مهرجان السينما والتاريخ بمراكش: حين تتحول المدينة إلى بطل سردي

كش بريس/التحرير ـ أعلنت إدارة مهرجان السينما والتاريخ بمراكش عن تنظيم الدورة الثانية لهذه التظاهرة الثقافية والفنية أيام 21 و22 و23 و24 ماي 2026، تحت شعار “السينما والمدينة العتيقة”.

ويأتي تنظيم الدورة الثانية من المهرجان، الذي شهد إشعاعا منقطع النظير في رحلته الأولى العام الماضي، في سياق سعي متواصل إلى تعميق التفكير في العلاقة بين الصورة السينمائية والذاكرة الحضرية، وفتح أفق حوار نقدي وجمالي حول تمثلات الفضاءات التاريخية داخل السينما المغربية. ويشرف على هذه الدورة فريق يضم مصطفى غلمان رئيسًا للمهرجان، ومحمد اشويكة مديرًا فنيًا للبرمجة، ومحمد آيت لعميم مديرًا ثقافيًا.

وينطلق البرنامج بتنظيم ثلاث ورشات تكوينية لفائدة تلاميذ المؤسسات التعليمية، تمتد من يوم الخميس 21 إلى السبت 23 ماي 2026، من الساعة العاشرة صباحًا إلى الثانية عشرة زوالًا، وتشمل ورشة الإخراج السينمائي التي يؤطرها خالد المعتمد بالثانوية التأهيلية سيدي عبد الرحمان، وورشة التشخيص بتأطير محمد حمدان الحبيب بالثانوية التأهيلية ابن تومرت، وورشة السيناريو التي يؤطرها بوبكر الحيحي بالثانوية التأهيلية الزرقطوني. ويعرف يوم الخميس 21 ماي، ابتداء من الساعة الحادية عشرة صباحًا، استقبال الضيوف واستمرار الورشات، على أن يحتضن فضاء المكتبة الجامعية الرقمية بجامعة القاضي عياض حفل الافتتاح ابتداء من الساعة الخامسة والنصف مساء، ويتضمن تكريم الممثل ربيع القاطي من خلال عرض فيديو يوثق لمساره الفني وشهادة في حقه، ثم عرض فيلم الافتتاح “نوبة العشاق” للمخرج كمال الدين بنعبيد، يعقبه نقاش مفتوح بحضور بطل الفيلم ربيع القاطي ومنتجه عبد المجيد بللوتي، وتقوم بتنشيط هذه الأمسية الباحثة أمل عباسي.

ويتواصل البرنامج يوم الجمعة 22 ماي بتنظيم درس سينمائي (ماستر كلاس) في موضوع “السينما وذاكرة المدينة” يلقيه الدكتور عبد السلام بوطيب ويشرف على تأطيره وتسييره مصطفى غلمان، وذلك على الساعة العاشرة صباحًا بالمكتبة الجامعية الرقمية، تليه على الساعة الحادية عشرة والنصف جلسة “لقاء مع نجم” في موضوع “الممثل والمدينة” مع الفنان ربيع القاطي، بتأطير وتسيير محمد آيت لعميم.

وفي الفترة المسائية، وعلى الساعة الخامسة، تحتضن المكتبة الوسائطية الكدية بجليز عرض الفيلم الروائي الطويل “أفراح صغيرة” بحضور مخرجه محمد الشريف الطريبق، مع تسيير من طرف محمد اشويكة. أما يوم السبت 23 ماي، فيخصص للندوة الوطنية حول “تمثل المدينة العتيقة في السينما المغربية”، التي تنعقد ابتداء من الساعة العاشرة صباحًا بمدرج الشرقاوي إقبال بكلية اللغة العربية بمراكش، بمشاركة كل من أشرف الحساني، وعبد الصمد الگباص، والمهندسة المعمارية سعاد بلقزيز، ورشيد نعيم، ويسير أشغالها عبد اللطيف لقليدة. ثم تقديم كتاب “بجعد: التراث العمراني والمعماري للمدينة العتيقة” للمهندس عبد الغني خلدون، بقراءة وتقديم محمد صلاح بوشتلة وتنشيط محمد آيت لعميم. وفي المساء، يحتضن فضاء المكتبة الجامعية الرقمية حفل الاختتام ابتداء من الساعة الخامسة والنصف، ويتضمن كلمات المنظمين والشركاء، وتكريم الفنان محمد مفتاح من خلال عرض فيديو يوثق لمساره وشهادة يلقيها الناقد والإعلامي حسن نرايس، ثم عرض الفيلم الروائي الطويل “خيط الروح” بحضور المخرج حكيم بلعباس، إضافة إلى وصلة فنية يحييها الفنان محمد رشدي لمفرج، مع تنشيط أمل عباسي، على أن تختتم فعاليات اليوم بلقاء احتفائي فني، ابتداء من الساعة الثامنة والنصف مساء على شرف ممثلي مدينة مراكش الذين ساهموا في الأعمال السينمائية والتلفزية التاريخية الوطنية والدولية، بتنشيط وتنسيق حاتم عبد الغفور ووليد مزوار.

ويواكب هذه الدورة انشغال فكري وجمالي يتمحور حول موقع المدينة العتيقة داخل السينما المغربية، باعتبارها فضاءً مركبًا تتقاطع فيه الذاكرة بالتاريخ، والرمزي باليومي، والحميمي بالجماعي، حيث لم تعد مجرد خلفية تصويرية، بل تحولت إلى فاعل سردي يساهم في إنتاج المعنى. وينطلق النقاش من إشكالية مركزية تتساءل عن طبيعة تمثلات المدينة العتيقة: هل تُقدَّم بوصفها خزّانًا للنوستالجيا والذاكرة الجماعية، أم باعتبارها فضاءً مأزومًا يعكس التهميش والتحولات الاجتماعية؟ وإلى أي حد تسهم الصورة السينمائية في إعادة بناء هذه التمثلات داخل الوعي الجماعي؟ وفي هذا الإطار، تنفتح أرضية التفكير على جملة من المحاور، من بينها استحضار المدينة العتيقة كذاكرة حية تستعيد تفاصيل العيش اليومي عبر الأزقة والأسواق والبيوت، ودراسة العلاقة بين الجمالية البصرية والوظيفة السردية للفضاء المعماري التقليدي، حيث يتحول من عنصر زخرفي إلى مكوّن بنيوي في تشكيل الحكاية، إضافة إلى تحليل تمثلات المدينة كفضاء للتوترات الاجتماعية التي تعكس تناقضات الأصالة والحداثة، والانغلاق والانفتاح، ورصد التحولات التي تعرفها المدن العتيقة في ظل التحديث والسياحة والهجرة، بما يطرح سؤال الهوية في سياق العولمة، فضلًا عن مساءلة التمثيل السينمائي بين الواقعية والتخييل، وما إذا كان يعيد إنتاج صور نمطية أو يقترح رؤى نقدية بديلة. ويهدف هذا النقاش إلى إعادة التفكير في العلاقة بين السينما والذاكرة الحضرية، واستكشاف دور الصورة في تشكيل وعينا بالمدينة، وتعزيز الحوار بين المبدعين والباحثين حول سبل تقديم صورة متوازنة للتراث العمراني. وفي أفق هذا التوجه، تبرز المدينة العتيقة في السينما المغربية كنص بصري مفتوح على القراءة والتأويل، يعكس تحولات المجتمع وأسئلته العميقة، ويؤكد أن الاشتغال عليها لا ينحصر في حفظ الماضي، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الحاضر واستشراف المستقبل ضمن دينامية ثقافية وجمالية متجددة.

Exit mobile version