مصطفى العثماني يكتب: سؤال الوجود بالدول النامية (المغرب نموذجا)

“تراكم الفعل، أساس جودته MELO

هذا المقال سيكون عبارة عن محاولة لملامسة بعضا مما يتخبط فيه الفاعل الجمعوي في مجتمع تتراكم به وعليه الاكراهات الى الحد التي تجعل المجتمع المدني من متذيلي اهتماماته، وباعتباري لا اقبل اقفال باب الامل لكي لا يسود الظلام العقول، سأقترح بعض الحلول انطلاقا من تجربتي البسيطة والمتواضعة في الميدان الجمعوي ومن النزر النظري الذي راكمته من كوني خريج تخصص السيسيولوجيا.

وستكون محاور هذا العرض على الشكل التالي:

  1. مفهوم المجتمع المدني ودوره وعلاقته بالدولة (وهوما سننشره في هذا العدد على ان ينشر الباقي في الاعداد القادمة)
  2. واقع المجتمع المدني بالدول النامية المشاكل والحلول: المغرب نموذجا.
  3. ما الذي يملكه المجتمع المدني في هذه الدول؟
  4. ما الذي يمكن للفاعل الجمعوي فعله في مثل هذه الوضعية؟
  5. المجتمع المدني مفهومه، دوره وعلاقته بالدولة

يعتبر التطرق لمفهومين محوريين واللذان سيظهران كثيرا بين أسطر هذا المقال بداية لابد منها:

حدد الكتاب الأبيض للحكامة في الاتحاد الأوروبي المجتمع المدني في: مجموعة التنظيمات غير الحكومية، النقابية والعمالية والمهنية والثقافة والحقوقية التي تدافع، وباستقلال عن سلطة الدولة، على مصالح الناس وصون حقوقهم ونشر ثقافة التسامح والاختلاف والتنمية المستدامة من خلال تأهيل الفرد وتحديث المجتمع والحفاظ على سلامة البيئة (livre Blanc 2003 )

     وقد حدد دور المجتمع المدني في المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة، حيث اضحى دوره في تحقيق بعض مظاهر هذه التنمية من الأمور البديهية لدى اغلب المجتمعات المتقدمة ذات التقاليد العريقة والامكانيات الوفيرة.

وقد طالبت الأمم المتحدة كافة الدول بدعم دور المجتمع المدني في التنمية المستدامة وتفعيله، من خلال اشراك الجمعيات المدنية في تصميم الأنشطة والبرامج وتنفيذها ونشر نتائجها وخاصة التي لها علاقة مباشرة بتحسين جودة الحياة وحماية البيئة وتعزيز حقوق الانسان وبناء مجتمع العدل والمساواة والرفاه الاجتماعي. ومن اهم الوثائق والتقارير التي تحدثت عن دور المجتمع المدني نذكر:

ويتبين من خلال ما قلناه ان المجتمع المدني يقتصر دوره على المساهمة الى جانب الدولة التي تعتبر المسؤولة عن تحقيق هذه التنمية. وبذلك فمسؤولية الجمعيات تنحصر في المساهمة في كل مراحل تحقيق التنمية من تخطيط وتدبير وتنفيذ وتتبع، ومنه المساهمة في الحد من مظاهر الفقر والامية والتهميش والعنف والفساد والرشوة ونشر ثقافة جادة قائمة على اعمال العقل وقبول الاخر والكفاءة وتكافؤ الفرص وحقوق الانسان، ولا يمكنها ان تقوم مقام الدولة في تحمل كامل المسؤولية في تحقيق التنمية واشراك كل الفاعلين فيها وعلى راسهم جمعيات المجتمع المدني.

اما القانون المغربي فقد تحدث دستور 2011 عن المجتمع المدني في الفصل 12 على: “إن جمعیات المجتمع المدني والمنظمات غیر الحكومیة تُؤسس وتمارس أنشطها بحریة، في نطاق احترام الدستور والقانون. ولا یمكن حل ھذه الجمعیات والمنظمات أو توقیيفها من لدن السلطات العمومیة، إلا بمقتضى مقرر قضائي.

كما أن الجمعیات المهتمة بقضایا الشأن العام، والمنظمات غیر الحكومیة، تُساھم في إطار الدیمقراطیة التشاركیة، في إعداد قرارات ومشاریع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومیة، وكذا في تفعیلها وتقییمها. وعلى ھذه المؤسسات والسلطات تنظیم ھذه المشاركة، طبق شروط وكیفیات یحددھا القانون  بحيث یجب أن یكون تنظیم الجمعیات والمنظمات غیر الحكومیة وتسییرھا مطابقا للمبادئ الدمقراطية.

كما ینص الدستور في الفقرة الثانیة من الفصل 12: “تُساھم الجمعیات المهتمة بقضایا الشأن العام، والمنظمات غیر الحكومیة، في إطار الدمقراطية التشاركیة، في إعداد قرارات ومشاریع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومیة، وكذا في تفعیلها وتقییمها .وتتحدد الجمعیات المهتمة بقضایا الشأن العام في مقابل الجمعیات التي لیس لها اھتمام بالشأن العام.  وھي الجمعیات التي تقتصر على الدفاع عن مصالح أعضائها، وبالتالي لا تعمل إلا لفائدة دائرة ضیقة من الأشخاص، وتندرج الوداديات بصفة عامة ضمن ھذه الفئة من الجمعیات”

كما يتحدث القانون في الفصل السادس من ظهير شريف رقم1.58.376 يضبط بموجبه حق تأسيس الجمعيات، كما تم تعديله بالقانون التنظيمي للأحزابالسياسيةرقم29.11 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.166بتاريخ24 ذي القعدة 1432(22أكتوبر2011)الجريدة الرسمية عدد 5989 بتاريخ 26 ذو القعدة 1432 (24اكتوبر 2011) ص 5172. : “كل جمعية صرح بتأسيسها بصفة قانونية يحق لها أن تترافع أمام المحاكم وأن تقتني بعوض وأن تتملك وتتصرف فيما يلي:

  1. الإعانات العمومية؛
  2. واجبات انخراط أعضائها؛
  3. واجبات اشتراك أعضائها السنوي؛
  4. إعانات القطاع الخاص؛
  5. المساعدات التي يمكن أن تتلقاها الجمعية من جهات أجنبية أو منظمات دولية مع، مراعاة مقتضيات الفصلين 21 و 41مكرر من هذا القانون؛
  6. المقرات والأدوات المخصصة لتسييرها وعقد اجتماعات أعضائها؛
  7. الممتلكات الضرورية لممارسة وإنجاز أهدافها”

يتبين من خلال الكتاب الأبيض والمواثيق الدولية والقانون المغربين ان الجمعيات هي تنظيمات شريكة في التدبير والتخطيط الى جانب مؤسسات الدولة والمجالس المنتخبة، كما يمكن لهذ المؤسسات والمجالس ان تفوض للجمعيات تسيير مشروع ما تحت مراقبتها. وبذلك فان الجمعيات هي حاملة مشاريع وليست صاخبتها أي يمكنها ان تقترح وتساهم في صياغة مشروع وتسييره بتفويض وتحت رقابة الجهة صاحبة المشروع. ويدفعنا هذا الى الاستنتاج ان دور المجتمع المدني انتظاري وتبقى قوته في قدرته على الاقتراح.

ويقودنا كل ما قلناه إلى حدود الآن أن نضع النظري على محك الواقع، واقع الجمعيات بالمغرب عامة وبمنطقة أوطاط الحاج خاصة.

      إن العمل الجمعوي بالمغرب وبصفة عامة يعاني من عدة معوّقات نلخصها فيما يأتي:

  1. نشر ثقافة أن الجمعيات تعطي ولا تأخذ أي تمنح لمنخرطيها وجيرانها و(هي جهة مانحة) لمن لها علاقة بهم أو الفئات التي تستهدفها. وهنا كانت مساهمة الإعلام كبيرة، بإشهاره لما تقوم به الجمعيات الكبيرة وإظهار عملها بأنه أساس العمل الجمعوي.

لكن العمل الجمعوي هو العمل المبني على ثقافة المشاركة المواطنة، أي مشاركة المنخرطين والمواطنين في أنشطتها لاستهداف الفئات الهشة او للقيام بخدمات تخدم منخرطيها وتخدم وسطهم، وبتمويل من الدولة او جهة أخرى مانحة، العمل الجمعوي أخذ وعطاء وليس عطاء فقط.

      ومن هنا أصبح الفاعل الجمعوي محَطَّ تخوين ومحط وصم وأنه مسترزق وكذاب… وهذا نتاج اختلاط الأمر عند الناس بين الشخصي والجمعوي. كذلك المزج بين الانتخابوي والجمعوي…

أمام كل هذه المشاكل ماذا يملك المجتمع المدني؟ أو ماذا يملك الفاعل الجمعوي كنقاط قوة ليستمر؟

 ما يملكه الفاعل الجمعوي هما شيئان مهمان، ويمكنه إضافة ثالثهما:

  1. هو ثقافة التضامن المترسخة في مجتمعنا: التويزة، السلف، التعاون في الأعراس وفي المناسبات، بيت في جامع (المسجد) للمساكين وعابري السبيل، لوزيعة، المنسج، كانت النساء تقمن بالأعمال المنزلية وحتى بالحقل بدل المرأة إن كانت نافس وكانت وحيدة في البيت، إطعام الارملات الوحيدات….

      هذه الثقافة يحتاجها الفاعل الجمعوي ويمكنه أن يجددها وينعشها، ليجعل منها مدخلا لانخراط كل افراد المجتمع كفاعلين ومساهمين وليس كمستفيدين فقط. وبذلك خدمة المجتمع المدني وخدمة الفئات الهشة، وكذلك خدمة لموقعه من خلال العمل الجماعي والاستفادة الجماعية.

      وأتذكر هنا حدث الرجل الذي وجد جائعا في براكة، ونشر في الفايسبوك وبدأ كل من صوره يصيح أين المسؤولين أين المجلس البلدي. ويطرح هنا سؤال هل غابت عنا قيم التضامن إلى هذا الحد. اغلب الاسر تبيع من بقايا الخبز الجاف ما يطعم عائلة وليس فردا. هل سنحتاج في كل تحركاتنا الإنسانية للمسؤولين والمنتخبين.

      ولنا في ثقافتنا كل ما نحتاجه للقيام بواجبنا اتجاه الفقراء والمساكين وعابري السبيل، كما أتذكر بحثا لأحد السوسيولوجيين الأمركيين حيث قام بإعادة تدوير نفايات زقاق بمدينته، وتوصل إلى أن كل أسرة أمريكية مقيمة ومن 4 أشخاص قادرة على إعالة أسرتين من نفس العدد.

هذا في أمريكا وما بالك بنا نحن المغاربة حيث بقايا الطعام الصالحة للأكل أصبحت أحد مميزات وجباتنا وما بالك بولائمنا، كلنا يبيع الخبز الجاف، رغم ان هذا المقال قد كتب قبل جائحة كورونا الا انه حضرتني هنا ملاحظة خلال هذه الجائحة، حيث هجرت كل الكلاب والقطط الضالة المدينة، خاصة في بداية الحجر وذلك ناتج عاملين: الأول ان المطاعم أغلقت أبوابها، والثاني ان الساكنة كانت حريصة على التقتير في الاكل مخافة توقف تدفق السلع بالسوق. ومباشرة بعد الاطمئنان على ان السلع لن تنبض بالسوق بدأت هذه الحيوانات تعود لشوارع المدينة، حيث عاد القاطنين لعاداتهم الغذائية التي توفر لهذه الحيوانات مصدر البقاء. فلما لا نزود المساكين باليسير مما نأكل او على الأقل مما نلقي به في القمامة، وسيعيش بكل مدينة مدينة أخرى مثلها.

يعني نرشد انفاقنا.

لأشرح هذا لابد من الحديث عن الزمن بعض الشيء.

      الإنسان يفهم الزمن متقطع انطلاقا من ساعته البيولوجية، حاجته للأكل للنوم للقيام بما يفرضه استمراره وما يفرضه الجسم، ثم بعد ذلك قسم الزمن من خلال هاته الساعة: الفطور الغذاء العشاء، زمن النوم. زمن النهوض والباحثون في الغرب قسموا الزمن إلى عدة تقسيمات وحسب الفئات الاجتماعية: الزمن عند الموظف ليس نفسه عند التاجر أو الفلاح أو العامل أو المعطل أو ربة البيـت إلخ، وسأعتمد هنا تقسيم                           (Maria Carmen Belloni)  كمرجعية لكل التقسيمات. وقد قسمت ماريا الزمن إلى خمسة أقسام وهي:

      أعتقد أننا في أوطاط الحاج لدينا ثلاث أزمنة وهي الزمن المفروض أي العمل بالبيت أو خارجه والزمن الضروري المرتبط بالوجود والزمن الحر (ولكنه بهوايتين فقط) الأفلام للنساء وتتبع مباريات كرة القدم بالمقاهي للرجال.

      وهنا على الفاعل الجمعوي أن يشتغل على الزمن الحر وكيفية استثماره ليلج العمل الجمعوي كل البيوت.

 وفي الاخير أمكننا تلخيص الإمكانات المتاحة للفاعل الجمعوي لتطوير الفعل الجمعوي ونشر ثقافة العمل التطوعي، والرقي بمكانته المجتمعية والمؤسساتية والقانونية فيما يلي:

  1. استغلال ثقافة التضامن المترسخة (والتي برزت زمن الجائحة بشكل تجاوز كل التوقعات) داخل مجتمعنا.
  2. استثمار الزمن الحر لديه ولدى باقي أفراد المجتمع لنشر هاته الثقافة وجعل العمل التطوعي والتضامني المنظم داخل جمعيات ثقافة سائدة.
  3. التفكير بأن تصبح الجمعية مؤسسة استثمارية وليست تطوعية مجانية فقط. تماشيا مع ما تطلبه الدولة الآن من خلال فرض 30% على الجمعيات (أي تريد الجمعيات الاستثمارية) ولن يكون العمل الجمعوي استثماريا إلا إذا أصبح تضامنيا جماعيا ومنتجا وليس مانحاً فقط.
  4. العمل على الرقي بمكانة الجمعيات على المستوى القانوني، حيث تصبح شريكة وليس استشارية فقط.
  5. صياغة ميثاق للعمل الجمعوي يعطيه صبغة أقرب الى المهنة منطلقه التطوع ومساره التدرج.

وأتمنى أن أكون قد وفيتُ الموضوع بعض مما يستحق. كما انه لا يسعني الا ان اقر بان هذه السطور تفتقد لدراسة للعمق النظري نظرا لأنها موجهة للعامة كما هو الشأن للخاصة، ولذلك ارتأينا ان لا نثقلها بالنظري على ان تلامس الواقع في ابسط تجلياته وبأبسط لغة نمتلكها لنظمن تفاعل أكبر عدد من قراءها، وسنكون سعداء بانتقاداتكم وتوجيهاتكم.

*كاتب وجمعوي وسوسيولوجي مغربي

Exit mobile version