
كش بريس/التحرير ـ في مشهد يعكس التوتر القائم بين الدولة وأشكال الاحتجاج الجديدة لدى الشباب، أسدلت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء الستار على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل خلال الأشهر الماضية، المرتبطة بما عُرف إعلاميًا بـ“جيل زيد 212”. فبعد موجة اعتقالات أعقبت تحركًا احتجاجيًا على الطريق السيار، وجدت السلطة القضائية نفسها أمام اختبار دقيق يوازن بين فرض هيبة القانون واحتواء غضب اجتماعي آخذ في الاتساع.
الأحكام الصادرة حملت طابعًا توفيقيًا أكثر منها زجريًا. إذ أدانت هيئة الحكم ثلاثة متابعين بسنة واحدة حبسا موقوف التنفيذ، بينما قضت في حق عدد من المعتقلين بالمدة التي قضوها رهن الاعتقال الاحتياطي، ما أتاح لهم مغادرة السجن فور النطق بالحكم. في المقابل، أُبقي على متهمين اثنين خلف القضبان بعد الحكم عليهما بعشرة أشهر حبسا نافذا، في إشارة إلى أن القضاء اختار توزيع المسؤوليات بدل تعميم العقوبة.
القضية تعود إلى ليلة 28 شتنبر 2025، حين أقدمت مجموعة من الشباب على تنظيم تحرك احتجاجي بالطريق السيار في العاصمة الاقتصادية، رافعين شعارات اجتماعية تتصل بتردي الأوضاع المعيشية والمطالبة بقدر أكبر من العدالة الاجتماعية. غير أن اختيار فضاء حيوي كشبكة الطرق السيارة حوّل الفعل الاحتجاجي من تعبير رمزي إلى مسألة أمن عام، سرعان ما استدعت تدخلاً أمنيًا أفضى إلى توقيف 21 شخصًا، أُحيل 18 منهم على المتابعة القضائية في حالة اعتقال.
النيابة العامة أسست متابعتها أساسًا على الفصل 591 من القانون الجنائي، الذي يجرم عرقلة السير وتعطيل المرور في الطريق العمومية بعقوبات قد تصل إلى خمس سنوات، وتُشدد إذا ترتبت عن الفعل أضرار جسدية. كما وُجهت إلى بعض المتابعين تهم إضافية من قبيل استهلاك المخدرات، في سياق اعتبره دفاعهم توسيعًا لدائرة التجريم بما يتجاوز جوهر الاحتجاج.
لكن ما وراء الملف القضائي يتجاوز تفاصيل التكييف القانوني. فالقضية أعادت إلى الواجهة سؤال حدود الحق في الاحتجاج في الفضاء العام، ومدى قدرة الدولة على استيعاب أنماط تعبير شبابية غير تقليدية، تلجأ إلى تعطيل المرافق الحيوية لفرض حضورها في النقاش العمومي. كما طرحت إشكالية الاعتقال الاحتياطي في القضايا ذات الطابع الاحتجاجي، بين اعتباره إجراءً قانونيًا تحفظيًا أو رسالة ردع سياسية.
الأحكام المخففة نسبيًا توحي بأن المؤسسة القضائية حاولت تفادي تحويل الملف إلى قضية رأي عام مفتوحة، واختارت مخرجًا يوازن بين منطق الردع ومنطق التهدئة. غير أن جذور الاحتجاج، المرتبطة بشعور فئة من الشباب بالتهميش وفقدان الأفق، تظل قائمة، ما يعني أن المقاربة الأمنية أو القضائية وحدها قد لا تكون كافية لمعالجة أسباب الظاهرة.
وهكذا، تنتهي فصول محاكمة “جيل زيد 212” قضائيًا، لكنها تظل سياسيًا واجتماعيًا علامة على مرحلة تتشكل فيها علاقة جديدة، ومتوترة أحيانًا، بين الدولة وجيل يسعى إلى انتزاع مساحة أوسع للتعبير والضغط، حتى وإن اختار لذلك مسارات صادمة ومكلفة.





