ابتعدَ ونأى واحتجبَ ؛ لأنهُ أدرك أنَّ الفقهاءَ والخلفاءَ والأمراءَ والسلاطين وأهلَ السُّلطة السياسية والدينية معًا يكرهون المُتصوفة ويعادونهم ويحاربونهم ، ويُؤلِّبُون العامَّةَ عليهم ، بعد اتهامهم بالفِسق والكُفر والزَّندقة والخرُوج على الدين ، وينزِلون بهم أقسى أنواع العذاب ، وقد رأى النفَّرى مِحنَ من سبقوه وعاصروه ؛ فآثر الصَّمت ، الذي صار جُزءًا مهمًّا في نصِّه ، وليس في سلوكِهِ الحياتي فقط .
وعلى الرغم من أنَّ نصوصَ النفَّري ، نصنِّفُها كُتبًا صُوفيةً تراثيةً قديمةً ، فإنها حديثةٌ وجديدةٌ في شكلها وبِنيتها ، بل صارت أحدَ روافد الإلهام لدي الشُّعراء والكُتَّاب منذ حقبة الستينيات وحتى يومنا هذا ، بل إنَّ نتاجَ النفَّري مطبُوعٌ في كلِّ البلدان العربية ، ومدرُوسٌ في أقسام الفلسفة بالجامعات العربية ، ويعتبرُهُ الكثيرون أحدَ أهم الكتب العربية على الإطلاق .
ولعل ” المواقف والمخاطبات ” هو المتنُ الوحيدُ الذي صمد وانتصر لنفسه أمام مِصفاةِ الزَّمن ، من دون أن تكونَ هناك سيرةٌ ذاتيةٌ وحياتيةٌ لصاحبه ، إذْ كتبَ ، وتركَ ، وما خطَّه بقِي ووصل إلينا . وصار كتاب النفَّري هو الدليلُ عليه والسيرة له ، ومنه نستخرج منهجه ومواقفه ؛ لأنَّ الكتابةَ ما هي إلا تعبيرٌ عن رُوح وعقل كاتبها .
فقد رآه صديقي المستشرق الإيطالي الأب جوزيبي سكاتولين ” صوفيًّا عميقًا ، بل عبقريًّا ، مما يجعلنا نعتبرُهُ من أعمق المفكرين في الإسلام “ .
يقول النفَّري في كتاب ” المواقف ” : ” وقال لي : لا يكُون المُنتهى حتى تراني من وراء كل شيء.
وقال لي : نَمْ لتراني ، فإنك تراني ؛ واستيقظ لتراك ، فإنك لا تراني .
وقال لي : كلُّ واقفٍ عارفٌ ، وليس كلُّ عارف واقف.
وقال لي : فإنَّ العارفَ كالمَلِك يبني قصورَه من المعرفة فلا يريد أن يتخلَّى عنها.
وقال لي : المعرفةُ نارٌ تأكلُ المحبَّة.
وقال لي : من علوم الرُّؤيا أن تشهدَ صمتَ الكل ، ومن علوم الحجاب أن تشهد نطق الكل ” .
ويقول النفَّري في كتاب ” المُخاطبات ” :
يا عبد اجعلنى صاحب سرك أكن صاحب علانيتك . ياعبد اجعلنى صاحب وحدتك أكن صاحب جمعك . يا عبد اجعلنى صاحب خلوتك أكن صاحب ملائك . يا عبد كيف تيأس مني وفى قلبك متحدثي .
يا عبد اصبر لى يوما أكفك غلبة الأيام .
متن النفري يحتشدُ بتعدُّد الأصوات المتكلمة والأبنية والأشكال ، فهو نصٌّ غنيٌّ بالخيال ، والإشارة ، والرمز الذي يحتاج إلى تفكيكٍ وتأويل .
ومع ذلك فإنَّ ما يستخدمه النفَّري من كلمات لا تغطي مساحة روحه ولا تستوعب ما يرغب ويهدف إلى الوصُول إليه ، وأنه عاجزٌ أمام الحرف ، وحائر أمام قصاصة الورق التي يكتب عليها ، وإلا ما كان قال قولته التي اشتهرتْ وذاعت : «..كلما اتسعت الرؤية..ضاقت العبارة..».
وحين كتب النفَّري لم يكُن يبحثُ لنصِّه عن شكلٍ أو جنسٍ أدبيٍّ ، هو كتب فقط نفسه بحريةٍ شديدةٍ ، وكان متحدًا مع ذاته ؛ ولذا جاء نصُّه غريبًا ومُلغِزًا وجديدًا على الذوق العربي وقتذاك وما زال قادرًا على الإدهاش .
” وقال لي : لا يكونُ المنتهى حتى تراني من وراء كلِّ شيء. وقال لي : نَمْ لتراني، فإنك تراني ؛ واستيقظ لتراك ، فإنك لا تراني . وقال لي : كلُّ واقفٍ عارفٌ ، وليس كلُّ عارفٍ واقفٌ . وقال لي : فإنَّ العارف كالمَلِك يبني قصوره من المعرفةِ فلا يريدُ أن يتخلَّى عنها . وقال لي : المعرفةُ نارٌ تأكل المحبَّة . وقال لي : من علوم الرؤيا أن تشهد صمت الكل ، ومن علوم الحجاب أن تشهد نطق الكل» .
وقال النفَّري : « الحرفُ خزانةُ الله ، فمن دخلها فقد حمل الأمانة ، والحرفُ دليلُ العلم والعلم معدنُ الحرْف ».

محمد اقديم: الحاصول هو… الفقر يصوّت، والمال يحصد، والسلطة تتفرّج!
مجلس حقوق الإنسان يرصد خروقات انتخابية.. واستعمال الدين والمال والعنف في صدارة الملاحظات
بين «العدالة والتنمية» و«الأصالة والمعاصرة».. خلاف مبكر حول الحكومة المقبلة
تحالف اليسار يرفع تمثيليته البرلمانية إلى ثمانية مقاعد في انتخابات 23 شتنبر