
توطئة:
(دكّة وْ برْكَة) تجربة أخرى في مسار الشاعرة الزجّالة (سناء مطر) الفنيّ، إضافةً إلى ديوانِها الزجلي الأوّل (فيهْ اللِّي فِينا).
تعلنُ سناء مطر بكل الهمسِ الممكن أنّها زجّالة لا تكرّرُ ذاتَها في الصّوغِ اللّهْجيِّ و لا تنسخُ أو تتشابه في الإبداع، بقدر ما هي مهووسة بالتجديد في الحساسية الفنية الزجلية المغربية الّتي نعتبرُها مسيرة فنيةً غير مفروشة بالورود، بقدر ما هي مسيرة فنية مبطّنة بالعراقيل و المطبّات و الصِّعاب… وأبرزُها اعتبارُ الكثيرين من عشّاق هذا الفنّ أن الزجل حائطٌ قصيرٌ يمكنُ لكلّ من هبّ و دبّ أن ينطّ فوقه، ما دام مجالًا يصاغُ بالدارِجة. و هذا في نظرنا النّقدي المتواضع هو العطبُ ذاتُه و الخطلُ في التقدير و التصوّر…
في (دكّة وْ برْكَة) ترسم الشاعرة عالَمها الفني بفرشاةٍ ذكية تقدم لنا لوحةً جمالية لطقسٍ تقليديٍّ نازِحٍ من عمق الوجدان الشعبي المغربي. هو طقس الشاي بحمولته الاجتماعية و النفسية و الرمزية. و كأن الشاعرة وهي ترصد معالم هذا الطقس الاجتماعي تتحول إلى عينٍ أنتربولوجية ترصد بفنيةٍ دقيقة العلاقة بين البداهة والألفة و بين الإدهاش و الاستثناء في هذا الطقس (جلسة الشاي) بكل الحمولات القيمية الممكنة.
اخترنا في هذا المقام أن نقدّم الديوان في مسلكيْن واحدٌ هو الشهادة من نصوص الشاعرة، و ثانٍ هو التأويل الممكن و المشروط من جانِبِنا في غير شططٍ و في غير لَيٍّ لأعناق المتون الزجلية.
- – تأويل العتبة:
الدكة في اللغة العربية هي المقعد أو الجلسة. نقول مثلا دكّة الاحتياط في مباراة كرة القدم، و نقصد بها المكان الخاص باللاعبين الاحتياطيين. ومن هذه الإشارة اللسانية انزاح القول إلى التعبير عن جلسة الشاي، فتحولّت الدكة من المكان إلى السائل في إطارِ ارْتحال المعنى من حقل دلالي إلى حقل دلالي آخر. كما ارتحل المعنى من اللغة العربية الفصحى إلى اللهجة الشعبية فدلّ ملفوظ الدكّة لا على المشروب السائل، الشاي (أتايْ)، فحسب بل دلّ أيضًا على طقوس تناول الشاي.
و جاءتِ المُجاوَرة العاطفة – من العطف النحوي- لتؤكّد هذا المنحى في القراءة، ونقصد بذلك ملفوط (البرْكة). فلا (برْكة) تحلو أو تُسْتساغُ بغير (دكّة). ومن ثمّة دخلت العبارة في نسق فونولوجي توسّل تكرار صوت (الكاف) مرّتيْن: مرة مشدّدًا و مرة مُرْسلًا، و كأنّ الجلسة المتوتّرة لا تسترخي أو تنسابُ إلا بحضور (الشاي).
إنّ اختيار الزجالة (سناء مطر) عتبة العنوانِ في هذا الصّوغِ اللهجي بالذّات لا يُحيل على محطّة سيميائية تنفتح على طقوس تناول الشاي داخل جماعة مهما صغرتْ أو كبرتْ، فحسبُ، بقدر ما يُحيل على تاريخٍ شعبيٍّ متجذّرٍ في العتاقة، كما هو متجذّرٌ في الوجدان الجمعي المغربي. و من هنا ندرك عمقَ اختيار الزجالة (س.م) لثنائية الدكّة و البرْكة في نسق لِساني علاماتِي مشحونٍ بالأداء الصوتي الشعبي الموجّه للدلالة، و الّذي تعلو درجة انبثاقه و تمثّله عند متلقٍّ مغربيٍّ أضعافَ ما يكون عند متلقٍّ عربيّ.
- – تأويل البسملة:
و كما لا تحلو (البرْكة) إلا بحضور طقس الشاي (الدكّة) فهي لا تستقيم أيضًا إلا باستجداءِ السماء أن تبارك هذا المقام. من هنا تأتي البسملة لا كعادة قولية قالها الأجدادُ في مستهل أي عمل و كررها الأنباءُ و لهجَ بها الأحفاد والأجيال التابعة و اللاحقة… بقدر ما هي صكّ أمانٍ يحفظ المجلس من كل سوء و شرّ ونائبة. سواء تعلّق الأمر بما هو مرئي أو بما هو غيبي… قالت الشاعرة:
(بسم الله بْديتْ و عْلى نبينا صلّيت)
و هذه المباركة المرجوةُ لطقس الشاي أو للجلسة لا تستقيمُ إلا باستحضار النبوةِ باعتبارها جزءًا لا يتجزّأ من هذا السّمت اللّدني و العُلْوي المبارك. و باعتبارها مفتاحَ توفيقٍ و سدادٍ لأمورِ هذه الجلسة سواءٌ تعلّق الأمر باحتساء كؤوس الشاي لأجل الشايِ، أو تعلّق الأمر باحتسائها لعقدِ أمر جلَلٍ و عظيمٍ و وازن كعقد القرانِ أو لإبرام صفقة مهما كان نوعها أو لأي شأنٍ اجتماعي مهما صغر حجمه أو كبر… هكذا نفهم سياق البسملة و حضورها المركزي في افتتاح مراسيم (الدكة)، تيمُّنًا بها و استجلابًا لخيرها و درءًا لما يمكن أن يكون سلْبًا وسوءًا يمس الجالسين في قلب (الدكّة). عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (كُلُّ كَلَامٍ أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللهِ فَهُوَ أَبْتَرُ – أَوْ قَالَ: أَقْطَعُ -) 1
- – تأويلُ الْمَعِية:
لا يمكن للشاعرة و هي تسطّرُ هذه المقامات إلا أن تلتفت إلى مقامٍ آخر، ونراهُ مركزِيًّا جدًّا. و يتعلق الأمر باستحضار الطرف الآخر الموسوم بالغيرية في مقابل الذات. قالت:
(أصل حْكايتي منك وعليك بْدات
إيهْ يا اللّي تقرا هاد لكلام ليك بالدّاتْ)
في البدءِ كان الآخر، و في الختم كان الآخر و يكون و يستمر في الكينونة، لا بحضورها في شقّها الفيزيائي المرتبط بالكتلة و الجسدانية، و لكن بحضورها في شقّها التواصلي (منّكْ و عْلِيكْ و لِيكْ). و كأن لسان حال الشاعرة يقول: أنت أيها الجليسُ تمثّل بؤرة هذه الدكّة و بدايتها و ختامها ولا معنى لها إلا إذا كنتَ أنت التتويج الطيبَ لها. و كأن الشاعرة أيضًا تبرّزُ قيمة الاجتماع في ضربٍ حريريٍّ لقيم العزلة و الانفصال و الذاتية المقيتة، و العيش في الجزر النائية رغم اختلاط الناس في الفضاءات الممكنة، و هو اختلاطٌ قشوريٌّ بدنِيٌّ يستبطن تنافرًا وانعزالا غَريبيْن أشدّ الغرابة. و (الدكّةُ) طقسٌ من طقوسٍ شتّى يحوّل هذه المعية من عزلتِها المَرَضِية إلى استوائها الاجتماعي النازِحِ من ثقافة شعبية تدعونا منذ نعومة أظفارِنا إلى التواصل الطيب و التلقائي والكريم.
و على الرغم من أن الشاعرة أطّرتْ هذه المعية بعنصر المرسل إليه وهو القارئُ (يا اللّي تقْرا هاد لكْلامْ) إلّا أن مسار الدلالات النازح من مقاربة توجّهات الديوان في كلّه و جلّه يعزّز مقام الآخر كاجتماعٍ في أفق تواصليٍّ أوسعَ من تعزيز شرنقة القارئ وحده لهذا المتن. القارئُ هنا ليس عينًا متتبِّعة لسطورهذه الإضمامة الزجلية التي بين أيدينا، إنه القارئ لطقس الدكّة في عمقِها الإنساني الواعد بتناسل مجموعة من القيم الإيجابية التي تنظم العلاقات الاجتماعية وتُلْحِمُها و تؤكّدها و تحرصُ عليها حتّى تستكمل دورَتها الإنسانية داخل فضاءات الناس على اختلاف أنماطِها وتعدد أشكالها.
- – تأويل البشاشة:
أدبياتُ (دكّة و برْكة) أو جلسة الشاي أدبيات تبدو لذي نظر قاصرٍ أمرًا لا وزن له، فيما الأمر عكس ذلك تمامًا. فلا معنى للبرْكة و الداعي إليها عابس الوجه، ومكفهّر المحيّا و متجهّمُ الطلعة. لابدّ من رسم الابتسامة كمدخل لانسياب الجلسة\البرْكة، أو الطقس انسيابًا كاملًا يجلبُ معه كلّ الارتياح والاطمئنان. قالت الشاعرة:
(وبْديك التبسيمة اللّي رسمتي
عشقتها وبيها لمْعاني تسرسْبَاتْ
وعْلى ودّكْ نقشتْ حريفات
نرحب بِيك قبل ما نبدا البركة و الدكّات…)
إنها دعوةٌ زجليةٌ لنشر ثقافةِ الابتسامة في وعيٍ من الزجالة (س.م) أن هذه الحركة البسيطة المرسومة على تقاسيم الوجه يمكن أن تفتح مغاليق العلاقات وتحوّلها من حالات التوتّر إلى حالات الانبساط كبداية لتأسيس مشروع مجتمعي تواصلي كبير. مبدؤه ابتسامة و منتهاه حياة حافلة بالصدق و الشفافية و الوضوح و الوعد بالعطاء اللامشروط. و ليس هذا غريبًا عن ثقافة شعبية تنهل الشاعرةُ من معينِها و تقتبس من مشكاتها… وهما معًا أي الشاعرة والثقافةُ تقتبسان من مشكاةٍ واحدةٍ أصلٍ هي مشكاةُ الوحيِ النورانيّ. قال تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر) 2
و الابتسامة في عرفِ هذا الديوان مدخلٌ إلى فتح بوّابات الإشراق السابغِ أنوارَهُ لا على الجلسة أو على الطقس أو على الكائنات المجتمعة فيه فحسب، و بل وأساسًا هو إشراقٌ يتجاوزُ وظيفةَ التسجيل لمظهرٍ من مظاهر ثقافتنا الشعبية إلى إطلاقِ هذا المظهر كفلسفة ترحبُ بالحياة في أبسط صورها، وهي الابتسامة التي يتصدّقُ بها الدّاعي إلى الدكّة على نفسِهِ ثمّ على المدعوين بأثرٍ نبويّ استطاعتِ الشاعرةُ أن تقرأهُ في بعدهِ الحضاري قبل أن تسيّجَهُ في بعده الشعبي المحلّي. عـن أبي ذر ـ رضي الله عنه قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (تَبَسُّمُك في وَجْه أَخِيك صدقة)3
- – تأويل المعجم:
مارستِ الزجالةُ (س.م) لعبة الانزياح بترحيل المفردة اللهجية من حقل ماديٍّ إلى حقلٍ دلالي، فأغنتْ بذلك مجال البيانِ في ديوانها. و نقصد بذلك ترحيل المعجم من حقل الدكّة و البرْكة إلى حقل القيم. و بالتالي تمّ التحويل في شتّى الطقوس:
– (الدكّة) أصبحتْ هي الديوان الزجلي
– (تشحارْ) البرّادْ هو تلهيب النظرة و إشعالُها
– رغوة الكأس (الكشكوشة) هي حصول الفهم لفن القول
و هكذا… في أمثلة وافرة تحول المجلس من طقوسية شعبية لها حضورها الوجداني إلى طقوسية فلسفية بحضورها التأويلي الفاتح لبوّابات الدلالة على مصراعيْها.
وتصبح الدكّة مجالا خصبًا لاجتناء لذائذ التواصل الإيجابي، حيث جمالُ اللمّة، وجلالُ الجلسة التي لا تسمحُ لمنعدمِ الأمان، أو الذي في نفسه خبث أو ما شابه ذلك، أن يكون طرفًا فيها، و حيثُ تتحول الدكّة إلى زهْوٍ دافئٍ و إلى دفءٍ زاهٍ، و حيثُ ينتقل أثر الحرارة من ماء البرّاد و جمرِ الموقد إلى حرارة اللمّة والنظرة (الشّوفة) في محيّا الجلساء، و حيثُ تصيرُ الجلسةُ مجالًا للانتشاء برغبةِ الحديث والحوار و تبادل الخبرات و الأفكار و أشكال المرح (التقشاب) و ألوانه… وبمعنى أوسع في الدلالة، تصبح الدكّةُ فضاءً مفتوحًا على المعرفة.
- – تأويل الخطاب:
و إذا استحضرنا هنا مقولة الخطاب فإننا نستحضرها في بعدها التداولي فقط، ولا نزجّ بالقارئِ في متاهات المفهوم الواسع للخطاب. ونقتصر فيه و منه على ما يهم المرسل (الشاعرة) و المرسل إليه (المتلقي) و الرسالة ( مجموع القيم التي تُكرّسُها هذه المتونُ اللّهْجية الموسومة في عُرفِ الساحة الثقافية بالزّجل)…
ويكون تجميعُنا لهذه القيم تمثيلًا لا حصرا لأننا نخوض في مقدمةٍ للكتاب نفتح فيها شهية القراءة لكلّ قارئٍ مرّ من هنا، و لا نخوض في مقاربةٍ للكتاب الموسوم بين أيدينا بـ(دكّة و برْكة) للزجّالة القابعة في تواضع المبدعات بخطوٍ حثيثٍ و لكنّه ثابت و تصاعدي… (سناء مطر).
و من بين هذه القيم نذكر:
– قيمة التواصل الإنساني: قد يبحث في هذا المبحث عالمُ اجتماعٍ أو عالمُ نفسٍ أوناقدٌ أو متخصصٌ في المجال و يقدّم للقارئ ما ضلّ عنه و ما جهل، أو ما خفيَ و عزّ… و يتعلم منه ما شاء على سبيل التنظير و النظر. لكن أن تتقدّم زجّالةٌ متّشِحةٌ في عباءةِ إبداعها اللّهجي و تطرح هذا البعد في مكامن استعاراتها وانزياحاتها و تعابيرها المباشرة و غير المباشرة فهذ ما يشكّل تحدّيًّا عامرًا بإدهاش الإبداع في لحظة إشراقٍ لا تؤسسها نيةُ التنظير أو البحث العلمي بقدر ما تؤسّسها رغبة زئبقيةٌ في تقاسم حصاد اللغة\اللهجة في حقول الزجل. و من قلب (الدكّة و البرْكة) تتناسل معاني هذه القيم الإنسانية وتتوالد راسمةً أفقًا مشحونًا بالاعتراف بالآخر في شقّه الإيجابي الواعد بالتلاقح والانسجام والتناغم. قالت الشاعرة:
خلّي العشرة تطْوال
وزِيد قْراني مَزال
ويلا عِيتي تجْوال
حُطْني ومرات عْليا سالْ
لا تْكون بْعيد وقاسي
هكذا تعلن الشاعرة أن طقوس (الدكّة و البرْكة) لا تقف عند حدود التناول المادّيّ لكؤوس الشاي وتبادل المحاورة فحسب، بل إن (الدكّة والبرْكة) تمثيلٌ فعليٌّ لطقسٍ أكبر هو معانقة الإنسانية في أنبل صورها ألا وهي صورة التواصل بدل التنافر (لا تْكونْ بْعيدْ و قاسِي)…
– قيمة الحوار: طقس (الدكّة و البرْكة) لا يقف عند حدود الحيّز المكاني الذي يضمّ مجموعة من الأطراف اجتمعوا لاحتساء كؤوس الشاي لذاتِ هذه الكؤوس، في تفاعلٍ برْناسيِّ يؤمن بالشيء لذاته لا لوظيفته أو لتداعياته أو أبعاده الممكنة، بقدر ما الطقسُ فضاء متمرّدٌ على الحيز إلى تشكيل ثقافة الحوار في بعدِها القيمي العامر بالخير و الحق و الجمال. و لننظر إلى دعوة الشاعرة القارئ للارتقاء إلى هذا المقام. قالت:
شحّرْ الدكّة
نقرقبو النابْ
وخرّجْ للخاطر السّلْكة
وحُلْ للضحكة البابْ
خلّي الهمْ ف الرْكان يتكّا
و ڭـلّعْ للتغُوبِيشة النابْ
جيني مبشورْ وسط البرْكة
وعْلى التبسيمة هزْ لحجابْ
…
إنّ الحوارَ هنا جزءٌ من منظومة شعبية صنعها الوجدان الشعبي المغربي في الثقافة الشفهية، و خلّدتْها الأجيالُ تباعًا. و تأتي الشاعرة (س.م) لتمارس حقّها في نقل هذا الجمال عبر ديوانِها الّذي نحن بصدد تقديمه. و فيه تكرّس ثقافة الحوار الّذي يكون نتيجةً حتْمِية لحرارة اللقاء و صدق اللقاء (شَحّرْ) لاستقبال قرار يأتي انسيابيًا و تلقائيًّا لا مصطنعًا و قسرا، ( نقرقبو النّاب). و في مفردة (التقرقيبْ) دلالة تقوم على الإعلان البلاغيِّ عن شفافية هذا الحوار، فهو ليس حوارًا ثنائيًّا وصامتًا و الّذي قد قد يكونُ نميمة أوغيبة أو أمرا مشتركًا خاصًّا تنتفع به الذاتانِ المتحاورتانِ فقط في عزلةٍ عن الأنام… إنه حوار مسموع (نقرقبُو) وواضح، وتحت شمس الظهيرة. إنه حوارٌ مفتوحٌ تشارك فيه كل أطراف الدكّة والبرْكة بغير استثناء حتى و لو كا الأمر يتعلّق بالصغار في جلسة هذا الطقس. إنه حوارٌ للجماعة، تصنعه الجماعة بتلقائية و عفوية بانية من حيث لا تشعر لمجموعة من القيم الاجتماعية التي تؤسسها الخبرة و الحكمة والتاريخ…
و على الرغم من أنّ هذا الحوار غير مؤسّسي أو مهيكل و لكنه مع ذلك يمثّل ثقافةً نوعية لجماعة معيّنة تتحاور فيما بينها على أساس الترفيه و الدردشة و(تقرقيب الناب) وتزجية الوقت… و مع ذلك فقد يخرج من هذا الحوار الشعبي على بساطته بعض الحكمة أو بعض الخبرة أو بعض المعرفة. و من ثمّة لا يعدم أن يكون حوارًا جالبًا للخير. إنه في حدّ ذاته قيمةٌ إيجابية في أي عباءةٍ خرج.
و ألذّ ثمراته أنه حوارٌ مجلبةٌ للضحكة و الابتسامة و المرح و الحبور… لأنّ طقس الدكّة و البرْكة يمنع عكس ذلك، و لا يستقيم له مقام في حضور العبوس والتجهم و غيرهما مما يسم المجلس بالقسوة بدل الانسيابية والارتياح و البهجة. (و ڭـلّعْ للتغُوبِيشة النابْ – جيني مبشورْ وسط البرْكة – وعْلى التبسيمة هزْ لحجابْ)…
- – تأويل الهوية:
تمتطي الشاعرة صهوة هذه (الدكّة و البرْكة) لتمرّر خطابها الهوياتي في غير قصد، إن هي إلا اعتباطية الصوغِ الزجلي تنفتح على مجموعة من القضايا، ومنها قضية الهوية. إلّا أن حضورها هنا لا يكون من باب التشريح النقدي أو البحث العلمي عن مفهوم هذه الهوية و شروط تجليها بقدر ما الأمر متعلّقٌ بتأويلنا نحن بعضَ العلامات اللسنية الحاضرة في الديوان وتفسيرها في اتجاه استخلاص بعض الدلالات منها و العالقة في سديم الهوية.
و مثالُ ذلك حديث الشاعرة عن طقس الشاي المستدعي لطقوس التبوريدة، في باب (دكة وبركة الموسم). و فيه تجلّتْ الهوية من خلال مجموعة من الطقوس الشعبية و التقليدية النازحة من معانقة غابرِ الوجدان المغربي في عمقه التاريخي المتجذّر. وهي طقوس رغم بساطتها، إلا أنها تمكر بالعرضِ الزجلي و تحوّله من دوائر الاستمتاع إلى آفاق الاعتبار من خلال هذه العناصر التي تبدو فولكلورية لذي نظرٍ قاصر، فيما هي تعبير فنّيٌّ عن الهوية أو بعضٍ من هذه الهوية.
الشاي في طقسه البسيط يستدعي طقسًا أكبر هو التبوريدة بكلّ عناصرها المشوِّقة و منها (البّارْدِية – العلّامْ – لخْيامْ – لفْراجة – ريحةْ الْبارودْ …) ويستدعي أيضًا طقسًا آخر يتعلق بالفن الشعبي (الشّيخاتْ – الحنّة – القفطان…)
- – تأويل الذات:
ينطوي الديوان على مجموعة من الزجليات التي ساقَها طقسُ الشاي (دكّة وبرْكة) إلى شجنِ الحديث عن الذات في تجلّياتِها القيمية الإيجابية داخل تنوّعٍ عاطفيٍّ يغْرِفُ من غورِ الوجدان و يؤرِّخُ لانتصارِهذه الذّات على نقيضِ المحبّة.
من ذلك نذكر:
- طقس الشاي سياق حيوي لتكريس قيم العشق العميقة و الصادقة و الذّاهبة في حديث التواصل مذهب النّسغِ في الشجر. قالت الشاعرة (دڭات الشوفة على المحبوب ملهوفة الخاطر بغى ولحديتو صغى وتمنى ما يتسالى داك اللغى الجوارح مكبلة والدواخل مخبلة بديك الشفار لمسبلة والشوفة لمعسلة تفيق الراڭـد…). ذاك أن جلسة الشاي (الدّكّة و الْبرْكَة) لم تعد مناسبة للاجتماع التقليدي الحاصل بين أطراف الجماعة الراغبة في الاستراحة أو الاستجمام أو الحوار أو التناصح أو التشاور أو ما شابه ذلك، بقدر ما أصبحت فرصة للاعتراف للمحبوب بما يختزنه الوجدان من مشاعر قوية يؤجّجُها طقسُ الشاي و يزيد في توهّجها، و يفتح لها مجالًا مناسبًا لترجمة ما سكتَ عنه العاشق و المعشوق دهرًا أو بعض الدّهر…
- طقس الشاي سياقٌ للفضفضة و فضحِ ما تكنّه الذاتُ العاشقة من أجيجِ الحب و الصبوة في صمت غير مفسّر. قالت الشاعرة ( نفتح الفم حتى يبانو السنان نفاجي على الخاطر الفڭـعان ودان فمي مترعة تحوص على الضحكة فين مزلعة نتمخشش على كل من حياتو دموع ونواح وف دواخلو نعشش…). و هو الطقس الكاشف عن قيمةٍ وجدانية ثانية هي البحث عن صورٍ شبيهة لمعاناة الذات كي تجد فيها بعض العزاء. (نتمخشش على كل من حياتو دموع ونواح وف دواخلو نعشش) حيثُ يتحوّل الآخر العاشق في معاناة إلى مُعادلٍ موضوعي و نفسي قد يمتصّ كل أشكال الصبابةِ التي تمرّ منها الذّات…
- طقس الشاي سياقُ لبثّ ثقافة التسامح و التعايش و قبول الآخر في تعدّده وتنوعه. و هنا تتبدّى الذاتُ واعيةً برسالتها الإنسانية التي تمجّ كل أشكال التقوقع و العزلة و تضخّم الأنا. قالت الشاعرة (مهما نداس بين الناس نقول ما كين باس ونحيا من تاني لواني بوح انسامي بالحب تفوح تبورش الروح را فسكاتي شلى معاني إلى ناوي تحزر خودني فالحمر نرش حديتك زهر…). و هنا بيت القصيد حيث تحوّل الشاعرة لغة التواصل من آليات الحديث بالكلام إلى آليات الحديث بالورد. قالت (نرُشِ حْديتكْ زْهر) في تصوّرٍ جماليٍّ جاوزَ الأنا في دوائرها الضيقة إلى الأنا في آفاقِها المفتوحة على الآخر، حيث تنتصر قيم التواصل والجمال (الزْهرْ) على قيم القطيعة و القبح…
خاتمة:
اكتفيْنا بهذا العرض المتواضع لديوان (دكّة و برْكة) عبر آليةٍ منهجيةٍ هي آليةُ التأويل لبعض المقاطع حتّى لا ندّعي أحاطة شاملة بقدر ما ندّعي محاولة لسبر بعضِ الغور في هذه الإضمامة التي قدّمتْها الشاعرة الزجّالةُ بمكرٍ فنيٍّ نادرٍ. فكانت إضمامة ذكية في عجنِ الآلة اللهْجية في سموّ البلاغة، و رشيق الموْسَقَة وتميّز التقسيم، و بهاءِ التبويب وقوّة الطرح لمضامينَ و محتوياتٍ قفزتْ فيها الشاعرةُ على سطحية المعنى إلى فيضِ المعنى. و ربِحْنا بذلك ديوانًا جديدًا يمارسُ ثقافة الاختلاف و هو يتناول طقس الشاي الغابر في الوجدان الشعبي المغربي بطريقة شِعرِيّةٍ بصَمَتْها الشاعرة سناء مطر بميْسَمِها الخاص، و إن تكرر هذا المشهد الزجلي في القادمِ من الأيامِ، فسنشهدُ أنّ (س.م) سبّاقَة استطاعتْ أن تُجدّد في مقامات الطقس التقليدي (جلسة الشاي) و أنها استطاعتْ أن تنْظِمَ زجلَها في أصالةٍ قوية سواءٌ على مستوى المضامين الشعرية أو على مستوى البناء اللهجي أوعلى مستوى الإيقاع الزجلي.
…
إحالات:
1-رواه الإمام أحمد في ” المسند “
2-آل عمران من الآية: 159
3-رواه الترمذي .
…





