كشفَ عن ذاته في مواقفِه ومُخاطباته . ولم يكشف عن حياته ؛ فكانت صُورته قابلةً لكل تجلٍّ ومُعاينةٍ بعد معاناةٍ .
فلا أحدَ يعرفُ الكثيرَ عن حياته ، إذْ عاش معتزلا بعيدًا عن الناس ، مُستترًا مخفيًّا ، كثيرَ السَّفر والتجوال والسياحة في الأرض ، مُكتفيًا برؤى الرُّوح ، ونظر القلب ، كأنه قد حُظِر عليه الكشفُ ، وإذاعة السِّر ، فهو غير مأذُونٍ له بهتك شطحِهِ ، ونشر تجلِّيه بين الناس : ” لا إذن لك ، ثم لا إذن لك ، ثم سبعين مرَّة لا إذن لك ، أن تصفَ كيف تراني ، ولا كيف تدخلُ إلى خِزانتي ، ولا كيف تأخذُ منها خواتمي ، ولا كيف تقتبسُ من الحرفِ حرفًا بعزَّة جبرُوتي ” . وقد سار في اتجاهه كل بطريقته : أبو مدين الغوث وعمر بن الفارض وابن عطاء الله السكندري .
وكان كلما ضاقَ ذهبَ إلى أهل المعرفة والعلم والتزم الصَّبرَ ، وإن كانت المعرفةُ لديه أرقى ، وأعلى رتبةً من العلم .
هو الكبير لكنَّ اسمَه لم ينتشر ، ولم يتحقَّق لإرثه الذُّيوع ، رغم فرادته وخُصوصيته وانتهاجه طريقًا خاصًّا شكلًا ومُحتوىً ، ولعلَّ عفيف الدين التلمساني (610 – 690 هـجرية / 1213 – 1291ميلادية ) الذي شرح مواقفه ، هو الأول بين الناس الذي نبَّه إلى فرادَة النفَّري ، الذي يوغلُ في الباطن ، مُستخدمًا أسلوبًا جديدًا لم يألفه الناس قبله ، ولذا اتهم بالغمُوض والاستغلاق : ” … ما رأيتُ في مكتُوبٍ ، ولا سمعتُ في مسمُوعٍ منذ أكرمني الله تعالى بالانتماء إلى هذه الطائفة ، أفصح عبارة عن التجليات الجزئية ، من لفظ هذه التنزُّلات – المواقف – ، والأول على حقيقة التعرُّف ، وإني أعتقد أنَّ قدرة البشر تعجزُ عن هذه العبارة ، وأنَّ هذه لقوة إلهية “.
إنه محمد بن عبد الجبار النفري ، الذي مات بمصر سنة 354 هجرية ، ولقِّبَ بالأسكندري ، والمصري ، الذي دومًا ما يُوجِّه نظره نحو باطنه ليتأمَّلَ : ( ما أنا في شيء ، ولا خالطتُ شيئًا ، ولا حللتُ في شيءٍ ، ولا أنا في شيءٍ ، ولا من ، ولا عن ، ولا كيف ، ولا ما لاينقال ، أنا أنا ، … ) .
النفري صاحبُ خيالٍ شاطح جامح ، لكنهُ خالٍ من التعمُّد والتصنُّع والتكلُّف ، يكتبُ كأنَّ الماء يجري في يده وهو يخط أو وهو يُمْلِي .
وقد قرأتُ النفري – الذي عاش في النصف الأول من القرن الرابع الهجري – مرَّاتٍ كثيرةً ، ولديَّ كل الطبعات التي صدرتْ له أو عنه ، ومع ذلك في كل مرة أقرأ أراني كأنَّني أبدأ من جديدٍ ، وأخرجُ بانطباعاتٍ ونتائج مُغايرةٍ لما هو عندي .
” الله يعلم بجليَّة أمرِه ” هذه الجُملة الملتبسة والمُحيِّرة ذكرها عفيف الدين التلمساني الذي لم يكُن يحب لأحدٍ أن يكشفَ من يكون ، لقد كان سائرًا في طريقِ القوم الصُوفيِّ ، يكتب إشاراته من دُون ترتيبٍ أو اهتمامٍ ؛ لأنه لم يكُن معنيًّا بالخلود أو بترك أثرٍ له ، يذكر التلمساني : ” إنَّ الذي ألَّف هذه المواقف هو ولد ولد الشيخ النفَّري رحمه الله ، وليس هو الشيخ نفسه ، إذا كان الشَّيخ لم يؤلف كتابًا ، إنما كان يكتبُ هذه التنزُّلات في جُزازات أوراق نُقلت بعده ، فإنه كان مُولهًا لا يقيمُ بأرضٍ ، ولا يتعرَّضُ لأحدٍ ، … ، وإنَّ الذي ألَّف هذه المواقف لم يكُن هو النفَّري ، بل هو بعض أصحابه ، وقبل هو ابن بنته ” . والتأليف هنا معناه الترتيب الذي وصلَ إلينا .
يقول الأب بولس نويا اليسوعيّ ( 1925 – 1980 ميلادية ” صاحب كتابيْ ” نصُوص صوفية غير منشورة ” ، و” التأويل القرآني واللغة الصوفية ” : إنَّ النفَّري كان ” يسجِّل في كراسةٍ أو دفترٍ حصيلة كل رؤية ، بعض هذه الكراسات دُوِّن في فترة وجوده بمصر ، والبعض الآخر بالبصرة ، والثالث بالمدائن ( عاصمة ملك فارس ، وكانت مسكن الملوك من الأكاسرة الساسانية وغيرهم ، وسمَّاها العرب المدائن لأنها تتكوَّن من سبع مدائن ، وبينها وبين بغداد خمسةٌ وعشرون ميلا ، وبها إيوان كسرى ، وهو قصرٌ من قُصور كِسرى أنوشروان الذي تهدَّم وبقيت آثاره في مدينة المدائن ) ، أعيدُ نسخُ هذه الكراسات كيفما اتفق ، دُون اهتمام بالترتيب الزمني لتأليفها ” .
وإن كان النفَّري قد ألهم شعراء عرب كثيرين ، فقد ألهم الكثيرين من القدماء كان في مقدمتهم ابن قضيب البان ( 971 – 1040 هجرية ) الذي كتب ” المواقف الإلهية ” على وتيرة ” المواقف ” للنفَّري ، وقلَّد أيضًا ابن العربي حيث كتب ” الفتوحات المدنية ” والتي ألَّفها على وتيرة “الفتوحات المكية ” ، وكتب شعرًا تائيةً على وتيرة ” التائية الكُبرى ” لعمر بن الفارض . وأذكرُ هنا أنَّ ابنه الشَّاعر الشَّاب الظَّريف (661 – 688 هـجرية /1263 – 1289ميلادية ) الذي وُلد بمصر ، وعاش في دمشق ؛ حيث وُلي أبوه عمالة الخِزانة بها ، والذي مات في السابعة والعشرين من عمره كان أشعرَ من أبيه .
سلَك النفَّري رياضاتٍ ومُجاهداتٍ رُوحيةً مُتواصلةً بالوهْب لا بالكسْب ، بدت في سلوكه وطقوسه في الحياة سعيًا إلى الذهاب في رحلته نحو الله ، إذْ كان حبُّه مُنزَّهًا عن أيِّ غرضٍ أو هدفٍ ، حيث كان شريفَ المقصد عفيفَهُ : ” وقال لي : اخرج إلى البرية الفارغة ، واقعد وحدك حتى أراك ، فإني إذا رأيتك ، عرجت بك من الأرض إلى السماء ، ولم أحتجب عنك”.
ولذلك وصل إلى ” أعلى درجات الفناء ” ، حيثُ جاز الكون ، يقول النفَّري في ” المواقف ” : ” وقال لي : إذا خرجت عن الحرف خرجت عن الأسماء ، وإذا خرجت عن الأسماء خرجت عن المُسمَّيات ، وإذا خرجت عن المسمَّيات خرجت عن كل ما بدا ، وإذا خرجت عن كل ما بدا قلت فسمعت ودعوت فأجبت ” .
النفَّري الذي شغل الدنيا ، ووقف أمام حرْفِهِ كبار الصوفية كان مُقلًّا ، ولم يترك الكثير من المصنَّفات ، لكنَّ قليله الذي بدأ العالم يعرفه منذ سنة 1934 ميلادية على يديْ المستشرق الإنجليزي آرثر آربري قد لفت انتباه أهل الحَرْف والكتابة ، وإن كان النفَّري موجودًا في المتنِ الصوفيِّ ومُشار إليه من الكبار ( وكان محي الدين بن العربي أول من أشار إلى – المواقف – في كتابه الأساسي ” الفتوحات المكية ” ، وأول من شرَحَها هو عفيف الدين التلمساني سنة 690 هجرية ” ) ، فإنَّ الكسلَ العربي الأكاديمي مارس مهامه في التأسِّي والتبعية ، وترك للآخر المستشرق أن يقدِّمه لنا ، ومثل النفَّري الكثير ، وعلى رأسهم الحلاج الذي قدَّمه لنا المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون .
” المواقف والمخاطبات ” كتابٌ لا نظيرَ له في التراث الصُّوفي جوهرًا وشكلًا ، غير مسبوقٍ في اللغة العربية .

مذكرة رسمية ترصد تبايناً في انعكاس أسعار الوقود بين السوق الدولية والمحلية
الرباط تحتضن أضخم دورة للمعرض الدولي للنشر والكتاب بمشاركة 60 دولة
اختلالات مالية تقود إلى إعفاء مسؤولة في قطاع الصناعة السينمائية