على طريق الصلاح يُسْتَجْدى الفلاح، وقفتْ أمام البحر وسرحت يديها في اتجاه الضفة الأخرى وكأنها تحاول معانقة أحلامها البعيدة، كانت تترنح ملتفتة ذات اليمين وذات اليسار محترسة تائهة، أثارني وضعها فركبني فضول متابعتها. أعطت بظهرها إلى البحر، انتصبت نظراتها ساهمة حارقة تُطْفِئُ شعاعَها عبراتٌ تسيح على شواطئ وجنتيها الشاحبتين، دمدمت كلمات مبهمة علها دعاء أو سخط أو صفح أو شيء آخر، ذكرني هذا المشهد المهيب بقولة طارق بن زياد: أيها الناس، أين المفر، البحر من ورائكم والعدو أمامكم وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. وجدتني أنهل من رصيد ما في حوزتي من معين علم السيميائيات، تأملت هذه اللوحة وحاولت سبر العلامات غير اللغوية على أمل مقاربة كنه الدلالة، أمعنت الملاحظة وملأت جعبة رأسي بمجموعة من الفرضيات المعلقة، لم تكن المرأة تتزحزح عن مكانها، قدماها الحافيتان مغروستان في عمق الرمال التي بللها مد اليم، هامتها متصلبة كجبل شاهق، ممشوقة القد، مستقيمة القامة، تمخر نظراتها الثاقبة أنفاسَ الأمواج المتكسرة على ضفاف رجليها النحيلتين، كانت النوارس تحوم حولها مستلقية فوق بساط الفضاء المفتوح على مدى كل الاتجاهات، بعيدا عن الحواجز المادية والمعنوية، وكأنها حارس أمين يحصن البحر ويحميه، لم تكن الشابة تكترث لذاك السرب من الطيور؛ فقد كانت تسبح في عالمها الخاص كمتصوف زاهد عازف عن الحياة، تساءلت هل هي أيضا كما تهيأ لي عازفة عن الحياة أم هي الحياة عازفة عنها، وما هي إلادقائق معدودة حتى انقلبت أوضاع البحر من الهدوء إلى الهيجان لتسحب الأمواج العاتية جثة المرأة وتلقي بها في عباب البحر. ولأفلت بجلدتي، و أنجو من تلك الكارثة أخذت أركض وأركض وأركض محتاطا، مبتعدا، ملتفتا، وفي نفس الآن مراقبا المشهد المباغث والخوف يركبني والجزع يبعثرني، لم أستوعب ذاك الحدث الرهيب، وما كان مني إلا أن أهرول هاربا، أجري بل أكر كالجواد الجامح، يلفحني لهيب الرمال المتقدة على مرجل شمس الظهيرة، تتعثر قدماي فأسقط ككومة حطب هشمتها النيران المشتعلة، أستجمع قوتي وأنفاسي تغترف أكسجين الصمود؛ لأنهض مندفعا تتقادفني تموجات الرمال المترامية التي كانت تغمر أطرافي المتلاشية، ظللت على تلك الحال إلى أن رمقت عيناي كيسا أسود اللون وحذاء جلديا بنيا فوق حصيرة شاطئ مخططة بلونين متناقضين أحدهما أسود يعبر عن السوداوية و الآخر أبيض يرمز إلى السلام ، توقفت حملت الكيس وتركت الحذاء، التفت إلى الوراء، لاحظت أن البحر قد استعاد هدوءه، وما كان مني إلا أن أستعيد أنا أيضا اطمئناني، هكذا حولت وجهتي إلى البحر، وتابعت الركض إلى أن غطست رجلاي في المياه الباردة الممتدة على حافة البحر، سرحت بصري عل جثة المرأة التي ابتلعها الموج الجائر تظهر لي، غير أن أملي الملح مني بالخيبة، وضاع بين مسافات الانتظار، كفكفت دموعي وعدت وقد ملأني اليأس وابتلعني الحزن، خطر لي أن أفتح الكيس وأكشف ما بداخله، أول ما ظهر لي ظرف مستطيل الشكل أبيض اللون، فتحته على وجه الاستعجال، التهمت سطوره ليتضاعف حزني، إنها رسالة مفتوحة إلى كل من انفصل عن زوجته وخولت له نفسه حرمانها وأطفالها من سقف يحميهما من التشرد وقساوة العيش، تابعت القراءة، ومرارة عبارات البوح تدمي كياني، كتبت المرأة:
من الحب والود للحقد والبغض
من العز للحكرة
من العشرة للقهرة
من الإخلاص للغدر والفلاس
من الستر للتشرد والهلاك
صبرت وطال صبري
جريت وجاريت
حالتي ما هي حالة
الوقت ما رحمني والقانون مانصفني صبرت وصابرت وبالمكتوب سلمت واليوم تقاضى صبر ي . هذه رسالة مفتوحة على مصراعيها، إنها صرخة حارقة في وجه كل من سولت له نفسه سحق القيم ومؤازرة السادية عدوة الإنسانية.
طويت الرسالة وأمسكت بالبطاقة الوطنية لأكشف هوية المرأة فصعقت وشربت من كأس التدمر مرارة سممت مشاعري، لم تكن المرأة إلا ابنة عمي، ندبت حالي ولمت شخصي، فكيف لي لم أتعرف عليها منذ الوهلة الأولى، إنه الزمن القاسي غير ملامحها، فالسيدة كما كنت أعرفها كانت فائقة الجمال، وفيما أذكر إنها كانت على علاقة بأحد أصدقائي الذي كان موجزا، وكان يبحث عن عمل في الوقت الذي طلبها للزواج صديق لأبيها، وماكا ن من الفتاة إلا أن تخضع للطلب مكرهة، علما أنها لم تكن تبلغ من العمر إلا أربعة عشر عاما، كانت تدرس بالسنة الأولى ثانوي وكانت شعلة في الدراسة.
كانت هذه هي الصفعة الأولى التي تجرعتها هذه الضخية لتلج خندقا من أرخبيل المشاكل الناجمة عن عدم التوافق سنا ومستوى دراسيا مع شريكها الذي غصب حياتها ودمرها، عانت ما عانته المسكينة من قهر وقساوة؛حيث مارس عليها ذاك الزوج السكير العربيد كل أشكال العنف لينتهي بها المطاف إلى الطلاق ويقدف بها إلى الشارع لتعيش وأطفالها أرذل عيشة، فلإنقاد وضعها اشتغلت في مجموعة من المجالات مساعدة في البيوت، طيابة في الحمامات نادلة في المقاهي… غير أن الزمن غلبها كما جاء في رسالتها، وهكذا كانت نهايتها المأساوية.
أدركت حينها أن المرأة بالفعل كانت مغلوبة على أمرها وصدق حدسي لما استحضرت قولة طارق بن زياد، فالسيدة كانت محاصرة بين خيارين صعبين حسمتهما أمواج البحر العاتية التي ابتلعتها. ترددت كثيرا ماعساني فعله، أخذت صورة للرسالة ورميتها تحت الماء لتمحوحروفها الحارقة ملوحة البحر، وذهبت بالرسالة الأصلية والكيس إلى أصحاب الشأن لأروي لهم الحكاية، فعسى الحكاية تكون مفتاح بداية منصفة .

من الصناعة التقليدية إلى محطة وقود.. كيف تغيّر مشروع ملكي بتسلطانت؟
حراك “جيل زد” يفضح أعطاب العدالة والوساطة السياسية
فاتح يونيو 2026 آخر أجل.. المديرية العامة للضرائب تعبّئ مختلف القطاعات