لحظة تفكير

أذة/ فريدة بوفتاس: انتظار ..

ماكنت يوما أتوقع انني سأرى الصبر وقد جلس على حافة رصيف،

ما كنت لأصدق عيناي ، لم يكن الصبر عينه ،لكنه الصبر وقد تجسد في من امتلكه.

أساقول عنه هبة من قوة متعالية أم سأعتبره وشم الزمن في الذات ؟لكنني، لن أبالغ إذا أنا قلت، أنني مررت بجانبه أكثر من مرة ، وفي العديد من الايام، في كل الفصول، مدة سنوات.

إنه هناك في إحد شوارع المدينة الغاصة بالمارة ، على احد أرصفته ايجلس، وهو يجمع رجليه الى صدره ، ويضع يديه المعروقتين، السمراوتين على ركبتيه، ليتكأ عليهما، يرتدي كل يوم نفس المعطف ذو المربعات الملونة ، في حذاء متٱكل مكسو بالغبار وضع رجليه ، وفوق رأسه قبعة بالية.

امتلأ وجهه بالتجاعيد التي هي خير من يشهد عليه. أمامه توجد قطعة من البلاستيك ، بيضاء اللون ، رص عليها مجموعة من اللعب التي لم تعد تجد حتى عند الاطفال محلا للإعجاب ..

،سيارات صغيرة ، قطط، كلاب، عربات تجرها أحصنة ، كلها مصنوعة من البلاستيك الرخيص ،وحتى شكلها فهو يبين على أنها تنتمي إلى زمن بعيد ، حين كانت الالعاب لم تعرف بعد كل هذا التطور الحاصل . رتب هذه اللعب في تناسق حسب ما تشابه منها ، ليصمم من خلال ذلك أشكالا هندسية تخبر أنه يختزن حسا جمالي اما.

ربما لن يسمح له أبدا أن يتفتق ويعبر إلى خارجه.

الاشكال كانت تبدو للناظر كلوحة مزركشة ، لقد استطاع بتلقاىية بعيدا عن دروس الماركوتينغ أن يجذب إليها نظر العابرين ، لكن ، بدون ان تنجح في أن تصبح جزءا من مشترياتهم/ ن ، وفي كل مرة كنت أمر فيها بقربه..

كنت ألقي بعيني الى معروضاته ، فأجدها لم تتزحزح من مكانها ، لا تزال هي هي ، لا تتبدل ، الثبات والنظام وغياب الجودة ، هو ما ينبعث من تلك القطعة التي وضعت عليها ، والتي أخالها قد سئمت من نفس المعروضات ، وگانها مثلي تود لو كان بالامكان إحداث ولو تغيير بسيط عابر عليها ،حتى تحرك فيه بعضا من الفرح .

يظل جالسا ينظر تارة إليها، وأخرى وبهدوء شديد الى المارة ، يتابع ما يجري من حوله في سكون رهيب ، وفي كل مرة كنت أمسك نفسي عن رغبتي الدافقة في أن أسأله عن كل هذا الصمود ، والصبر وهو مسمر هكذا أمام قطعه التي لا تباع ، و عن ركونه اليها ، وكأنه يخبرها هي الجمادات ، أنها لم تعد محط اهتمام أي كان ، سواه هو وأنا التي شغلني أمره .

لم يكن ذلك فضولا مني ، ولا كنت أبدا أرغب في أن أتحول إلى جحيم بالنسبة إليه ، فأقتحم عالمه بغير إذنه ، لا لم أكن كذلك لكنني كنت مدفوعة بتعاطفي الكامل معه ، وبالشفقة عليه.

وكان علي أن أغادر ألمي عليه ،وأخرج من وجعي هذا ، ومن ثورة حيرتي ، غضبي ، تعاطفي ….

مررت أمامه وأنا مترددة ، لم أجرؤ على أن أسأله بخصوص ما يحدث معه ، وكيف أنه لم يفكر في تغيير معروضاته ؟ هل علي أن أمنحه بعضا من المال،وبهذا سأحوله الى متسول ؟ هل اتابع سيري كما العادة ، وألعن في نفسي زمنا لم يحفظ كرامته ؟ بين ترددي وتلاحق تساؤلاتي ، وجدتني أضع في يده قطعا من النقود التي لن تستطيع حتما أن تؤمن وجوده ، لكنها نجحت في أن جعلته يبتسم لي ، شاكرا إياي وبلطف شديد .

ابتسامة اخرجته من سكونه هو من يكاد يشبه معروضاته .

* الصورة المرفقة : A Poor Man’s Plight is a painting by Marsha Elliott which was uploaded on October 21st, 2009

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Back to top button