كش بريس/قلعة السراغنة ـ لم يترك فلاحو زمران الشرقية بإقليم قلعة السراغنة بابًا إلا طرقوه، ولا جهة محلية أو إقليمية أو جهوية إلا طرقوا أبوابها بحثًا عن جواب يعيد إلى تدبير مياه السقي شيئًا من الانضباط والإنصاف. شكايات ونداءات ومراسلات تكررت، وبعضها وصل إلى الإعلام ونشر على صفحات موقعنا، غير أن الإشكال، بدل أن يجد طريقه إلى المعالجة، يبدو أنه يعود كل مرة إلى النقطة نفسها: ماء قليل، برمجة ملتبسة، فلاح يشتكي، وإدارة تلتزم الصمت.
القضية لم تعد، بالنسبة إلى عدد من الفلاحين، مجرد خلاف حول ساعات الري أو اختلاف في برمجة دورة مائية. إنها صارت عنوانًا لسؤال أكبر حول طريقة تدبير مورد حيوي، وحول مدى فعالية أجهزة المراقبة التابعة لمصالح مكتب الحوز والمكتب المحلي المكلف بتوزيع مياه السقي، وحول مصير الشكايات التي يوجهها المتضررون إلى الجهات المسؤولة.
والأكثر إثارة للاستغراب أن هذه الشكايات لم تأتِ من فراغ، ولم تظهر دفعة واحدة. لقد تكررت الملاحظات حول برمجة حصص السقي، ومدد الاستفادة، وأعطاب قنوات التوزيع، وطريقة احتساب الاستهلاك، فيما تحدثت شكايات أخرى عن مزاعم أخطر تتعلق بتفويت ساعات من مياه السقي مقابل مبالغ مالية. وهي ادعاءات تظل، في غياب تحقيق رسمي، مجرد تصريحات لأصحابها، لكنها من النوع الذي لا يجوز إداريًا أن يواجه بالتجاهل، وإنما بالتحقق والفحص وفتح السجلات ومقارنة المعطيات الميدانية بالبرمجة الرسمية.
شكايات كثيرة.. وأجوبة غائبة
المفارقة أن الفلاح الذي يشتكي لا يطلب امتيازًا خارج النظام، وإنما يطالب بمعرفة أبسط قواعد اللعبة: متى سيصله الماء؟ كم ساعة يستفيد؟ وفق أي معيار جرى تحديد حصته؟ ومن يراقب تنفيذ البرنامج؟
لكن حين تصبح هذه الأسئلة نفسها بحاجة إلى سلسلة طويلة من المراسلات والاتصالات والشكايات، فإن الخلل لا يعود تقنيًا فقط. يصبح جزءًا من المشكلة مرتبطًا بآليات الاستقبال والتتبع والمراقبة.
فهل تصل كل الشكايات الموجهة إلى المكتب المحلي فعلًا إلى المصالح الإقليمية والجهوية؟ وهل تُجمع هذه الشكايات وتُدرس باعتبارها مؤشرات على خلل محتمل في المنظومة؟ أم أنها تظل ملفات فردية متناثرة تنتهي في الأدراج، فيما يواصل الفلاح انتظار حصته من الماء؟
إن استمرار الشكايات المتشابهة دون جواب إداري واضح يضع مكتب الحوز والمصالح المحلية المعنية أمام مسؤولية مضاعفة، ليس لأن كل شكوى تعني بالضرورة وقوع مخالفة، وإنما لأن تراكم الشكايات يفرض، على الأقل، إجراء افتحاص ميداني جدي يحدد حقيقة ما يجري.
حين تتحول ساعة السقي إلى قضية معيش
في منطقة تعتمد فيها الضيعات على انتظام دورات الري، لا يمكن النظر إلى ساعات السقي باعتبارها مجرد أرقام في جدول إداري. كل ساعة تعني أشجارًا تنتظر الماء، ومحصولًا معرضًا للتراجع، ومصاريف إنتاج تتراكم، وفلاحًا صغيرًا لا يستطيع تحمل أخطاء التدبير.
وتشير إفادات متضررين إلى أن بعض الفلاحين لم تتجاوز استفادتهم، في حالات معينة، 24 ساعة، مع مخاوف من تقليص المدة مستقبلًا إلى خمس ساعات. كما سبق لفلاحين أن تحدثوا عن مشاكل تقنية في قنوات ومواقع تفريغ المياه أدت إلى ضياع جزء من حصصهم الزمنية.
وفي إحدى الحالات التي سبق أن أثيرت، تحدث فلاح من دوار أولاد معزوز عن صعوبات حالت دون وصول المياه إلى ضيعته بالكيفية المطلوبة، واضطر، بحسب إفادته، إلى الاستعانة بأنبوب بلاستيكي لتجاوز الخلل، بينما لم تتجاوز حصته الزمنية 19 دقيقة.
قد تبدو هذه المدد مجرد أرقام بالنسبة إلى من يجلس خلف مكتب، لكنها ليست كذلك بالنسبة إلى فلاح ينتظر الماء لإنقاذ محصوله.
مزاعم بمقابل مالي.. والسكوت هنا ليس جوابًا
الأكثر خطورة في الملف ما ورد في بعض الشكايات من مزاعم حول تفويت ساعات من مياه السقي مقابل 100 درهم للساعة، وهي معطيات لا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة من دون تحقيق رسمي، لكنها في المقابل لا تحتمل أن تُدفن تحت ثقل الصمت الإداري.
فالتحقق من هذه المزاعم ليس مهمة إعلامية، وإنما مسؤولية الجهات المختصة. والسجلات موجودة، وبرامج السقي يفترض أن تكون موثقة، وساعات تشغيل الشبكة قابلة للمراجعة، وكشوفات الأداء يفترض أن تكون قابلة للتدقيق، والواقع الميداني يمكن معاينته.
لهذا فإن أبسط ما يمكن أن يفعله جهاز إداري مسؤول هو فتح تحقيق تقني وإداري مستقل، والاستماع إلى المشتكين، ومراجعة سجلات توزيع المياه، ومقارنة المبرمج بالمنجز، والتحقق من أي أداءات أو تحويلات مالية مرتبطة بساعات السقي.
أما ترك المزاعم معلقة في الهواء، فلا يخدم الفلاح ولا الإدارة ولا سمعة أي جهة تدبر هذا المورد.
أين مكتب الحوز من كل هذا؟
السؤال الأكثر إلحاحًا يتجه اليوم إلى مكتب الحوز والمصالح المحلية المكلفة بتدبير مياه السقي: ماذا فعلت هذه الجهات أمام توالي الشكايات؟
فإذا كانت المعطيات المتداولة غير دقيقة، فالمطلوب أن توضح الإدارة ذلك للرأي العام والفلاحين، وأن تقدم المعايير التي تعتمدها في توزيع المياه وبرمجة الحصص. وإذا كانت هناك اختلالات تقنية، فالمطلوب تحديدها ومعالجتها. وإذا ثبت وجود تجاوزات، فالمطلوب ترتيب المسؤوليات. أما أن تبقى الشكايات بلا جواب واضح، فذلك لا يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الشك.
والأخطر من ذلك أن غياب التواصل الإداري يترك المجال مفتوحًا أمام التأويلات، ويجعل الفلاح الصغير في مواجهة منظومة لا يعرف أين تبدأ مسؤولياتها وأين تنتهي.
الإدارة لا تُقاس بعدد المكاتب بل بسرعة الاستجابة
المشكلة في زمران الشرقية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد تبادل للاتهامات. المطلوب هو إدارة تنزل إلى الميدان.
معاينة القنوات، فحص الشبكة، مراجعة البرمجة، الاستماع إلى الفلاحين، تدقيق سجلات الاستفادة، التحقق من الأداءات، ومطابقة المعطيات الورقية مع الواقع؛ تلك هي الأدوات التي يمكن أن تنهي الجدل.
أما الاكتفاء باستقبال الشكايات ثم ترك أصحابها ينتظرون، فهو يحول الإدارة من آلية لحل النزاع إلى جزء من النزاع نفسه.
لقد طرق فلاحو زمران الشرقية أبوابًا كثيرة. بعض الشكايات وصل إلى الإعلام، وبعضها وصل إلى المسؤولين، وبعضها ظل يبحث عن طريقه بين المكتب المحلي والمصالح الإقليمية والجهوية. لكن الماء لا ينتظر دورة المراسلات، والأشجار لا تنتظر توقيعًا إداريًا، والمحاصيل لا تتوقف حتى تنتهي التحقيقات.
ولهذا فإن الكرة اليوم في ملعب المصالح المكلفة بتدبير مياه السقي ومراقبتها: إما أن تفتح الملف كما ينبغي، وتقدم أجوبة موثقة، وتحدد مكامن الخلل والمسؤوليات، أو أن يستمر الفلاحون في طرح السؤال نفسه، مع كل دورة سقي جديدة، وكل ساعة ماء ضائعة.
زمران الشرقية لا تحتاج إلى مزيد من الوعود؛ تحتاج إلى ماء يصل في وقته، وبرمجة واضحة، ومراقبة فعلية، وإدارة تسمع شكاوى الفلاحين قبل أن يتحول العطش إلى خسارة، والخسارة إلى احتجاج، والاحتجاج إلى فقدان كامل للثقة.

رحاب تتصدر بـ703 أصوات.. الكشف عن التركيبة المنتخبة لممثلي الصحافيين في مجلس
مختبر وطني جديد يضع القانون والحكامة والابتكار في قلب البحث الصحي بالمغرب
سعيد الفلاق: الإدانة في شعر عصام سامي
مراكش.. اتهامات لعون سلطة بتوجيه الناخبين والبيجيدي يلوّح باللجوء إلى القضاء