى غابتي النخيل بمدخل مراكش من جهة الغرب، وغابة الصفصاف بمدخل مراكش من جهة فاس وورزازات، عززتهما غابة الشباب وهي غابة الزيتون المغلة العظيمة التي تمت تعبئة شباب مراكش في أول الاستقلال لغراستها في عملية تطوعية ضخمة تشبه طريق الوحدة نظمها حزب الاستقلال بقيادة المجاهد الأستاذ عبد القادر حسن العاصمي الذي كان مؤسس الحركة الوطنية وزعيم الجنوب ومفتش حزب الاستقلال قبل الاستقلال وبعده وهو مؤسس الحداثة الشعرية بالمغرب كما هو معروف . تم هذا المشروع في اطار عملية تعبوية تأطيرية تكوينية لشباب وفعاليات المدينة لبناء المغرب المستقل حيث امتدت هذه الغابة التي غرسها الشباب لتصل بين جناني المنارة وأكدال وتعمر المنطقة الفلاحية القديمة الواصلة بينهما والمعروفة قديما بمنطقة البحائر، إضافة إلى الجنان الكثيرة المنتشرة داخل الأسوار وخارجها.
ميثاق 1976 الخاص بالجماعات المحلية:
لقد بدأت مراكش لأول مرة في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي بعد إجراء أول انتخابات جماعية في إطار ميثاق 1976 الخاص بالجماعات المحلية وبعد عشرين سنة من الإهمال والتراجع والخسارات، في العمل على استرجاع أنفاسها وما فقدته وخسرته.
قمنا كمنتخبين في هذه التجربة الأولى المميزة في المغرب بإنشاء الخزانة البلدية مقابل فندق المامونية كنواة أولية في مشروع استعادة حي الكتاب والكتبية التاريخي ومجالاته الثقافية لتتصل الخزانة البلدية بمنارة الكتبية وجامعات مراكش القديمة ومجالاتها حيث كان حي الكتبيين وجامع الفنا ثم جامع الكتبيين.
وثانيا استعادة الطابع الجامعي العلمي الذي فقدته مراكش بمحو جامعة ابن يوسف التاريخية ذات العشرة قرون، وذلك بإحداث جامعة القاضي عياض التي ابتدأت نواتها بكليات العلوم والآداب والحقوق قبل ان تكتمل بكلية الطب وغيرها بعد نضالات اخرى متواصلة.
تنظيم ساحة جامع الفناء وإخراج بنيات النقل التي تتسبب في اضطراب السير والاكتظاظ بإنشاء المحطة الطرقية، بعد نقل جبال الأتربة والردم التي كانت تحجب أسوار باب دكالة.
ثم تحويل باب دكالة التاريخي القديم الى فضاء ثقافي للعروض التشكيلية نظرا لأهمية وعدد التشكيليين في مراكش ومكانة رجالاته.
كذلك بناء مسرح بلدي كبير يليق بمكانة مراكش في الحقل المسرحي والثقافي بصفة عامة.
كذلك بناء مجموعة أسواق لاستيعاب التجارة العشوائية وتكريم (الفراشة) بمنحهم دكاكين لتجارتهم، منها أسواق جامع الفناء سوق ابلوح باب دكالة الداوديات باب لخميس.. وغير ذلك…
كان المشروع تنمويا متعدد الأقطاب يشمل تنمية المجال والثقافة والإنسان وترميم الهوية وغير ذلك كثير لا حاجة لاستعراضه، فليس الهدف استعراض منجزات تلك التجربة بل التنبيه لشيأين أساسيين:
الأول إلى الإهمال والتقهقر والخسارة والسطو والنهب الذي تعرضت له حضارة وثقافة ومنشآت مراكش وبنياتها الكبرى وتجهيزاتها العلمية الثقافية الحضارية والإنسان المراكشي في عهد الاستقلال.
الثاني إلى عملية إطلاق مشروع تنموي ثقافي كبير في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي لاستعادة الحضارة والتاريخ والأمجاد والهوية لحاضرة عظيمة عريقة ولساكنتها، وترميم ما تداعى من كيانها، وترتيبها من جديد في المستقبل.
مراكش والرباط في المشروع الملكي:
الآن بعد السبعينيات والثمانينيات والعشرينيات تقفز الرباط إلى الثلاثينيات فيما تراجعت تطلعات مراكش من ذلك المستقبل المنشود الى ما قد يشبه الماضي الأسود.
لا ننكر ما عرفته مراكش من تنمية وما تعرفه باستمرار، لكن مشاريع التنمية ومنها مشروع مراكش الحاضرة المتجددة الذي كان من أوائل المشاريع التي أطلقها صاحب الجلالة لإنقاذ وتنمية وتثمين المدن المغربية، ومراكش على راسها، مراكش الحاضرة العريقة العتيقة الامبراطورية المتجددة، هذا المشروع يمثل اليوم مثالا صريحا عن فشل التنفيذ، ونوع وشكل ومستوى الخشب الذي صنعت به أبواب المتاجر يكفي لفضح طريقة وكيفية تنفيذ المشروع الملكي، فضلا عما ليس وقت عرضه الآن.
السؤال الأساسي:
لماذا تتراجع مراكش بعد ان كانت تتقدم
ولماذا تتقدم الرباط
فقط أطرح هذا السؤال
لأنني اليوم أغار من الرباط والتقدم الذي تشهده.

إصدار علمي جديد للدكتور نوح رابي يعزز المكتبة العربية في مجال اضطراب طيف التوحد
خبير اقتصادي: تعقيد المنظومة الضريبية يرهق المقاولات الصغرى ويقوض دينامية الاستثمار
د عبد العلي الودغيري: لعبة الكرة ولعبة السياسة