مالكة العاصمي: هجرة سبتة ومليلية (2 / 3)

سبتة ومليلية والجزر الجعفرية أراضي مغربية، تحتلها إسبانيا، ويطالب بها المغرب ويعمل على أن يجري الأمر في إطار حضاري ينهي الفكرة البائدة المنبوذة لمسألة استعمار الشعوب الأخرى، وينهي ظاهرة الاستعمار كموقف فكري متجاوز، في زمن إعلاء قيم الحرية والعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان، لتستقل الأراضي المغربية في إطار تفاهمات سلمية بين جارين لا غنى لهما عن التجاور بقوة الجغرافيا، سيما وقد سبق لهما أن اتفقا على تكوين خلية تفكير حكيمة، لتحقيق العدالة والتحرير في هذه القضية البسيطة الواضحة المفترض أن يقع بشأنها التعاون والتفاهم.

المغرب لم يستعجل الأمر ولم يستبقه، بل يعمل على بناء علاقة قوية متينة على كافة المستويات مع إسبانيا، مرورا بقرار تنظيم موديال 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال، ومرورا باعتراف إسبانيا بمغربية الصحراء وتعاونها في المنتظمات الدولية لإنهاء أزمة مفتعلة، ووصولا إلى بناء جسر على جبل طارق يربط المغرب بإسبانيا وصولا إلى تقوية العلاقات الاقتصادية والتعاون بأشكال كثيرة وغير ذلك.

فلماذا يجتاحها المغرب بهذا الشكل الغريب المفاجئ؟

لكن الأغرب أن يبادر الوزير الإسرائيلي بن غفير مباشرة بعد أحداث سبتة كي يبكث رئيس وزراء اسبانيا السيد بيدرو سانشيس على احتلال بلاده لسبتة ومليلية ومطالبته نيابة عن المغرب بتحريرهما. ثم يتبعه الرئيس الأعظم الأميريكي دونالد ترمب ليؤكد تبكيته لبيدرو سانشيس على احتلال بلاده لسبتة ومليلية ومطالبته بتحريرهما. ثم أن تبادر رئيسة وزراء إيطاليا للمطالبة بطرد إسبانيا سانشيس من مجموعة شينغين الأوربية لعجزه عن حماية أوربا من الهجرة. ثم تتوالى جوقة الشرف بعد ذلك لمواصلة المعزوفة الهرمونية الكبرى ضد سانشيس.

الواضح إذن أن المعني بهذه العملية الغريبة والمستهدف بها هو بيدرو سانشيس شخصيا، وأن المغرب والمغاربة والهجرة والمهاجرين والعلاقات المغربية الإسبانية وتحرير سبتة ومليلية استعملوا جميعا بتهور كبير للكيد لسانشيس والاستنفار ضده.

بل إن صورة ملك المغرب شخصيا وموقعه وتاريخه وإنجازاته ومسؤوليته عن أمن البلاد واستقرارها وحكامته الرشيدة وغير ذلك استعملت جميعا بدون خجل في هذه الحادثة، أي المؤامرة الماكرة، وفي يوم ذي رمزية كبرى، وبعد خطاب ومناسبة استثنائيتين عظيمتين.

والمسألة تصبح مفهومة تلقائيا بمجرد تدخل إسرائيل، ثم انطلاق معزوفة الهجرة بالنسبة لليمين الأوربي الأميريكي وتحميل سانشيس المسؤولية عن وقوعها، ثم تطوير الأمر إلى أكثر من مشكل، وتعقيده، وجعله قضية وطنية إسبانية يترتب عنها انتفاضات داخلية، ويسوغ لليمين التقدم لاقتلاع الرئيس وترفيع اليمين المتطرف.

الغير مقبول في هذه المسألة هو دس المغرب وتوريطه في قضية بينية لا تخصه واختلاق أزمة كبرى للمغرب مع جاره الإسباني، بل تطويرها لتشكل أزمة أوربية مغربية يترتب عنها المس بالعلاقات المغربية الأوربية المتميزة أو تعكيرها أو ضربها.

المواقف الإنسانية البطولية الكثيرة التي أقدم عليها رئيس الوزراء بيدرو سانشيس والشعب الإسباني تجاه الإبادة الجماعية للفلسطينيين، والتهجير والتقتيل والتجويع والتشريد والحرق والمآسي الإنسانية التي ضج بها الضمير الإنساني في كل مكان، والتي تصدر سانشيس وإسبانيا مواقف شجبها مع مجموعة من الدول والرؤساء الشرفاء، لم تكن لتمر في إسرائيل ولا لدى الصهيونية العالمية دون رد مزلزل استعمل فيه المغرب واستعملت فيه سبتة ومليلية وافتعلت فيه هجرة جماعية من المغرب، سخرت فيها أيادي صهيونية داخلية تقصدت التشويش على المغرب والمغاربة والملك والمملكة والدولة المغربية في يوم احتفالهم جميعا للانتقام منهم أيضا على مواقفهم من الإبادة الجماعية في فلسطين ومن ترصدهم للمشاريع الصهيونية الاستعمارية في المغرب.

الصهيونية العالمية لها أياد في كل مكان، ولها سوابق لمعاقبة من يقف إلى جانب فلسطين في نكبتها:

هناك سابقة اعتقال نيكولاس مادورو رئيس دولة فنزويلا والسيطرة على بلاده وثرواتها عقابا على مواقفه من الإبادة الجماعية،

وسابقة إزاحة الرئيس الكولومبي كوستافو بيدرو والانقلاب عليه بتزوير الانتخابات في بلاده لنفس الأسباب.

وتوعد عدد من الزعماء كل بطريقة، منهم الزعيم الكوبي ميكيل دياز والزعيم البرازيلي لولا دا سيلفا بتغيير موازين القوى وتصعيد اليمين المتطرف وقلب الرأي العام ضدهم جميعا .

وبيدرو سانشيس لم يجعل مواقفه كلامية عنترية كما يفعل كثيرون، بل منع رسو السفن التي تنقل الأسلحة لإسرائيل من الرسو في الموانئ الإسبانية. ومنع الأجواء الإسبانية أن تكون معبرا للجريمة والمجرمين. سانشيس رجل الأفعال والمواقف، توعدته الصهيونية بالويل والثبور، وتوعدت معه الشعب المغربي الذي ضج بالمظاهرات واحتل ميناء طنجة لمنع رسو سفن التسلح والقتل الإسرائيلية من الرسو بموانئ طنجة المغربية، واستوجب معاقبة إسرائيل والصهيونية العالمية المزدوجة للمغرب وإسبانيا معا بذلك الهروب الجماعي الغرائبي المبيت من المغرب لاجتياح سبته.

ولا يقف الأمر عند هذه الحدود. إذ المغرب وإسبانيا معا يقفان على مضيق مائي ثالث لا يختلف عن مضيق هرمز وباب المندب، يمكنه أن يلعب أدوارا استراتيجية في السياسة والاقتصاد الدوليين، ما يستوجب دق هذا الإسفين بين الجارين الصديقين، وتدمير العلاقات بينهما، وإدخال أوربا وأمريكا وغيرهما في خصومات ممكنة.

وما يستوجب اقتلاع بيدرو سانشيس من هذا المضيق المائي الاستراتيجي الهام.

والمغرب كذلك لاعب استراتيجي يجب التنبه إلى مكانته في السياسة والافتصاد العالمي مثل أسبانيا.

↑
Exit mobile version