كش بريس/خاص ـ
أوليس في لامبالاة المثقف ترك الساحة فارغة للمعربدين والفوضويين والانتهازيين؟ ما هي العراقيل التي قد تحول دون فعل ثقافي حقيقي مُخلِّق للسياسة ومهذب لها، في أفق جعلها مطية للثقافة، لا العكس؟
ما الحلول الجدرية لأزمة الثقة التي باتت تعشش في عقول الأجيال، وفي طليعتهم المثقف العربي، كمعني أول بمساءلة مشهدنا السياسي، وتشخيص علله، بغية إنقاذ المتبقي فيه من ذبالة، وكوة نور، إن وجدت أصلا؟
أعده أحمد الشيخاوي لصالح موقع كش بريس، عرف مشاركة نخبة من الأسماء ذات الحضور الوازن في المشهد الإبداعي العربي، كانت توقيعاتها كالآتي:
المثقف العربي بين عزلتي الوعي وجموح الواقع:

حسين بن قرين درمشاكي (قاص وروائي ليبي)
“إن انكفاء المثقف الحقيقي عن الاشتباك الواقعي لا يعني سوى إعلان “التقاعد القسري” للوعي.”
ليس هناك أشق على نفس المثقف العربي اليوم من الوقوف على حافة بركان يغلي، ممزقاً بين خيارين كلاهما مر؛ فعزلة العدمية أو ما يمكن تسميتها بـ “النظارة السوداء” تمثل هروباً نحو البرج العاجي وييأس مطبق من أي إصلاح سياسي، متخذة من السلبية موقفاً تظاهرياً بالتعالي. وفي المقابل، يقف جموح اليوتوبيا الثورية كرغبة جامحة وحالمة بحرق المراحل وتغيير الأنظمة والمشاهد ببيانات حماسية، مما ينتهي غالباً باصطدام عنيف مع صخرة الواقع الصلبة.
أوليس في لامبالاة المثقف ترك الساحة فارغة؟
بكل تأكيد، نعم. فعندما يُخلي النخبة مكانهم، لا تبقى الساحة خاوية، بل تملؤها طفيليات المشهد؛ كالمعربدون وهم تجار الأزمات الذين يقتاتون على إثارة الغرائز وتغييب العقول، والفوضويون وهم دعاة الهَدْم لا البناء ممن يتغذون على خراب المعنى، والانتهازيون وهم سماسرة السياسة المستعدون لبيع الأوطان في سوق النخاسة الفكري. وبهذا، يتحول غياب المثقف إلى خيانة صامتة، تمنح الشرعية للرداءة وتسمح للصوت الأجش بأن يعلو على صوت العقل والحكمة.
ولكي تصبح الثقافة هي الحاكم والمهذب للسياسة لا العكس، تصطدم مسيرة المثقف بجدران سميكة من العراقيل، يأتي في مقدمتها الاستبداد البنيوي المتمثل في سياسات التهميش الممنهج وتجفيف منابع الحريات واعتبار الفكر الحر تهديداً وجودياً لمنظومات الحكم، يليه التدجين الاقتصادي الذي يحول المثقف إلى مجرد موظف يلهث خلف لقمة العيش فترتهن قلمه وأفكاره لشروط البقاء اليومي، فضلاً عن شعبوية الإعلام الجديد وطغيان التفاهة وسطوة الخوارزميات التي تُسفه المحتوى العميق وتعظم السطحي لتجعل المثقف الحقيقي غريباً في وطنه.
ولإعادة بناء الجسور بين الجيل الجديد، والمثقف، والمشهد السياسي المأزوم، لابد من استراتيجية إنقاذ جذرية ترتكز على محاور عدة؛ أولها التواضع المعرفي الذي يتطلب النزول من الأبراج العاجية ومخاطبة الشارع بلغة تفكك همومه الحقيقية لا بطلاسم النخب لكسر حاجز العزلة واستعادة ثقة الأجيال الناشئة. وثانيها الاستقلال المؤسسي القائم على بناء مؤسسات مجتمع مدني وثقافي مستقلة تماماً عن سطوة المال السياسي والسلطة لحماية استقلالية الفكر وتوفير بيئة حاضنة للبدائل. وثالثها نقد الذات أولاً عبر شجاعة المثقف في مساءلة تاريخه ومواقفه السابقة والاعتراف بالقصور التاريخي لتطهير الوعي الجمعي من شعارات الزيف والهزيمة. ورابعها الاشتباك الذكي الذي يضمن إشراك الفكر في هندسة التفاصيل اليومية للسياسة في مجالات التعليم والصحة والاقتصاد لا الاكتفاء بالصياغات الكبرى، لجعل الثقافة مادة صلبة في تشكيل القرار وليست مجرد ديكور احتفالي.
إن “ذبالة النور” المتبقية في كوة المشهد العربي لن تنطفئ طالما وُجد عقل حر يرفض الاستسلام لظلام اليأس. فالسؤال الحقيقي اليوم ليس: هل يمكننا التغيير؟ بل: أي نوع من البشر سنكون لو لم نُحاول؟
*******
خطورة اعتزال النخبة:

سامية خليفة (كاتبة لبنانية)
يعاني المثقف العربي المعاصر من أزمة وجودية، عالقا بين مطرقة الواقع، وسندان الانسحاب.
ونحن نعايش حالة من الارتقاء والتطور المتسارع الذي يلحق بالمشهد الثقافي والأدبي، يبقى المثقف العربي المعاصر رهين تمزق نفسي وجودي وعلائقي، ناتج عن صراع محتدم، بين وضع سوداوي تجاه واقع سياسي واجتماعي مقلق، يؤثر مباشرة على مكانته نتيجة للهيمنة السائدة طبقيا وحزبيا وسلطويا، وبين رغبة جامحة في التغيير وحلم صادق بالإصلاح يراوده باستمرار، غير أن هذا الحلم يصطدم بضيق الآفاق وكثرة العراقيل الهيكلية، مما يعيق مسيرته ويحد من جذوة عطائه واندفاعه في سبيل إحداث فارق إيجابي على صعيد التطور الحضاري. فبالرغم من كل المبادئ التي يحيط نفسه بها ويتمسك بتلابيبها، وهي مبادئ قد تكلفه حريته أو استقراره وفي بعض الأحيان قد تكلفه حياته، فإنه قد يصل في لحظة فارقة إلى طريق مسدود تجعله يشعر بعدم جدوى النضال الفكري، فيتقاعس عمّا بدأ به وهو في قمة الحماس، إلى أن يصل إلى قرار قسري ترغمه عليه بيئة ملوثة فكريا وفاسدة سياسيا.
وهنا بالتحديد يكمن الخطر الداهم، إذ يتجلى في اختياره الانسحاب والانكفاء على الذات بعد محاولات شتى باءت بالفشل، متبنياً موقفاً يُخيّل إليه أنه حيادي، ليلوذ به إلى منطقة الأمان بعيداً عن أتون ذلك الصراع المستمر. يختار ترك الساحة لغيره، ظنّا منه أن المشهد لن يخلو من مثقفين آخرين قد يمتلكون أدوات أنجع أو نفوذاً أقوى، وقادرين لا محالة على تقديم ما عجز هو عن تقديمه.
إن موقف اللامبالاة والانسحاب الذي يلوذ به بعض المثقفين الأكفاء من ذوي الثقافات العالية والخبرات الممتدة، ليس مجرد موقف حيادي عابر أو عزلة شريفة كما يحلو للبعض تسميتها، بل هو في حقيقته استقالة صريحة ومباشرة من المسؤولية التاريخية والأخلاقية المناطة بالنخبة. ويترتب على هذا الفراغ الفكري تداعيات هي على قدر كبير من الخطورة، إذ يفسح المجال واسعا أمام الطارئين والانتهازيين الذين يتصدرون المشهد الثقافي والأدبي بلا رصيد معرفي حقيقي، هؤلاء يقتحمون عالم الثقافة والأدب وهم بعيدون عن ذلك العالم بعد الثرى عن الثريّا .
تتلخص جل أهداف هذه الفئات الطارئة في الهيمنة على المؤسسات والأجهزة الثقافية بغرض تسطيح الوعي الجمعي والقضاء على الفكر النقدي، وإحلال خطابات تتسم بالتبعية العمياء للجهات المتنفذة. يؤدي هذا المسار إلى التأسيس لمرحلة تُشرعن فيها الأفكار وتُوظف لأدلجة العقول وبرمجة التفكير، بهدف بناء منظومات إيديولوجية مغلقة أو تعزيز منظومات هيمنة تم بناؤها سابقا. هذه المنظومات هي التي تحدد وللأسف، معايير الخطأ والصواب تبعا لتوجهات الجهات الحاكمة، مما يعزز تسييد الرداءة وشيوع أفكار معزولة عن العقلانية والتحليل العلمي، فتتحول الحوارات الفكرية إلى مجرد مهاترات وسجالات عقيمة لا نفع منها.
وهكذا تتحول العزلة الثقافية للنخبة ، التي يُفترض بها توجيه المجتمع وإنارة طريقه، إلى خطر مباشر يقود نحو الفساد الفكري والاجتماعي، حيث تغيب العين الناقدة التي تسهر على حماية الهوية والتنوير، وتتلاشى المتابعة الواعية التي تقف حائلا أمام الدخلاء على الأدب والفن والنقد لتتسيّد المشهد شرائح تقودها المؤسسات الحزبية والجهات السياسية والقبلية العشائرية كما لو أنها روبوتات لتسيير برامجها عبر غسيل أدمغة المتلقين كما تشاء.
آليات التضييق وأزمة التمويل:
في هذا السياق، تعمد بعض المؤسسات الرسمية أو التابعة لقوى النفوذ إلى تضييق الحريات على كل صوت يقف خارج نطاق هيمنتها، فتسعى إلى زعزعة ثقته بمشروعه من خلال التهميش، الاضطهاد، الملاحقة، وفرض قوانين رقابية صارمة تقيد نشر الأفكار الحرّة. وبذلك يُغيَّب الفكر التنويري المستقل ليحل محله فكر مسيس وتابع، وتغدو السلطة السياسية هي الداعم الأوحد والرئيسي للمبدعين الذين يرتضون دعمها مقابل الترويج لما تمليه عليهم من أجندات.
إن المثقف الذي يُفترض به طرح نقده الإصلاحي بحرية وشفافية، يجد نفسه مضطرا لتبرير أسباب نقده بدلاً من إعلانه بشجاعة ودون وجل من عواقب الصراع مع السلطة. هذه السلطة تفرض وجودها عبر أدوات الرقابة والمندسين الدخلاء، ليتحول المثقف من ناقد وموجه للمجتمع إلى متهم يدافع عن نفسه، ليقدّم مبررات لواقع قائم عوضا عن تقديم برامج وحلول وأفكار تطويريّة.
من ناحية أخرى، فإن المثقف المستقل غير التابع لتلك السلطات بمختلف توجهاتها سيبقى خارج إطار المؤسسات الممولة، مما يجعله غارقا في الفقر والمدافع الأول عن استقلاليته، ولكنه تحت ضغط المتطلبات المعيشية والأزمات الاقتصادية سيعتزل دوره التنويري تدريجيا ليتفرغ لتأمين الحياة الكريمة لأسرته.
برج عاجي أم صوت للشارع؟
إلى جانب أزمة التضييق والسلطة المهيمنة، تبرز إشكالية داخلية في بنية الخطاب الثقافي نفسه. إن المثقف الحقيقي هو من يتقرب بكتاباته وخطاباته من لغة الشارع وهموم الناس، ويتفاعل مع تطلعاتهم وآلامهم اليومية. أما إذا ابتعد عن هذه القضايا وانكفأ في برج عاجي يستخدم لغة مغرقة في التجريد والشكلانية، فإنه يكون قد خرج عمليا عن دوره الأساسي. فهل لمثل هذا المثقف من دور إيجابي يُرتجى وهو الغارق في طلاسمه وفي اللامعنى المكتنف بين سطوره؟ حتما لا، لأن النص الثقافي يفقد قيمته الإنسانية متى ما انفصل عن وقائع مجتمعه.
أمام هذه التشظيات التي تعصف بالساحة الأدبية والثقافية والفنية، تبرز الحاجة الماسّة للبحث عن حلول جذرية تمنع استمرار هذه الهيمنة وتضمن نقل مشعل الوعي للأجيال القادمة.
مسارات الحل والتوصيات
لإنقاذ الفضاء الثقافي وإعادة بناء الوعي الجمعي، يمكن تحديد عدة مسارات إستراتيجية:
نشر الوعي المستقل لدى الشبيبة: ترسيخ قيمة الاستقلالية الفكرية لدى الشباب، وتعريفهم بأهمية التفكير الحر بعيدا عن التبعية المطلقة لأي سلطة أو حزب أو مؤسسة، ليكون الإصلاح الاستقلالي هو الآلية والهدف في آن واحد.
بناء فضاءات ثقافية مدنية مستقلة: تأسيس منصات ومؤسسات مدنية تعتمد على التمويل الذاتي أو المجتمعي المستقل عن التوجيه الحكومي المباشر، لتوفير بيئة حرة وآمنة للإنتاج الفكري والأدبي.
تجديد الخطاب الثقافي والنزول للشارع: تجاوز الانغلاق على التراث أو الخطابات الفوقية، والاتجاه نحو تبسيط الأفكار التنويرية، والتفاعل الإيجابي مع وسائل التواصل الحديثة للوصول إلى شرائح أوسع من المجتمع.
المراجعة التاريخية والنقد الذاتي: قيام النخبة الثقافية بمراجعة تقويمية شجاعة لمواقفها وتجاربها السابقة، بهدف تشخيص مكامن الخلل وتجاوز أخطاء التبعية والانتهازية.
بناء التحالفات المدنية: التشبيك بين الفاعلين الثقافيين ومنظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية، لخلق سند شعبي ومؤسسي يحمي الفعل الثقافي ويوفر له الحصانة الاجتماعية.
إن العثور على قبس من نور يتلألأ فيه الأمل في المشهد العربي يتطلب الانتقال الحاسم من دور المثقف المنفعل الذي يكتفي بجلد الذات وشكوى الإحباط، إلى دور المثقف الفاعل الذي يخوض معركة الوعي بصبر وتحدٍّ لا يتوقف. فالسياسة والمجتمع لن يصطلحا من تلقاء ذاتهما، بل يتشكلان تحت ضغط الثقافة الناقدة والوعي المجتمعي المتماسك. ولن يتحقق ذلك إلا بإرادة صلبة للتغيير؛ تغيير قد يتطلب وقتاً ونفساً طويلاً لتنقيح العقول مما توارثته وفرضته سياسات القمع والهيمنة.
التوجيه الحكومي المباشر من أجل توفير بيئة حرة للإنتاج الفكري.
عدم التطلع إلى الماضي بتجديد الخطاب الثقافي، فالتجديد يحتاج النزول إلى القضايا الحيوية والنزوع نحو التبسيط المنير والتفاعل مع وسائل التواصل الحديثة.
– تدريب الشبيبة على النقد الذاتي قيام النخبة الثقافية بمراجعة تاريخية لمواقفها وتجاربها السابقة لتجاوز أخطاء الانتهازية والتبعية.
بناء التحالفات المدنية بشبك الفاعلين الثقافيين مع منظمات المجتمع المدني والنقابات ليكون للثقافة سند شعبي يحميها ويمكّنها.
إن العثور على قبس من نور يتلألأ فيه الامل في المشهد السياسي العربي، يتطلب الانتقال من دور المثقف المنفعل الذي يكتفي بالإحباط والخيبة، إلى المثقف الفاعل الذي يخوض معركة الوعي بصبر وتحدّ بدون توقف. السياسة لن تتهذب من تلقاء ذاتها، بل تتشكل تحت ضغط الثقافة الناقدة والوعي المجتمعي المتماسك، ولن يتحقّق ذلك إلا بإرادة التغيير، قد يتطلب وقتا ليس بالقصير، ربما نحتاج إلى ثلاثة أجيال قادمة، ننقّح خلال تلك الفترات الزمنية العقول من شوائب ما توارثناه، وما اكتسبناه، وما فرضته علينا سياسات البلاد وسلطاتها القامعة والمهيمنة على العقول .
*******
أزمة الثقة السائدة لن تُحلّ إلاّ بالتصالح بين المثقف والسلطة

ياسر الأقرع (شاعر سوري)
بدءاً علينا أن ننظر إلى المثقف العربي بوصفه ذلك الإنسان المحكوم بالعيش في بيئة تنتمي للعالم الثالث ممزَّقاً ببن الواقع والمأمول. وإذا كان هذا شأن المثقف في العالم كله فإن الأمر دون شك يزداد قسوةً في العالم العربي. ومردُّ ذلك إلى انتماء هذا المثقف إلى دول تعمل على تجريده من أهم أسلحته (أعني الحرية) في دفاعه عن حلمه. من هنا فإن الرغبة في التغيير تبدو – في ظل غياب الحرية – ضرباً من الوهم؛ لأن التغيير يصطدم غالباً بمصالح السلطة الحاكمة ويتعارض معها، وهنا لا يجد المثقف أمامه إلا الانكفاء ومضغ الأمنيات، أو الصراع مع السلطة فيدفع ثمناً غالياً قد يكون حياته نفسها.
إن انعدام الأمل بالوصول إلى المرجوّ، والدخول في دوامة اليأس، كفيلان بأن يجعلا المثقف العربي يرى في طموحاته بمستقبل أفضل بوصفها أحلاماً عصية على التحقيق، وهذا مقتل المثقف، بل مقتل الأمة كلها.
إنَّ المثقف العربي اليوم لم يشترِ النظارة السوداء ليضعها على عينيه بإرادته، بل قدمتها السلطة السياسية ليحفظ بها حياته !
أوليس في لامبالاة المثقف ترك الساحة فارغة للمعربدين والفوضويين والانتهازيين؟
لا يمكن أن يكون المثقف الحقيقي لا مبالياً، لأن اهتمامه بواقع أمته ليس فعلاً واعياً منظماً يُتَّخذ بقرار، إن اهتمامه هذا جزء من طبيعته، وأشد ما يواجهه المثقف هو تقييد أحلامه بالوصول إلى واقع أفضل، وما زال المثقف العربي في جلساته وسهراته ينتقد حال الأمة وينشغل بهمومها ويطرح رؤيته لواقع يتمناه، ويدرك الهوة الواسعة بين الكائن وما يجب أن يكون. والمشكلة الكبرى التي يعاني منها المثقف العربي أنه لم يجد الفسحة التي يمكن لها أن تحول آراءه إلى واقع، ولم يسمح له بأن ينقل أفكاره إلى العلن، وينادي بالعمل عليها، وذلك – كما قلت – لتعارض ما لديه مع السلطة السياسية التي تقوم بمعظمها على الديكتاتورية والاستبداد، بينما تترك الساحة للمعربدين والفوضويين والانتهازيين لأنهم بقصد أو دون قصد يخدمون السلطة، بوصفهم بديلاً رديئاً للسلطة القائمة، والبديل الرديء يجعل الناس تتمسك بما هو موجود.
ما هي العراقيل التي قد تحول دون فعل ثقافي حقيقي مُخلِّق للسياسة ومهذب لها، في أفق جعلها مطية للثقافة، لا العكس؟
أول العراقيل وأهمها غياب الحرية، ولا نعني بالحرية هنا تغيير السلطة بالضرورة، بل نعنى الحرية الثقافية على الأقل، ومع الأسف حتى في هذه ترى السلطة السياسية ما يخيفها ويهز أركانها. ولكي نكون منصفين علينا ألا نبرِّئ المثقف نفسه ونصوره نبياً، فكثير من المثقفين الذين يتحدثون بمثالية يخفون وراء ألسنتهم مصالح ضيقة وطموحات شخصية ومآرب لا تتواءم مع ما ينادون به في العلن. فإذا كان الإخلاص للمبدأ أقوى أسلحة تحقيقه فإن هذا التناقض هو أشد عراقيل تحقيقه خطراً. إذا العراقيل ليست كلها من صنيع السلطة السياسية بل إنَّ منها ما يكون يشكله المثقف نفسه، وذلك حين يتضارب مع متطلباته ومصالحه.
ما الحلول الجدرية لأزمة الثقة التي باتت تعشش في عقول الأجيال، وفي طليعتهم المثقف العربي، كمعني أول بمساءلة مشهدنا السياسي، وتشخيص علله، بغية إنقاذ المتبقي فيه من ذبالة، وكوة نور، إن وجدت أصلا؟
أزمة الثقة تراكم تاريخي سببه التجارب الفاشلة للسياسة العربية وما نتج عنها من كوارث أوصلت الأمة إلى ما هي عليه اليوم. ولخلق حالة الثقة هذه، التي تحتاج أيضاً إلى تراكمية إيجابية، وهذه لا تتحقق إلا إذا منحنا المثقف العربي استقلالية يتحرر بها من القيود التي تكبل أفكاره وآراءه وتطلعاته، أي أن يكون انتماء المثقف للفكرة لا للمؤسسة الرسمية. وفتح أبواب الحوار على مصراعيها للاستفادة من اختلاف الآراء بغية الوصول للأفضل. يجب أيضاً منح المثقف العربي سلطةً فاعلة، لا أن يقتصر دوره على التنظير ومخاطبة المثقفين، ثم لا يعدو الأمر كلاماً في كلام. بل يجب أن تكون أفكاره وآراؤه موضع اهتمام رسمي ونقاش جاد يمكن أن يتمخض عنه قرارات مؤثرة، فالمثقف يمثل الشريحة الأبعد نظراً والأدق رؤية لخلق واقع سياسي أفضل. أما المثقف فعليه أن يتنزه في طروحاته عن المصالح الشخصية والانتماءات الحزبية وغيرها مما يجعل أفقه ضيقاً وأفكاره مشوهة، وأن يكون واقعياً في طروحاته، فيتدرج فيها من المتاح إلى الممكن إلى المأمول. المثقف العربي والواقع السياسي العربي كانا دائماً على طرفي نقيض، كل منهما يرى في الآخر عدواً له، أو على الأقل نداً غير نزيه، وهذا شكَّل أزمة الثقة، ولا حل سوى بالتصالح بين المثقف والسلطة، على ألا يدفع الناس ثمن هذا التصالح!!!
******
المثقف لسان حق في الأزمات الكبرى:

د.سامية غشير (قاصة وروائية جزائرية)
المثقف اليوم يعيش صراعا كبيرا في واقعه الذي يعيش فيه، ولعل الظروف غير الملائمة دفعته إلى اعتزال الوسط السياسي والثقافي.
المثقف كما أشار الكاتب والمفكر “كولن ويلسون” لا يستطيع العيش وسط الأقزام، ومعظم المثقفين انسحبوا وابتعدوا عن صناعة القرار السياسي، والمشاركة السياسية سواء في القيادة، تبوأ المناصب، أو المشاركة في الانتخابات ومختلف النشاطات، وعرض أفكارهم ورؤاهم وتصوراتهم لتغيير الواقع السّائد رغم المطالبة الشعبية لهم بولوج هذا المعترك؛ لإصلاح المجتمع، وإجلائه من حالات الفساد، الرداءة، القبح، التخلّف التي يعيش فيها.
ينظر الكثير من المثقفين إلى السّياسة/ السلطة نظرة ازدراء ودونية وتحقير واستهجان، وأغلبية من قالوا الحقيقة في بعض الأوطان العربية تعرّضوا للسجن، التعذيب، القتل، والمتابعة القضائية.
المثقف الحقيقي صوت الشّعب، يقود حملات الإصلاح والتغيير ومعالجة بعض أعطاب السلطة وفساد المنظومات المتعدّدة، وتتعدّد أدواره وصفاته وأشكال حضوره، وفي المحن الكبرى والأزمات والكوارث كان المثقف لسان الحقّ، وصوت الجماهير يرسم طريق الخير، السلام، الكرامة، والحياة… لكن في أوطاننا العربية الكثير من المثقفين اختاروا العزلة والحيادية تاركين المجال لغيرهم الأقلّ منهم مقاما ومقالا، ومكانة وقيمة، وغيرهم من الفاسدين الظّالمين غير المتعلمين، فعاثوا في الأرض فسادا، فانتشرت المظالم، والمفاسد، والآفات، والانحرافات الخطيرة.
ولكي نُؤسّس لفعل ثقافي حقيقي مخلّق للسّياسة يجعلها مُواكبة للثقافة الحقيقية يجب:
– إعطاء قيمة للمثقفين، وإيلائهم أهميّة كبيرة في المشاركة السياسية، وتقلّد مناصب ساميّة في الدولة.
– وضع شروط وقوانين وضوابط للمشاركة في الانتخابات، وتقلّد المناصب العليا في الدولة.
– أخلاقة العمل السياسي.
– ربط السياسة بالثقافة، وجعلهما يُؤدّيان وظيفة بناء المجتمع وتوعيته، وتغييره نحو الأفضل.
اليوم الفرد العربي بصفة عامة والمثقف بصفة خاصة فقد الثقة ــ إلى حدّ ما- في السلطة، وفي مشروعها، وبرامجها، وكي تُعاد الثّقة إلى الإنسان العربيّ يلزم:
– أن تهتمّ السلطة في أوطاننا العربية ببناء الفرد العربي، وتحسين نمط حياته، وتحقيق رفاهيته، ومنحه حقوقه بما يكفل له الكرامة والقيمة، والهوّية، بعيدا عن طابع الإقصاء والاستبداد والتّهميش.
– إعداد البرامج والمشاريع والخطط الهادفة في كلّ المجالات خاصّة المجالات الحيويّة.
– تنظيم لقاءات عامّة يلتقي فيها المسؤولون مع الشّعب؛ للسّماع لانشغالاتهم، ومشاكلهم، والأخذ بها على محمل الجد، والسّعي إلى تحقيق الأهمّ منها.
على المثقف الحقيقيّ قول الحقيقة، وأن يملك الجرأة في التّعبير والتّغيير دون خوف وضغوطات، وأن يجعل نفسه قائد مجتمعه، ناقلا لهمومه، راسما لمستقبله، كاشفا لزيف المنظومات السياسية، الاجتماعية، والثقافية في كلّ مكان وزمان.
*********
هل عليك التحوّل إلى محلِّل سياسي لتكون مثقفا؟

نهيد درجاني (شاعر لبناني)
مِن المثقّف والنظّارة السوداء والمشهد السياسي العربي والساحات الفارغة للمعربدين واللإنتهازيين والفوضويين، إلى العراقيل التي قد تحول دون فعل ثقافيّ حقيقي مهذِّبٍ للسياسة لا تابعاً ومطيّة لها، إلى الحلول الجذريّة لأزمة الثقة التي باتت تعشش في عقول الأجيال، إلى دعوة المثقف العربي لتشخيص العلل بغية إنقاذ المتبقي لدينا من ذبالة وكوة نور…
هذه كلها إشكاليات تحتاج لبحث وتمحيص دقيق، وأنا مجرد عاشق للشعر، ما زلت وأنا على باب السبعين من العمر أسعى لالتقاط خيطه الواهي وغير المنظور طمعاً بإضافة شيء ما من روحي على ما جاء في تاريخنا الشعري العربي،
وما أدليتُ به ليس تواضعاً ولا تهرّباً من الإجابة، بل حقاً هو ما يجول في قلبي وعقلي وبصيرتي، فأنا لم أجد تعريفاً يحدّد بدقّة من هو المثقّف وما هي الثقافة وعلى أيّ مقياس أو قاعدة نقول فلاناً مثقّفاً وفلانة مثقّفة، وأعتقد بأنّ أساس المشكلة تكمن في هذا السؤال:
هل على الإنسان أن يتحوّل إلى محلّل سياسيّ وألا يترك حدثاً سياسياً يمرّ من غير أن يدلي بدلوه فيه ليكون مثقّفاً؟
وهل على أي إنسان يعشق الفنون الجميلة على أشكالها أن يكون مثقفاً؟
أما بخصوص الشعر وهو طريقي إلى السلام مع نفسي فأقول في أحد نصوصي:
“أتعبتني أنصافُ الحروب
وأضنتني أجنحةُ الحمام
وأهلكَت نعمةَ ربي شعائرُ السلام
أجدادي متّهمون بالسطوِ على قوافل الموتى
ومتّهمون بسرقة أرطالٍ من الهواء
وأنا أحيا بين أسلاكٍ شائكةٍ لا تخرم منها فراشةٌ
ومكهربةٍ تقدح القشّةَ في ظهر البعير
هذه القرمشةُ في فمي ليست نزلةَ بردٍ عابرة
هذه كزكزةُ أسنانِ شعبٍ ينام حالماً بوطن من حبقٍ
بحبيبة من موجٍ
بعشيقة من حلوى العيد
من يُوقفُ الجدلَ في عَضَلةِ قلبي المُترهِّلة
من يستأصلُ الكريّاتِ الفاسدةَ من دمي بملاقط عانات المظلومين
من يُعطيني الحقَّ بالحياة على هامش ممنوع عليك الغضبُ
ممنوعٌ عليك الصراخ
أنا أخافُ من دون خجل
أخاف الموتَ بطلقة طائشة
وأخاف على رُشدي أن يضيعَ بين الصليات العابرة
أخاف الموتَ بين الأبنية
أخشى على الأنفاس الرّاضية المطمئنة أن ترطمَ بالجدران وإليّ تعود
أنتظرُ انقشاعَ الغبار لينتشلوا الإسمنت من فمي ومقبضَ الباب من بين ساقيّ …”
وفي مقطع آخر من هذا النص أقول:
“هل كان من الأجدى ألا أفتح كتاباً بين يديّ
وألا أعرفَ الفرق بين العصا والألفِ؟
هل كان عليَّ أنْ أجترَّ قِنّبَ القوافي من سِقْطِ اللِّوى إلى خزامى منزلي لأفتحَ أقفاصَ لغتي؟
هل كان عليَّ أن أموت هنا مقمّطاً بأكفان الأنبياء
ولم يكنْ شَعري كستناءً مشوياً كشَعر المسيح
ولا أسودَ كعمامة محمدٍ؟
هل كان عليَّ أنْ أحيا ساجداً
والأرضُ لم تعدْ مقدّسةً ما يكفي لقيامتي؟
ثمّ
ما ذنبي إذا تعالى هديرُ الشّعرِ من بين أقدام النياقِ في مضارب حسَبي؟
وما ذنبي إذا انهارت اللغاتُ أمام أرومة نسبي؟…”
شاعر لبناني

التقدم والاشتراكية يحذر من منشورات انتخابية منسوبة إليه ويدعو إلى التحقق من مصادرها
التهامي أغنيم: مفهوم الإبداعية في قصيدة “تموز جيكور” لبدر شاكر السياب
الاقتصاد المغربي يستعد لـ2027 بنمو متوقع بـ4,1% واستثمار أقوى
سيارات مخصصة لنقل المتمدرسين والأطفال في وضعية إعاقة تُسخّر للانتخابات بمراكش.. مراسلة للولاية تثير الاستغراب