
كش بريس/التحرير ـ
بعد أسبوع من تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة، لا تزال مشاورات تشكيل الأغلبية الحكومية تراوح منطقة الترقب، وسط سيل من الأخبار والتسريبات التي تتحدث عن تقدم في المفاوضات، دون أن تتحول، إلى حدود الساعة، إلى اتفاقات سياسية معلنة ونهائية.
وبينما توحي بعض الصحف الوطنية والأجنبية بأن ملامح الحكومة المقبلة بدأت تتشكل، تظل غالبية ما يتم تداوله خارج دائرة التأكيد الرسمي، الأمر الذي يفتح الباب أمام فرضية اختبارات البالون السياسي، حيث يجري تسريب بعض الصيغ والأسماء والتحالفات لقياس ردود فعل الأحزاب والرأي العام قبل تثبيتها على طاولة التفاوض.
وتدخل المشاورات، مع انطلاق جولتها الثانية، مرحلة أكثر تعقيداً؛ فبعد أن انشغلت الجولة الأولى بتحديد مواقف الأحزاب وحدود استعدادها للمشاركة، بات النقاش يقترب من جوهر التفاوض: من يحكم؟ وبأي وزن؟ ومن يحصل على أي حقيبة؟
وهنا تحديداً قد تظهر أولى المطبات. فالتوافق على مبدأ المشاركة لا يعني بالضرورة سهولة الاتفاق على هندسة الحكومة. توزيع الحقائب الوزارية، خصوصاً القطاعات السيادية والاقتصادية والاجتماعية ذات الثقل السياسي، يمكن أن يحول المشاورات من تفاهمات عامة إلى مفاوضات دقيقة حول النفوذ والحضور والوزن الانتخابي.
وتزداد الصورة تعقيداً مع تداول معطيات بشأن احتمال خروج حزب التجمع الوطني للأحرار من صيغة التحالف المتداولة مع حزب الأصالة والمعاصرة. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر لا يتعلق بتعديل تقني في تركيبة الأغلبية، وإنما بإعادة ترتيب واضحة للخريطة السياسية التي يجري التفاوض حولها.
غير أن غياب مواقف رسمية حاسمة يجعل من السابق لأوانه التعامل مع هذا السيناريو باعتباره قراراً نهائياً. فالأحزاب، في مثل هذه المرحلة، لا تفاوض فقط داخل الغرف المغلقة؛ إنها تفاوض أيضاً عبر الإعلام، وتستخدم التسريبات أحياناً لاختبار سقف مطالب الخصوم والحلفاء، ورفع كلفة التنازل أو تحسين شروط التفاوض.
ومن هذه الزاوية، فإن كثافة الأخبار المتضاربة خلال الأسبوع الأول قد تكون في حد ذاتها جزءاً من عملية التفاوض، وليست مجرد انعكاس لها.
الأكثر دلالة أن المشاورات بدأت تقترب من منطقة الأسماء. وهنا يصبح تشكيل الحكومة مرتبطاً ليس فقط بالتوازنات الحزبية، وإنما أيضاً بالمعايير التي ستعتمدها رئيسة الحكومة المعينة في اختيار الوزراء: الولاء الحزبي، الكفاءة التقنية، التمثيلية السياسية، أم مزيج من هذه العناصر؟
وعليه، فإن ما تحقق حتى الآن يمكن اختزاله في تحديد أولي لمواقع التفاوض أكثر من كونه اتفاقاً نهائياً على الحكومة المقبلة. فالأغلبية لم تُحسم بصيغتها النهائية، والتحالفات لا تزال قابلة لإعادة التركيب، وتوزيع الحقائب لم يدخل بعد مرحلة التسوية النهائية.
وتبقى الجولة الثانية هي الاختبار الحقيقي لمسار المشاورات؛ لأنها ستكشف ما إذا كانت التفاهمات التي تحدثت عنها التسريبات قد بلغت مستوى الاتفاق السياسي، أم أن الأطراف لا تزال أمام مسافة واسعة من المساومات.
في السياسة، لا تقاس المسافة التي قطعتها المفاوضات بعدد الأخبار التي تسربت عنها، وإنما بعدد الملفات التي جرى حسمها فعلاً.
وبين ما يقال وما تم الاتفاق عليه، تبدو حكومة المنصوري حتى الآن مشروعاً قيد التفاوض، لا تشكيلة جاهزة للإعلان.




