أحمد الشهاوي: كِتابٌ عظيمٌ صاحبُه مجهول

ابتعدَ ونأى واحتجبَ ؛ لأنهُ أدرك أنَّ الفقهاءَ والخلفاءَ والأمراءَ والسلاطين وأهلَ السُّلطة السياسية والدينية معًا يكرهون المُتصوفة ويعادونهم ويحاربونهم ، ويُؤلِّبُون العامَّةَ عليهم ، بعد اتهامهم بالفِسق والكُفر والزَّندقة والخرُوج على الدين ، وينزِلون بهم أقسى أنواع العذاب ، وقد رأى النفَّرى مِحنَ من سبقوه وعاصروه ؛ فآثر الصَّمت ، الذي صار جُزءًا مهمًّا في نصِّه ، وليس في سلوكِهِ الحياتي فقط .

وعلى الرغم من أنَّ نصوصَ النفَّري ، نصنِّفُها كُتبًا صُوفيةً تراثيةً قديمةً ، فإنها حديثةٌ وجديدةٌ في شكلها وبِنيتها ، بل صارت أحدَ روافد الإلهام لدي الشُّعراء والكُتَّاب منذ حقبة الستينيات وحتى يومنا هذا ، بل إنَّ نتاجَ النفَّري مطبُوعٌ في كلِّ البلدان العربية ، ومدرُوسٌ في أقسام الفلسفة بالجامعات العربية ، ويعتبرُهُ الكثيرون أحدَ أهم الكتب العربية على الإطلاق .

ولعل ” المواقف والمخاطبات ” هو المتنُ الوحيدُ الذي صمد وانتصر لنفسه أمام مِصفاةِ الزَّمن ، من دون أن تكونَ هناك سيرةٌ ذاتيةٌ وحياتيةٌ لصاحبه ، إذْ كتبَ ، وتركَ ، وما خطَّه بقِي ووصل إلينا . وصار كتاب النفَّري هو الدليلُ عليه والسيرة له ، ومنه نستخرج منهجه ومواقفه ؛ لأنَّ الكتابةَ ما هي إلا تعبيرٌ عن رُوح وعقل كاتبها .

فقد رآه صديقي المستشرق الإيطالي الأب جوزيبي سكاتولين ” صوفيًّا عميقًا ، بل عبقريًّا ، مما يجعلنا نعتبرُهُ من أعمق المفكرين في الإسلام “ .

يقول النفَّري في كتاب ” المواقف ” : ” وقال لي : لا يكُون المُنتهى حتى تراني من وراء كل شيء.

وقال لي : نَمْ لتراني ، فإنك تراني ؛ واستيقظ لتراك ، فإنك لا تراني .

وقال لي : كلُّ واقفٍ عارفٌ ، وليس كلُّ عارف واقف.

وقال لي : فإنَّ العارفَ كالمَلِك يبني قصورَه من المعرفة فلا يريد أن يتخلَّى عنها.

وقال لي : المعرفةُ نارٌ تأكلُ المحبَّة.

وقال لي : من علوم الرُّؤيا أن تشهدَ صمتَ الكل ، ومن علوم الحجاب أن تشهد نطق الكل ” .

ويقول النفَّري في كتاب ” المُخاطبات ” :

يا عبد اجعلنى صاحب سرك أكن صاحب علانيتك . ياعبد اجعلنى صاحب وحدتك أكن صاحب جمعك . يا عبد اجعلنى صاحب خلوتك أكن صاحب ملائك . يا عبد كيف تيأس مني وفى قلبك متحدثي .

يا عبد اصبر لى يوما أكفك غلبة الأيام .

متن النفري يحتشدُ بتعدُّد الأصوات المتكلمة والأبنية والأشكال ، فهو نصٌّ غنيٌّ بالخيال ، والإشارة ، والرمز الذي يحتاج إلى تفكيكٍ وتأويل .

ومع ذلك فإنَّ ما يستخدمه النفَّري من كلمات لا تغطي مساحة روحه ولا تستوعب ما يرغب ويهدف إلى الوصُول إليه ، وأنه عاجزٌ أمام الحرف ، وحائر أمام قصاصة الورق التي يكتب عليها ، وإلا ما كان قال قولته التي اشتهرتْ وذاعت : «..كلما اتسعت الرؤية..ضاقت العبارة..».

وحين كتب النفَّري لم يكُن يبحثُ لنصِّه عن شكلٍ أو جنسٍ أدبيٍّ ، هو كتب فقط نفسه بحريةٍ شديدةٍ ، وكان متحدًا مع ذاته ؛ ولذا جاء نصُّه غريبًا ومُلغِزًا وجديدًا على الذوق العربي وقتذاك وما زال قادرًا على الإدهاش .

” وقال لي : لا يكونُ المنتهى حتى تراني من وراء كلِّ شيء. وقال لي : نَمْ لتراني، فإنك تراني ؛ واستيقظ لتراك ، فإنك لا تراني . وقال لي : كلُّ واقفٍ عارفٌ ، وليس كلُّ عارفٍ واقفٌ . وقال لي : فإنَّ العارف كالمَلِك يبني قصوره من المعرفةِ فلا يريدُ أن يتخلَّى عنها . وقال لي : المعرفةُ نارٌ تأكل المحبَّة . وقال لي : من علوم الرؤيا أن تشهد صمت الكل ، ومن علوم الحجاب أن تشهد نطق الكل» .

وقال النفَّري : « الحرفُ خزانةُ الله ، فمن دخلها فقد حمل الأمانة ، والحرفُ دليلُ العلم والعلم معدنُ الحرْف ».

Exit mobile version