(كش بريس/التحرير ) ـ أعاد الإعلان الرسمي عن التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، خلال أشغال مجلسه الوطني بمدينة سلا، فتح واحد من أكثر الأسئلة إثارة في المشهد السياسي المغربي: كيف يتحول مسؤول حكومي ظل بعيداً عن العمل الحزبي إلى أحد أبرز قيادات حزب يتأهب لخوض انتخابات تشريعية حاسمة؟ فالتوقيت، وطبيعة الموقع الذي منح له، والسياق الانتخابي الذي جاءت فيه الخطوة، كلها معطيات تجعل من هذا الالتحاق حدثاً سياسياً يتجاوز تغيير الانتماء الحزبي، ليطرح علامات استفهام حول طبيعة الأحزاب المغربية وحدود استقلال قرارها في صناعة قياداتها.
السؤال لا يتعلق بحق أي مواطن في اختيار انتمائه السياسي، فهو حق دستوري لا جدال فيه، وإنما يتعلق بطبيعة الممارسة الحزبية في المغرب، وبالدلالات التي يحملها انتقال شخصيات نافذة إلى أحزاب بعينها في توقيت انتخابي بالغ الحساسية، دون أن يسبق ذلك أي مسار نضالي أو فكري أو تنظيمي داخل هذه الهيئات.
فحزب الأصالة والمعاصرة أعلن، خلال أشغال مجلسه الوطني، التحاق فوزي لقجع رسمياً بصفوفه، بعد أسابيع من تداول هذا المعطى في الأوساط السياسية والإعلامية، كما عزز الحزب مكتبه السياسي بالوزير المكلف بالميزانية، في خطوة تؤكد أن الأمر يتجاوز مجرد الانخراط الحزبي إلى إعادة ترتيب موازين القوة داخل الحزب نفسه استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
وتفيد المعطيات المتداولة بأن الاتفاق بين قيادة الحزب ولقجع سبقته لقاءات مباشرة، انتهت إلى توافق يشمل ترشيحه في دائرة بركان ومنحه عضوية المكتب السياسي، بما يجعله أحد أبرز الوجوه التي يعول عليها الحزب في المرحلة المقبلة.
غير أن القراءة السياسية لهذا التحول تطرح إشكالات أعمق من مجرد تغيير البطاقة الحزبية. فحين يصبح الالتحاق بحزب سياسي مرتبطاً بالاستعداد لخوض الانتخابات أو بالتموقع داخل مراكز القرار، فإن ذلك يطرح سؤالاً حول وظيفة الأحزاب نفسها: هل ما تزال فضاءات لتأطير المواطنين وإنتاج النخب وصياغة البرامج، أم تحولت إلى أوعية جاهزة لاستقبال شخصيات نافذة كلما اقتضت حسابات المرحلة ذلك؟
وتستحضر هذه الواقعة تجربة رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش، الذي وجد نفسه على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار قبل أن يقوده إلى رئاسة الحكومة، في مسار اعتبره كثيرون انتقالاً سريعاً إلى قيادة حزب لم يصنعه داخل هياكله التقليدية. واليوم يتكرر المشهد، وفق منطق مشابه، مع فوزي لقجع، الذي يلتحق بحزب الأصالة والمعاصرة في نهاية الولاية الحكومية، وسط تكهنات تربط هذه الخطوة بطموحات سياسية أكبر قد تمتد إلى رئاسة الحكومة المقبلة، إذا ما أفرزت الانتخابات موازين تسمح بذلك.
وإذا كان نجاح لقجع في تدبير الملف الكروي قد أكسبه حضوراً شعبياً واسعاً، فإن هذا الرصيد لا يمكن فصله عن حصيلته الحكومية باعتباره الوزير المنتدب المكلف بالميزانية. فالسنوات الأخيرة اتسمت باستمرار ارتفاع كلفة المعيشة، وتآكل القدرة الشرائية، واتساع الشعور بالضغط الاجتماعي، وهي ملفات تظل جزءاً من المسؤولية الجماعية للحكومة التي ينتمي إليها، ولا يمكن أن تحجبها النجاحات الرياضية مهما بلغت رمزيتها.
وتعيد هذه الممارسات إحياء النقاش القديم حول ما اصطلح عليه بـ”الأحزاب الإدارية”. فالتسمية، التي ارتبطت تاريخياً بمرحلة سياسية معينة، تبدو بالنسبة إلى عدد من المتابعين أكثر حضوراً اليوم، وإن بصيغة مختلفة؛ إذ لم تعد تقوم على تدخل الدولة في صناعة الأحزاب بقدر ما تعكس أحزاباً ذات بنية تنظيمية مرنة، تستوعب شخصيات نافذة في توقيت انتخابي، وتمنحها مواقع قيادية دون المرور بمسار التدرج الحزبي أو التنافس الداخلي.
وتبدو المفارقة أكثر وضوحاً عندما تقبل أحزاب ترفع شعارات الديمقراطية الداخلية وتجديد النخب بأن يتصدر واجهتها السياسية القادمون في اللحظات الأخيرة، بينما يقضي مناضلون سنوات داخل التنظيمات الحزبية دون أن يحظوا بالمكانة نفسها. وهو ما يغذي الانطباع بأن معيار الكفاءة التنظيمية والالتزام الحزبي أصبح ثانوياً أمام اعتبارات النفوذ والرمزية والقدرة على استقطاب الأصوات.
إن التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة لا يمثل مجرد انتقال فردي بين حزبين، بل يعكس أزمة أعمق تعيشها الحياة الحزبية المغربية؛ أزمة تتعلق بضعف الوساطة السياسية، وهشاشة البناء التنظيمي، وتراجع قيمة الانتماء الفكري لصالح منطق التموقع الانتخابي.
فالأحزاب التي تسمح بأن تُختزل في بوابات للوصول إلى السلطة، بدل أن تكون مؤسسات لإنتاج الأفكار والبرامج والقيادات، تجد نفسها، مع مرور الوقت، فاقدة لروحها السياسية ولقدرتها على إقناع المواطنين. وعندها يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا التحق لقجع بـ”البام”، بل لماذا أصبحت الأحزاب نفسها مستعدة لاستقبال زعمائها من خارج تاريخها، وفي اللحظة التي تسبق الاقتراع مباشرة.

خبير اقتصادي: تعقيد المنظومة الضريبية يرهق المقاولات الصغرى ويقوض دينامية الاستثمار
د عبد العلي الودغيري: لعبة الكرة ولعبة السياسة
السياحة المغربية تواصل زخمها.. 9,4 ملايين وافد وعائدات تتجاوز 53 مليار درهم في خمسة أشهر