محمد السراوي: ابن زريق.. شاعر الغرابة

لعل من أجمل الأعمال الشعرية وأبهاها وألصقها بالروح وأسماها قصيدة ابن زريق البغدادي. فهي قصيدة فريدة في نظمها.. وحيدة عند صاحبها. رائعة في سبكها وحبكتها. كسرت النمطية الموجودة في القصيدة العربية من حيث الموضوع. وتألقت في سماء الشعر العربي بمجموعة من المواصفات …. سنأتي على بعضها في هذا المبحث المتواضع.

تعرفت على هذه القصيدة محض الصدفة… في السنوات الأخيرة من الدراسة الجامعية… وكم لمت نفسي على عدم التعرف والاطلاع عليها قبل هذه الفترة… لازمت قراءتها وإعادة قراءتها.. لأجد نفسي في البداية أمام قضية كبرى تطرحها أبيات هذه القصيدة … قضية الفقر والعوز وحاجة الإنسان إلى المال إلى قدر من المال لسد حاجيات أسرة تتكون من زوجة وأبناء لدفع سغب الجوع والحرمان وطرد أبواب الرذيلة والمهانة وسؤال الناس… طبعا هذه ليست ظاهرة جديدة وليست موضوعا طارئا… لكنها تكاد تكون وحيدة في مجال الشعر العربي بالنهاية الدرامية التي انتهت إليها قصة هذه الأبيات وقصة صاحبها… خاصة إذا تعلق الأمر بحال شاعر رقيق… جياش العاطفة.. صدوق. يمتلك من الأنفة والكبرياء الشيء الكثير كحال شاعرنا بطل هذه القصيدة.

حياة ابن زريق

هو أبو الحسن علي ابن زريق البغدادي المتوفى سنة 420 للهجرة. ولد في العراق بالكرخ التابعة لبغداد. يظل تاريخ ميلاده مجهولا عند الكتاب والمؤرخين ممن تناولوا سيرته أو وقفوا على شعره. ظل غريبا في جل أطوار حياته. بل يعد من أغرب وأعجب الشعراء العرب إذ لم يتحدث أحد عن سيرة حياته وأعماله الشعرية إلا من قصيدته الوحيدة والتي اتخذ لها الكتاب والمهتمون عدة أسماء. فمنهم من سماها عينية ابن زريق لانتهاء قافيتها بحرف العين.. ومنهم من سماها فراقية ابن زريق… ومنهم من أطلق عليها يتيمة ابن زريق..

كان الشاعر الإنسان يحب ابنة عمه وكانت فتاة ذات حسن وجمال وخلق. تحققت أحلام الشاعر فتزوج بها.. يجمعهما حب صادق عميق وقوي… لكن ولسوء أحواله وضيق عيشه أصابه حزن شديد وظل يفكر في طريقة يسعد بها زوجته وحبيبة قلبه في ظل أسرة صغيرة زادها من المحبة والوفاء أوسع حظا من زادها من القوت والمال. فأشار عليه أحد أصدقائه أن يقصد أحد ملوك بني أمية بالأندلس وقد اشتهر بغدقه على الشعراء وإكرامه لهم وسخائه معهم… ظلت الفكرة تراود شاعرنا وتشغل باله.. وكان يراها صعبة بعيدة المنال وفي المقابل كان يرى ظروف ووضعية أسرته وما أصبحت عليه من فقر واحتياج لا يمكن التغاضي عنه. ظل يتأرجح بين أمرين أحلاهما مر. عزم على الرحيل ومغادرة الأهل والوطن.. ولم تفلح كل محاولات زوجته في أن تثنيه عن قصده… فهي كانت ترجو بقاءه إلى جانبها حبا له وخوفا عليه من المخاطر والمهالك. وهو كان يرى في هجرته إلى الأندلس إنقاذا لماء وجهه أمام آسرته الصغيرة ودعما لها ولحبه لابنة عمه.

انتقل شاعرنا رقيق الطبع إلى بلاد الأندلس.. وقصد أميرها آنذاك وهو أبو الخير عبد الرحمان الأندلسي فجادت قريحته أمام الأمير بقصيدة مدحية بليغة في حق هذا الأمير… لكن جرت رياح الأندلس بما لا تشتهي سفينة ابن زريق. حيث كان عطاء الأمير ضئيلا ..لا يسمن جوع الشاعر ولا يغني ما بداخله من أمال وأحلام فظل يردد والحزن يعتصر قلبه( سلكت القفار والبحار إلى هذا الرجل.. فأعطاني هذا العطاء القليل.).. فاشتد غمه وزاد همه وكبر حزنه وضاقت عليه الأرض بما رحبت.. وأنى له أن يطويها وقد أبعدته المسافات وحالت بينه وبين أهله ووطنه… وبات يتذكر صورة أسرته الصغيرة.. وفوقها صورة زوجته وهي تتشبث به خوفا منها عليه… ثم حاله وبعده وما تحمله من متاعب ومخاطر…ظل شاعرنا على هذا الحال والمال.. واستبد به الغم فمات من علته وحسرته وحيدا غريبا عن أهله ودياره. حدث بعد ذلك أن تفقد الأمير بعد ثلاثة أيام أمر الشاعر ابن زريق رغبة منه في إكرامه على قصيدته المدحية.. وما تأخر الأمير في ذلك إلا ليعلم درجة صدق الشاعر من عدمها في المدح. بمعنى آخر كان الأمير يريد أن يتيقن هل كان الشاعر متعففا صادقا أم طامعا جشعا.. تبين  للأمير بعدها أن ابن زريق كان صادقا متعففا في مدحه. فسأل عنه ليكرمه. فظل الجنود يبحثون عنه إلى أن وجدوه في الخان الذي نزل به. وقد اسلم روحه لله تعالى تاركا تحت وسادته رقعة خط بين ثناياها قصيدته في مدح الأمير… مما زاد في حسرة الأمير وتأسفه على ما حدث…. لكنها الأقدار تفعل فعلها وتفي بوعدها غير متوانية ولا كاذبة.

قصيدة ابن زريق…

تعد قصيدة ابن زريق بحق من أجمل ما قيل في باب اللوم والعتاب. والفرقة والغياب وأرقى ما قيل في التعبير عن خبايا النفس البشرية الموجوعة والمكلومة بنيران الحب والبعاد المحترقة بآلام الدهر وغلبه وقهره. كما تجسد وبكل صدق تجربة الإنسان مع الغربة والاغتراب  والهجر والارتحال من أجل لقمة العيش وتوفير بعض من حاجيات النفس البشرية التواقة دائما إلى حب البقاء ولو كان  في ذلك مضرة  بالروح وكلفة في تجشم المخاطر والأهوال وركوب الصعاب مع ضيق الحال والأحوال كما يحدث في عصرنا الحاضر.

لقد عمد الشاعر ابن زريق في مطلع قصيدته إلى السير على نهج القدامى  حيث استهل قصيدته بعتاب جاء على شكل حوار صريح وبريء بينه وبين نفسه اللوامة  رسم من خلاله  صورة معبرة عن حاله وهو بالأندلس وقد تحطمت كل آماله وتهاوت كل أحلامه… تبرز قوة نفسه العاذلة في أكبر اعتراف آدمي بخطئه وندمه على ما حصل. الأمر الذي يشد سمع القارئ و يجذبه إليه حيث تتوق النفس البشرية إلى كل اعتراف صريح وتقبله.. بل تتطلع عبره إلى معرفة كل الأسباب الفاعلة والممكنة والمختفية وراءه. وتظل تتتبع خيوطه خيطا وراء الآخر خاصة إذا كان نسيج هذه الخيوط متكاملا متناغما سداه كلمات رقيقة وعبارات صادقة ولحمته معان سامية ومقاصد شريفة نبيلة يحبكها موضوع أساسي وجوهري وهو الحب الصادق والانفعالات الروحية الجياشة التي تتعدى الزمان والمكان. وتتحدى كل الصعاب أملا في استقرار منشود وحبل وصال ممدود تستظل تحته كل نوازع النفس وتستكين. لقد كان لوم وعتاب نفس الشاعر له مفتاحا لموضوع كبير… وقصيدة رائعة تقارب الأربعين بيتا.. تعددت أغراضها وتلونت أبعادها.. ظل ألم الفراق وضياع الروح يهيمن على القصيدة من بدايتها إلى نهايتها.

يستهل الشاعر ابن زريق قصيدته بهذه الصورة المعبرة من اللوم والعتاب.. وهو اعتراف ضمني من الشاعر بخطئه يوم خروجه  من بغداد متجها إلى الأندلس في هجرة جبرية قد لا تعرف خواتمها… يقول:

لا تعذليه فان العذل يولعه  *****  قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه

جاوزت في لومه حدا أضر به  *****  من حيث قدرت إن النصح ينفعه

فاستعملي الرفق في تأنيبه  بدلا  **** من عذله فهو مضنى القلب موجعه

قد كان مضطلعاً بالخطب يحمله ****  فضيقت بخطوب الدهر أضلعه

إنه اعتراف بالخطأ.. وندم على كل ما حصل.. مع ذكر الأسباب  القاهرة لهذا الرحيل.. طالبا فوق هذا وذاك التخفيف والرفق في اللوم والعتاب وعدم التعجيل في تقرير المصير… ولعل هذا الاعتراف الصريح من بين الصور الجميلة والمشاهد الرائعة التي جعلت هذه القصيدة تطرق الآذان وتصل أعماق القلوب.. بل وتحافظ على رونقها رغم مرور الأعوام والسنين. وتجد مكانتها بين القصائد الشعرية التي صورت بصدق وشفافية معاناة الإنسان في مواجهة هذا العالم المليء بالأحداث والمفاجئات والخيبات والانكسارات.

ينتقل الشاعر إلى صورة أخرى من صور اعترافاته… هذه المرة يعترف بجمال ورقة محبوبته/ زوجته التي تركها في بغداد… وديعة عند رب العالمين… وقد شبهها بالقمر الساطع الذي تختفي معه كل النجوم والكواكب الأخرى. يقول:

    استودع الله في بغداد لي قمرا ****** بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه

          يستفيض في طرح معاناته وكيف أنه تمنى لو فارقته روحه بدل مفارقته لزوجته التي ظلت تتشبث به وتدعوه إلى البقاء… يصور هذه اللحظات تصويرا بديعا تملؤه الحسرة والأسى. بعدها ينتقل إلى معاني الحكمة البليغة الصادرة عن نفس ذاقت من ألوان العذاب ما كتب لها … يطرحه على شكل حكم إنسانية سيبقى أثرها خالدا ما بقي الإنسان على ظهر الأرض. يقول:

وما مجاهدة الإنسان توصله ***** رزقا ولا دعة الإنسان تقطعه

قد وزع الله بين الخلق رزقهم **** لم يخلق الله من خلق يضيعه

لكنهم كلفوا حرصا فلست ترى **** مسترزقاً وسوى الغايات تقنعه

والحرص في الرزق والأرزاق قد قسمت **** بغي إلا أن بغي المرء يصرعه.

أعطيت ملكا فلم أحسن سياسته ****وكل من لا يسوس الملك يخلعه

ما أبلغ هذه المعاني وما أقوى حكمها.. جاءت بأسلوب عذب له حلاوة وعلى رنته طلاوة بديع دون تكلف.. منساب دون توقف.

وهكذا يمضي شاعرنا فيما تبقى من الأبيات ساردا قصته الموجعة وآلامه المبرحة. نادما متحسرا ساخطا مرة راضيا أخرى صبورا.. واضعا أمله في دهر قد يجمعه مع زوجته/ محبوبته…يقول:

علما بأن اصطباري معقب فرجا **** فأضيق الأمر إن فكرت أوسعه

وإن يدم أبدا هذا الفراق لنا **** فما الذي بقضاء الله يصنعه

خلاصة القول أن شعرنا العربي.. قديمه وحديثه يحفل بالعديد من الصور الاجتماعية والمواقف الإنسانية التي لازالت في حاجة إلى الإحياء والبعث.. تنتظر تقديمها في ثوب جميل وحلة بديعة أمام شباب أمتنا الإسلامية قصد التعرف عليه والاستزادة من علومه ومعارفه والتشبع بما يزخر به من مثل عليا وقيم كبرى نرى واقعنا اليوم في أمسّ الحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى.

*شاعر مغربي

Exit mobile version