مصطفى المنوزي: ملحق حول الحزب والمجتمع والمؤسسات

من الذيلية والإلحاقية إلى استعادة استراتيجية التغيير الديمقراطي
المجتمع المدني والمنتخبون والأعيان بين استقلال الوظائف ووحدة الأفق

إذا كان النقاش حول الديمقراطية يقودنا عادة إلى الدولة والدستور والانتخابات، فإن جانبًا حاسمًا من أزمة التغيير الديمقراطي يوجد في مكان أقرب: داخل العلاقات التي ينتج بها الحزب امتداده الاجتماعي، وتمثيله المؤسساتي، ونخبه وقياداته.
فالحزب لا يتحرك في فراغ. حوله نقابات وجمعيات وهيئات مهنية وتنظيمات اجتماعية؛ ومن خلاله يصل برلمانيون ومنتخبون إلى المؤسسات؛ وفي محيطه تتحرك شبكات محلية وأعيان يمتلكون موارد انتخابية واجتماعية متفاوتة ؛ والمشكلة ليست في وجود هذه العلاقات، فهي من طبيعة السياسة، بل في كيفية تنظيمها ومن يؤثر في من.
ومن هنا يمكن طرح فرضية جامعة: إن أزمة الحزب لا تبدأ فقط عندما يضعف انتخابيًا، بل كذلك عندما يفقد قدرته على تنظيم العلاقة بين المشروع السياسي، والاستقلال الاجتماعي، والتمثيل المؤسساتي، والقوة الانتخابية.
وعندئذ يصبح السؤال عن استراتيجية التغيير الديمقراطي سؤالًا عن الحزب نفسه: هل ما يزال مركزًا لإنتاج مشروع سياسي ديمقراطي، أم أصبح ملتقى لقوى وشبكات قد تعيد تشكيله وفق منطقها الخاص؟

أولًا: الحزب والمجتمع — من الذيلية إلى الاستقلالية الوظيفية :
ارتبط جزء من تاريخ العمل السياسي بتصور يجعل الحزب حاملًا للمشروع العام، بينما تتحرك حوله تنظيمات جماهيرية ونقابية ومدنية تؤدي وظائف قطاعية واجتماعية تصب، في النهاية، في الاستراتيجية التي يحددها التنظيم السياسي ؛ وكان لهذا التصور منطقه في مراحل الاستقطاب السياسي والحاجة إلى تجميع القوى ، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول العلاقة من التقاطع في المشروع إلى الذيلية أو الإلحاقية.
فالذيلية تعني أن تفقد المنظمة الاجتماعية أو النقابية أو المهنية قدرتها على إنتاج موقفها من داخل مجالها ومصالح من تمثلهم، لتصبح مواقفها مشتقة من الموقف الحزبي ؛ أما الإلحاقية فتذهب أبعد: تحتفظ المنظمة باستقلالها القانوني، بينما يصبح مركز قرارها الفعلي موجودًا خارجها ؛ وفي الحالتين تفقد الديمقراطية جزءً من تعدديتها؛ لأن المجتمع لا يعود ينتج السياسة من تعدد خبراته ومصالحه، بل يعيد إنتاج سياسة صيغت في مركز واحد.
لكن البديل ليس فصل الاجتماعي عن السياسي؛ فالنقابة تمارس فعلًا سياسيًا عندما تتدخل في التشريع الاجتماعي، والجمعية الحقوقية حين تراقب السياسات العامة، والهيئة المهنية حين تدافع عن استقلال القضاء والمحاكمة العادلة، والحركة المدنية حين تقترح تعديل قاعدة قانونية، ولذلك لا نحتاج إلى استقلالية القطيعة، وإنما إلى الاستقلالية الوظيفية ، أي أن يحتفظ كل وسيط بمصدر شرعيته ومجال اختصاصه وقواعد اتخاذ قراره، مع إمكان الالتقاء حول قضايا وقيم وأهداف مشتركة.
وهنا يمكن صياغة قاعدة أولى:
وحدة القيم لا تستوجب وحدة مركز القرار، والتنسيق لا يعني الإلحاق، والاستقلالية ليست نقيض الالتقاء ؛ فالتحالف الديمقراطي الأقوى ليس الذي يجعل الجميع يتكلمون بصوت واحد، وإنما الذي يسمح لأصوات مستقلة بأن تنتج فعلًا مشتركًا دون أن تفقد استقلالها.

ثانيًا: الحزب والمؤسسة — من المرشح الحزبي إلى الممثل السياسي :
لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا عندما ننتقل من المجتمع إلى البرلمان والجماعات الترابية؛ فالبرلماني والمنتخب يصلان، في الغالب، بواسطة الحزب. غير أن الانتخاب يحدث تحولًا في مركزهما القانوني والسياسي: فالمرشح الحزبي يصبح ممثلًا داخل مؤسسة عامة ، وهنا تتقاطع ثلاث شرعيات:
شرعية حزبية مصدرها البرنامج والانتماء؛ وشرعية انتخابية مصدرها الناخب؛ وشرعية مؤسساتية مصدرها الوظيفة التي أصبح المنتخب يمارسها وفق الدستور والقانون والمصلحة العامة.
والاختلال يبدأ عندما تبتلع إحدى هذه الشرعيات الأخريين ؛فإذا ابتلع الحزب التفويض، أصبح المنتخب مندوبًا عن الجهاز ،وإذا انفصل المنتخب كليًا عن الحزب، تحولت التمثيلية إلى شخصنة وانتهازية محتملة ، وإذا طغى المنطق الإداري والتقني، فقدت الوظيفة المنتخبة مضمونها السياسي.
إن المطلوب، مرة أخرى، استقلالية وظيفية داخل وحدة المشروع؛ فالانتماء الحزبي لا يلغي حق المنتخب وواجبه في التقدير والتعليل، والاستقلالية التمثيلية لا تعني التنصل من البرنامج الذي انتخب باسمه.

البرلمان: هل ينتج القرار أم يستقبله؟
يظهر هذا التوتر بوضوح في البرلمان ؛فإذا حُسمت المواقف بالكامل خارجه، ولم يبق للنقاش البرلماني سوى إعلانها والتصويت عليها، فإن المؤسسة قد تحتفظ بشكلها الدستوري بينما تضعف وظيفتها التداولية ، فالبرلمان ليس مجرد مكان لحساب الأغلبية والأقلية؛ إنه يفترض أن يكون فضاءً لإنتاج القانون من خلال المناقشة والتعديل والاستماع والخبرة والمراقبة والتقييم ؛ ومن ثم فالسؤال الديمقراطي ليس فقط: كيف صوت الفريق؟ بل كذلك: هل استطاع العمل البرلماني نفسه أن يغير شيئًا في الموقف الذي دخل به الفريق إلى البرلمان؟
فإذا كان النقاش لا يستطيع تعديل القرار، أصبح التداول أقرب إلى إجراء يسبق المصادقة منه إلى آلية لإنتاج الإرادة التشريعية.

الجماعة الترابية: لا لامركزية سياسية مع مركزية حزبية مطلقة:
أما العمل الجماعي الترابي فيكشف المفارقة بصورة أوضح.
فالبرنامج الحزبي وطني، بينما المجال المحلي ينتج حاجاته ومعرفته وأولوياته الخاصة ، وما يبدو أساسيًا من المركز قد لا يكون هو الأولوية نفسها بالنسبة إلى جماعة أو مدينة أو جهة.
ولهذا فإن نقل الاختصاصات من المركز إلى الجماعات لا يكفي إذا ظلت إرادة القرار السياسي نفسها شديدة المركزية داخل الحزب؛
فاللامركزية الترابية تحتاج، بدرجة ما، إلى لامركزية في إنتاج القرار الحزبي؛ ومن هنا يمكن للجماعات الترابية أن تصبح مختبرًا فعليًا للتكامل بين الديمقراطية التمثيلية والتشاركية: المنتخب يملك شرعية القرار، لكن المواطن والجمعيات والتنظيمات المحلية يساهمون في إنتاج المعرفة التي يقوم عليها القرار وفي تقييم نتائجه؛ وبذلك يصبح التراب ليس فقط مجالًا لتنفيذ البرنامج، بل مصدرًا لإعادة صياغته.

من الأمر الحزبي إلى التعلم الحزبي :
هذا يقود إلى تصور مختلف للعلاقة بين الحزب ومنتخبيه؛ فبدل خط عمودي يبدأ من القيادة وينتهي عند المنتخب، يمكن بناء علاقة دائرية: الحزب ينتج التوجه، والمؤسسة تختبره، والواقع يصححه، ثم يعود التصحيح إلى الحزب فيتحول إلى معرفة سياسية جديدة ، وعندئذ يصبح البرلماني والمنتخب الترابي مصدرين للمعرفة الحزبية، لا مجرد منفذين لقرارها؛ ويصبح الحزب نفسه مؤسسة تتعلم من ممارسة السلطة والتمثيل، لا جهازًا يكتفي بإصدار التوجيهات.
وهنا نقترب من تصور الحزب الشبكي: حزب تتعدد داخله مصادر المعرفة؛ القيادة تنتج الرؤية العامة، والبرلمان ينتج الخبرة التشريعية والرقابية، والمنتخب الترابي ينتج معرفة المجال، والتنظيمات الاجتماعية والمهنية تنقل التحولات القطاعية، والقواعد تلتقط تغيرات المجتمع، فوظيفة الحزب عندئذ ليست إسكات هذا التعدد، بل تركيبه سياسيًا.

ثالثًا: حين ينقلب الاتجاه — من المنتخب إلى السيطرة على الحزب :
غير أن العلاقة بين الحزب ومنتخبيه لا تعمل في اتجاه واحد، فكما يمكن للحزب أن يبتلع استقلالية المنتخب، يمكن للمنتخبين بدورهم أن يعيدوا تشكيل الحزب؛ وهنا نصل إلى ظاهرة أعيان الانتخابات ، والعين (مفرد اعيان ) ليس بالضرورة مجرد صاحب ثروة. فقد يستمد قوته من شبكة اجتماعية أو اقتصادية، أو نفوذ محلي، أو حضور عائلي، أو رئاسة جماعة، أو قدرة على تعبئة الناخبين والمنتخبين ؛ إنه يمتلك، بتعبير قريب من بورديو، رأسمالًا انتخابيًا يمكن تحويله إلى رأسمال حزبي ، ولا تكمن المشكلة في دخول الأعيان إلى الأحزاب؛ فالحزب الديمقراطي مفتوح أمام مختلف الفئات الاجتماعية.
إن المشكلة هي ماذا يفعل منطق الأعيان بالحزب بعد دخولهم إليه؟

من الحزب الذي ينتج المرشح إلى المرشح الذي يعيد إنتاج الحزب :
في النموذج الحزبي التقليدي يفترض أن ينتج التنظيم مناضليه ونخبه، ثم يختار من بينهم من يحمل مشروعه إلى الانتخابات.
لكن حين تصبح القدرة على الفوز معيارًا مهيمنًا، قد تنقلب السلسلة:
يبحث الحزب عن المرشح القابل للفوز.
المرشح يجلب الأصوات.
الأصوات تنتج المقعد.
المقعد ينتج النفوذ.
النفوذ يؤثر في الترشيحات والمؤتمرات.
والقدرة على التحكم في الترشيحات تساعد على إنتاج شبكة جديدة من المنتخبين.
وهكذا قد تتحول العلاقة تدريجيًا من:الحزب ينتج المرشح إلى:
المرشح ينتج المقعد ؛ ثم إلى المقعد يعيد إنتاج الحزب.
وهنا تقع إحدى أهم التحولات السوسيولوجية في الحياة الحزبية.

من شرعية النضال إلى شرعية القابلية للفوز :
لا يمكن لحزب سياسي أن يحتقر القدرة على الفوز؛ فالمنافسة على السلطة من وظائفه الأساسية؛ لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح القابلية الانتخابية معيارًا يبتلع بقية معايير إنتاج النخبة.
فالقدرة على الفوز في دائرة لا تعني بالضرورة القدرة على إنتاج تصور سياسي أو إدارة حزب أو صياغة سياسة عمومية أو قيادة تحول ديمقراطي ؛ وإذا أصبحت الطريق الأقصر إلى القيادة هي امتلاك شبكة انتخابية، فقد تنتقل الأحزاب تدريجيًا من إنتاج نخبتها سياسيًا إلى استيراد القوة الاجتماعية ثم تحويلها إلى قيادة سياسية، وعندئذ لا يدخل العين إلى الحزب فقط؛ بل يدخل منطق الأعيان إلى قواعد اشتغاله.

الجماعة الترابية بين الديمقراطية المحلية والإقطاع الانتخابي :
وهنا تظهر مفارقة العمل الترابي نفسه؛ فالجماعة يمكن أن تكون مدرسة للديمقراطية والمشاركة والقرب، لكنها تستطيع كذلك أن تصبح قاعدة لتراكم النفوذ والشبكات، فالمنتخب الناجح يكتسب معرفة بالمجال، وعلاقات، وقدرة على الوساطة، وشبكة من المنتخبين والمؤيدين. وهذه كلها موارد سياسية مشروعة؛ غير ان السؤال يبدأ عندما تتحول هذه الموارد بصورة شبه آلية إلى سلطة داخل الحزب ؛ فاللامركزية لا ينبغي أن تنتج إقطاعيات انتخابية حزبية ، والمعيار ليس منع المنتخب المحلي من الوصول إلى القيادة؛ فهذا مناف للديمقراطية ، فالمعيار هو أن تمر القوة المحلية عبر قواعد مؤسساتية تجعلها تتنافس مع مصادر أخرى للشرعية: الكفاءة، والتكوين، والمشروع، والعمل التنظيمي، وكذا القدرة القيادية، والديمقراطية الداخلية.

المؤتمر لا يبدأ يوم انعقاده :
ولهذا لا يكفي أن نقول إن القيادة انتخبت في مؤتمر ديمقراطي ،
فالتفكير السوسيولوجي يبدأ خطوة قبل ذلك:
من أنتج المؤتمرين؟
وكيف تشكلت الهيئة الناخبة؟
ومن يملك التأثير في اختيار المندوبين؟
وما وزن شبكات المنتخبين داخلها؟
فالاقتراع قد يكون حرًا وسليمًا في لحظة التصويت، بينما تكون موازين القوة التي أنتجت الجسم المصوت قد تشكلت خلال سنوات من تراكم الموارد الانتخابية والتنظيمية ؛ وهنا ننتقل من ديمقراطية الإجراء إلى سوسيولوجيا شروط إنتاج الإجراء.

من الأوليغارشية التنظيمية إلى الأوليغارشية الانتخابية :
تحدث روبرت ميخلز عن ميل التنظيمات إلى إنتاج أوليغارشياتها بفعل احتراف القيادة والجهاز ؛ لكن التحولات الانتخابية تسمح بالتفكير في شكل موازٍ يمكن تسميته «الأوليغارشية الانتخابية»: نخبة لا تستمد قوتها أساسًا من السيطرة على الجهاز البيروقراطي للحزب، بل من قدرتها على إنتاج المقاعد وشبكات المنتخبين والموارد المحلية ، وهنا قد تتغير أسماء القيادات دون أن تتغير بنية القوة ، لأن التداول على الأشخاص لا يساوي بالضرورة التداول على مصادر إنتاج القيادة.

الحلقة المغلقة :
عند جمع هذه العناصر تظهر دائرة ينبغي أن تكون موضع اختبار لا حكم مسبق ، فالموارد الاجتماعية تنتج قدرة انتخابية؛ والقدرة الانتخابية تنتج مقاعد؛ والمقاعد تنتج نفوذًا حزبيًا؛ والنفوذ الحزبي يؤثر في الترشيحات؛ والترشيحات تعيد إنتاج شبكة المنتخبين؛ والشبكة تعيد إنتاج القيادة، وإذا أغلقت هذه الدائرة على نفسها، فإن الحزب لا يعود مجرد «وكالة انتخابية»؛ قد يصبح ائتلافًا لشبكات انتخابية تتفاوض على إدارة التنظيم وتوزيع موارده ومواقعه؛ وعندئذ يصبح الخطر مضاعفًا: لا الحزب ينتج المجتمع سياسيًا، ولا المؤسسة المنتخبة تنتج الحزب بصفة ديمقراطية ، بل قد تصبح الموارد الانتخابية نفسها هي التي تعيد إنتاج الاثنين.

كيف نستدرك دون شيطنة الانتخابات والأعيان؟
ليس الحل في إقصاء الأعيان، ولا في العودة الرومانسية إلى حزب «المناضلين الخالصين»، ولا في إضعاف الانضباط الحزبي، ولا في تحرير المنتخب من كل التزام سياسي ، فهذه حلول حدية لمشكلة مركبة، والبديل هو حوكمة مصادر القوة داخل الحزب؛ أي ألا يحتكر مصدر واحد ــ المال أو المقعد أو الأقدمية أو الجهاز أو الشرعية التاريخية ــ إنتاج القيادة؛ وأن تتوازن الشرعية الانتخابية مع الشرعية التنظيمية والكفاءة والمعرفة والتكوين والقدرة على إنتاج المشروع ، وأن تكون مساطر الترشيح واضحة وقابلة للتعليل، وأن يصبح التكوين طريقًا فعليًا إلى القيادة، وأن تحتفظ التنظيمات المدنية والنقابية والمهنية باستقلاليتها، وأن يملك البرلماني والمنتخب هامشًا للاجتهاد المعلل دون الانفصال عن البرنامج، وأن تعود الخبرة المنتجة داخل المؤسسات إلى الحزب لتصحح رؤيته؛ فالغاية ليست تحرير كل فاعل من الآخر، وإنما منع أي فاعل من ابتلاع وظيفة الآخر.

من الحزب الهرمي إلى النظام البيئي الديمقراطي :
وهنا تلتقي المقالات الثلاثة مع الخيط النظري الأوسع لمسألة الاستكمال الديمقراطي ؛ فالحزب لم يعد قادرًا على أن يكون المركز الوحيد لإنتاج السياسة، لكنه يظل مؤسسة لا غنى عنها لتركيب المصالح والمشاريع والتنافس على السلطة، والمجتمع المدني لا يحل محله، والنقابة لا تحل محل البرلمان ، والبرلماني لا يحل محل الحزب، أما العين الانتخابي لا ينبغي أن يحل محل آليات إنتاج القيادة؛ غير ان كل واحد من هؤلاء يحمل معرفة أو شرعية أو قدرة يحتاج إليها البناء الديمقراطي؛ ومن ثم فإن البديل عن الإلحاق ليس التفكك، بل نظام بيئي ديمقراطي قائم على استقلال الوظائف وتفاعلها:
الحزب ينتج المشروع السياسي.
المجتمع المدني ينتج المشاركة والاقتراح والرقابة.
النقابات والهيئات المهنية تنتج التمثيل الاجتماعي والقطاعي والخبرة.
البرلمان ينتج التشريع والمراقبة.
الجماعات تنتج الديمقراطية الترابية وسياسات القرب.
والانتخابات تنتج التفويض.
أما القيادة الحزبية فمهمتها تركيب هذه المعارف والشرعيات داخل مشروع سياسي، لا تحويلها جميعًا إلى موارد لبقائها.

من قيادة المجتمع إلى إنتاج القدرة الديمقراطية :
وهذا يقتضي مراجعة مفهوم «قيادة التغيير» نفسه؛ فاستراتيجية التغيير الديمقراطي لم تعد تحتاج، بالضرورة، إلى مركز سياسي تتبعه أحزمة جماهيرية، ثم ينقل منتخبوها قراراته إلى المؤسسات، ومن هنا فالأجدى هو تصور قيادة موزعة للتغيير: قوى مستقلة في وظائفها، متقاطعة في أفقها، قادرة على التنسيق دون الإلحاق، وعلى الاختلاف دون القطيعة؛ وبذلك يصبح الانتقال من العمودي إلى العرضاني جزءً من الاستكمال الديمقراطي نفسه؛ فليس حزبًا يقود مجتمعًا تابعًا، ولا مجتمعًا مدنيًا يحل محل السياسة، وإنما مجتمع سياسي ومدني ومؤسساتي متعدد المراكز، يستطيع أن ينتج إرادة مشتركة دون إلغاء تعدده.

معيار جديد لنجاح الحزب :
هنا يمكن إعادة تعريف النجاح الحزبي، فلا يكفي أن نسأل:
كم حصل الحزب من الأصوات؟ وكم فاز من المقاعد؟وكم يرأس من الجماعات؟
إذ ينبغي أن نضيف أسئلة أخرى: ماذا فعل بهذه المقاعد؟
هل جعل البرلمان أكثر قدرة على التشريع والمراقبة؟
هل جعل الجماعات أكثر مشاركة وشفافية؟
هل طور بواسطتها برنامجه ومعرفته بالمجتمع؟
هل وسعت مشاركة المنتخبين الديمقراطية داخل الحزب أم ضيقتها؟
وهل استعمل الحزب القوة الانتخابية لخدمة المشروع، أم أصبح المشروع نفسه قابلًا للتعديل لخدمة القوة الانتخابية؟
وبذلك نصل إلى السؤال الأكثر إزعاجًا وربما الأكثر إنتاجية:
بعد أن نسأل ماذا فعل الحزب بالمقاعد، ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا فعلت المقاعد بالحزب؟

استقلال الوظائف ووحدة الأفق :
وختاما ، يمكن تلخيص الإشكالية في معادلة واحدة، التأكيد على ان استراتيجية التغيير الديمقراطي لا تحتاج إلى إلغاء الحزب ولا إلى إعادة بناء المجتمع حوله، ولا إلى شيطنة المنتخبين والأعيان، ولا إلى تمجيد استقلالية لا تخضع لأي التزام ، إنها تحتاج إلى حوكمة العلاقة بين مصادر متعددة للشرعية والقوة.
استقلال المجتمع المدني والنقابي والمهني عن القرار الحزبي، مع حقه في الالتقاء معه.
استقلال وظيفي للبرلمان والجماعات، مع استمرار المسؤولية السياسية للمنتخب.
انفتاح الحزب على الكفاءات والأعيان والمنتخبين، مع منع الرأسمال الانتخابي من احتكار إنتاج القيادة.
وتعدد لمصادر المعرفة والاقتراح، مع قدرة الحزب على تركيبها في مشروع عام.
فالخطر على الحزب لا يأتي فقط من الدولة أو من ضعف المشاركة أو من العزوف؛ قد يأتي أيضًا من نجاح انتخابي لا يستطيع الحزب حوكمته ديمقراطيًا، وحينئذ يصبح المعيار الحقيقي لاستراتيجية التغيير الديمقراطي ليس عدد المواقع التي تحتلها، بل مقدار الديمقراطية التي تنتجها داخل المواقع التي تحتلها، ومقدار الديمقراطية التي تحتفظ بها داخل التنظيم وهو يحتل تلك المواقع؛ وهكذا ينتقل السؤال من:كيف يصل الحزب إلى السلطة؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف يصل إلى السلطة دون أن تعيد السلطة والمقعد وشبكات النفوذ تشكيله على صورة ما كان يريد تغييره؟
فربما يكون الاختبار الأصعب لأي مشروع ديمقراطي هو ألا يكتفي بتغيير المؤسسات التي يدخلها، بل أن يظل هو نفسه قابلًا للتغيير الديمقراطي بفعل التجربة، من دون أن يتحول نجاحه المؤسساتي إلى آلية لإعادة إنتاج ذاته.

Exit mobile version