
كش بريس/التحرير ـ
دخلت ملكية واحدة من أقدم المؤسسات الصحفية المغربية مرحلة جديدة، بعدما أبرم رجل الأعمال محمد حسن بنصالح اتفاقًا لاقتناء مجموعة Maroc Soir، الناشرة لصحيفتي «لوماتان» (Le Matin) و«الصحراء المغربية» (Assahra Al Maghribia)، في صفقة لم تُكشف قيمتها المالية بعد، فيما يظل إتمامها النهائي مشروطًا بالحصول على الموافقات والتراخيص التنظيمية اللازمة.
وتكتسب العملية أهميتها من كونها لا تتعلق بمجموعة إعلامية عادية فحسب، وإنما بمؤسسة صحفية ذات تاريخ طويل وحضور خاص في المشهد الإعلامي المغربي، ظل «لوماتان» خلال عقود منه عنوانًا شديد الارتباط بتغطية المؤسسة الملكية والدوائر الرسمية. وقد وصفت مصادر إعلامية دولية الصحيفة تاريخيًا بأنها قريبة من القصر، فيما صنفت دراسات حول ملكية وسائل الإعلام المغربية «ماروك سوار» ضمن المؤسسات التي تثير أسئلة خاصة حول العلاقة بين الملكية الإعلامية والنفوذ الاقتصادي والسياسي.
من عثمان العمير إلى محمد حسن بنصالح
الصفقة الجديدة تعيد، مرة أخرى، تشكيل خريطة ملكية المجموعة. فقد انتقلت «ماروك سوار» سنة 2001 إلى رجل الأعمال عثمان بنجلون، قبل أن تؤول في مارس 2004 إلى رجل الأعمال والناشر السعودي عثمان العمير، الذي ظل المساهم الرئيسي فيها طوال أكثر من عقدين. وتؤكد وثائق أرشيفية منشورة على موقع «لوماتان» أن عملية انتقال الملكية إلى العمير تمت رسميًا في مارس 2004.
وبموجب الاتفاق الجديد، ينتقل السهم المسيطر إلى محمد حسن بنصالح، رئيس مجموعة هولماركوم، غير أن المعطيات المتداولة تؤكد أن عملية الاقتناء تتم باسمه الشخصي وليس من خلال المجموعة الاستثمارية التي يرأسها.
وتمنح هذه الصيغة للعملية دلالة خاصة، إذ يصبح أحد كبار رجال الأعمال في المغرب مالكًا مباشرًا لمجموعة صحفية تاريخية، في تقاطع واضح بين رأس المال الصناعي والمالي وملكية وسائل إنتاج وتوزيع الأخبار.
«استمرارية الخط التحريري» في مواجهة أسئلة المرحلة الجديدة
البلاغ المرتبط بالعملية يقدم الانتقال باعتباره فرصة لفتح «فصل جديد» أمام المجموعة، وتوسيع آفاقها الوطنية والدولية، وتسريع تحولها الرقمي والاستراتيجي، مع التأكيد على استمرار الخط التحريري الحالي والإبقاء على الإدارة القائمة. كما يشدد الخطاب المعلن عن الصفقة على قيم المهنية وجودة المعلومة واستقلال المعالجة التحريرية والمسؤولية الصحفية.
وتكتسب هذه التعهدات أهمية خاصة لأن الاختبار الحقيقي لأي انتقال في ملكية مؤسسة إعلامية لا يرتبط فقط بمن يمتلك رأس المال، وإنما بكيفية الفصل بين الملكية والإدارة والتحرير، وبمدى قدرة الصحفيين وهيئات التحرير على الاحتفاظ بهامش مهني مستقل عن المصالح الاقتصادية للمالك.
وهنا تحديدًا يبرز السؤال الذي يتجاوز الصفقة ذاتها: هل يؤدي دخول فاعل اقتصادي كبير إلى الإعلام إلى إعادة بناء مؤسسة صحفية أكثر قدرة على الاستثمار والتحول الرقمي، أم أن انتقال الملكية سيعيد إنتاج العلاقة التقليدية بين رأس المال والنفوذ التحريري؟
الصحافة المغربية أمام إعادة ترتيب للملكية
لا يمكن عزل الصفقة عن التحولات الأوسع التي يعرفها الاقتصاد الإعلامي المغربي. فقد أظهرت دراسة لـ«مراسلون بلا حدود» وMedia Ownership Monitor أن ملكية وسائل الإعلام في المغرب ظلت مركزة بدرجات متفاوتة، وأن الصحافة المكتوبة الناطقة بالفرنسية ارتبطت، بدرجة ملحوظة، بمساهمين من عالم الأعمال والمال. كما أشارت الدراسة إلى أن تركّز الملكية يمثل أحد العوامل التي يمكن أن تؤثر في التعددية الإعلامية.
وتأتي هذه المعطيات في وقت تواجه فيه الصحافة التقليدية ضغوطًا اقتصادية متزايدة بفعل التحول الرقمي، وانحسار نماذج التمويل التقليدية، وتغير عادات استهلاك الأخبار، وانتقال جزء كبير من الجمهور والإعلان إلى المنصات الرقمية.
ويشير تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2026 إلى أن المشهد الإخباري المغربي أصبح يتشكل بصورة متزايدة عبر المنصات الرقمية والفيديو وصناع المحتوى، مع استمرار مستويات منخفضة من الثقة في الأخبار ووجود بيئة قانونية وتنظيمية محددة.
وبذلك، فإن انتقال ملكية «ماروك سوار» قد لا يكون مجرد صفقة تجارية في قطاع الصحافة، وإنما جزءًا من سؤال أكبر يتعلق بكيفية تمويل المؤسسات الإعلامية التقليدية وقدرتها على الاستمرار في سوق تتغير قواعده بسرعة.
رأس المال يدخل إلى الإعلام.. فأين تقف الاستقلالية؟
تاريخ الإعلام الحديث يكشف أن ملكية وسائل الإعلام كانت دائمًا مرتبطة بسؤال النفوذ. فالمؤسسة الصحفية تحتاج إلى رأس مال قادر على تمويل الصحفيين والتكنولوجيا والتوزيع والتحول الرقمي، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى ضمانات تمنع رأس المال من التحول إلى سلطة على المحتوى.
وتزداد حساسية المسألة عندما يكون المالك الجديد فاعلًا اقتصاديًا واسع الحضور في قطاعات متعددة؛ إذ يمكن أن تتقاطع مصالح المؤسسة الإعلامية مع شبكات المصالح الاقتصادية والإعلانية والعلاقات التجارية، حتى من دون وجود تدخل مباشر في العمل التحريري.
ولهذا أصبحت شفافية الملكية ووضوح العلاقة بين المساهمين وهيئات التحرير من المعايير الأساسية في النقاش الدولي حول استقلال الإعلام. وتعتبر منظمة «مراسلون بلا حدود» أن الضغوط الاقتصادية وتركيز الملكية بين النخب السياسية أو الاقتصادية يمكن أن يشكلا تهديدًا للاستقلال التحريري، خصوصًا عندما تغيب الضمانات المؤسسية التي تفصل الملكية عن القرار التحريري.
«لوماتان».. من مؤسسة تاريخية إلى اختبار جديد
تكمن خصوصية «ماروك سوار» أيضًا في تاريخها الطويل. فقد عرفت المجموعة تحولات متكررة في الملكية منذ بداية الألفية، وكان انتقالها سنة 2004 من عثمان بنجلون إلى عثمان العمير محطة بارزة في مسارها. وتظهر وثائق تلك المرحلة أن المالك الجديد قدم آنذاك مشروعًا لتحديث المؤسسة وتوسيع انتشارها وإطلاق مبادرات جديدة في قطاع الإعلام.
واليوم، بعد أكثر من عشرين سنة، يتكرر المشهد في صيغة مختلفة: رجل أعمال مغربي بارز يدخل إلى ملكية المجموعة، فيما تعلن الصفقة عن طموح لتسريع التحول الرقمي وتوسيع الحضور الوطني والدولي.
لكن ما سيحدد دلالة الانتقال لن يكون اسم المالك وحده، وإنما شكل الحوكمة الإعلامية التي ستنشأ بعده: موقع الإدارة، استقلال هيئة التحرير، طبيعة العلاقة مع المعلنين، قواعد معالجة الأخبار المتعلقة بالمصالح الاقتصادية للمالك، ودرجة الشفافية بشأن بنية الملكية والتمويل.
وهكذا تضع صفقة «ماروك سوار» الإعلام المغربي أمام معادلة دقيقة: رأس المال ضروري لإنقاذ المؤسسات الصحفية من الاختناق الاقتصادي، لكنه يصبح مصدر قلق حين يتحول إلى امتداد للسلطة التحريرية. وبين الحاجة إلى الاستثمار والحاجة إلى الاستقلال، يتحدد مستقبل الصحافة أكثر مما تحدده أسماء المالكين.




