
ـ كتب: أحمد أبو مالك ـ
أعاد مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة فتح واحد من أكثر الملفات حساسية داخل منظومة العدالة المغربية، ليس فقط بسبب حجم الجدل الذي رافق مناقشته، وإنما لأنه يلامس مهنة ظلت لعقود تعتبر إحدى ركائز دولة القانون وحماية الحقوق والحريات. وبين من يراه إصلاحا مؤجلا طال انتظاره، ومن يعتبره مدخلا لإعادة رسم ملامح المهنة، يظل السؤال الجوهري هو: هل يعالج المشروع فعلا الاختلالات البنيوية التي كشف عنها قانون 28.08، أم أنه يكتفي بتحديث تقني للنصوص؟
بعد أكثر من سبعة عشر عاما على دخول قانون 28.08 حيز التنفيذ، بدا واضحا أن التحولات التي عرفها القضاء، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والعلاقات المهنية، تجاوزت الإطار القانوني المنظم للمحاماة. لذلك يأتي المشروع الجديد حاملا مجموعة من المقتضيات التي تعكس توجها نحو مهنية أكبر، وشفافية أوضح، وربط الممارسة القانونية بمعايير الجودة والكفاءة.
أولى نقاط التحول تبرز في شروط الولوج إلى المهنة، حيث يتجه المشروع إلى رفع سقف التأهيل العلمي عبر اشتراط شهادة الماستر، وربط الولوج بمسار تكويني مؤسساتي يبدأ باجتياز مباراة المعهد ويستكمل بفترة تكوين وتمرين مؤطرة. وهو توجه يعكس إرادة في الانتقال من منطق الولوج القائم على الشهادة وحدها إلى منطق بناء الكفاءة المهنية. كما يفتح المشروع مسلكا خاصا لفائدة موظفي كتابة الضبط الحاصلين على الماستر، وفق شروط محددة، في محاولة لتسوية ملف ظل محل نقاش لسنوات.
ويحمل المشروع أيضا تصورا أكثر حداثة للممارسة المهنية، من خلال إقرار نظام التخصص لأول مرة، بما يسمح للمحامي بالحصول على صفة “محام متخصص” بعد استكمال تكوين إضافي. ورغم أن هذه الخطوة تبدو منسجمة مع التجارب المقارنة، فإن نجاحها سيظل رهينا بوجود مؤسسات تكوين مستقلة، ومعايير موضوعية لمنح التخصص، حتى لا يتحول إلى مجرد لقب إداري يفتقد للمضمون المهني.
ومن بين أبرز مستجدات المشروع كذلك، إعادة تنظيم الشراكات والشركات المدنية المهنية بين المحامين، بما يتيح تطوير أنماط الاشتغال الجماعي، ويستجيب للتحولات التي يعرفها سوق الخدمات القانونية، خصوصا في ظل تعقد المنازعات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية التي أصبحت تتطلب تخصصات متعددة داخل المكتب الواحد.
أما على مستوى تأهيل المحامي، فقد انتقل المشروع من اعتبار التكوين المستمر خيارا مهنيا إلى جعله التزاما قانونيا، وهو تحول يعكس قناعة بأن المعرفة القانونية لم تعد ثابتة، وأن جودة الدفاع أصبحت مرتبطة بقدرة المحامي على مواكبة الاجتهادات القضائية والتشريعات الوطنية والدولية المتجددة.
غير أن أهم ما يميز المشروع ربما لا يتعلق بالمحامي وحده، بل بالمواطن باعتباره المستفيد الأول من العدالة. فقد حاول النص معالجة واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش داخل المهنة، والمتعلقة بتدبير أموال الموكلين، عبر إلزام المحامين بإيداعها في حسابات خاصة تخضع لآليات رقابية، مع إخضاع هذه الحسابات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات. وإذا ما تم تفعيل هذا المقتضى بفعالية، فإنه قد يشكل إحدى أهم الضمانات لتعزيز الثقة بين المواطن والمحامي.
كما يسعى المشروع إلى إعادة تنظيم العلاقة التعاقدية بين الطرفين، من خلال فرض تكليف مكتوب يحدد طبيعة المهمة والأتعاب والالتزامات المتبادلة، مع إلزام المحامي بتسليم وصل عن كل مبلغ يتم تسلمه، وإقرار مسطرة واضحة لفض النزاعات المتعلقة بالأتعاب أمام النقيب. وهي مقتضيات تبدو بسيطة من حيث الصياغة، لكنها تعالج في العمق أحد أبرز أسباب الخلافات التي عرفتها الممارسة المهنية خلال السنوات الماضية.
وفي الاتجاه نفسه، يعزز المشروع مقتضيات منع تضارب المصالح، ويعيد تنظيم نظام المساعدة القضائية، بما يكرس حماية أكبر لحقوق المتقاضين، ويعزز أخلاقيات الممارسة المهنية.
غير أن قراءة المشروع من زاوية إيجابياته وحدها قد تكون قراءة ناقصة. فالنصوص القانونية لا تقاس بجودة صياغتها فقط، وإنما بقدرتها على التطبيق الفعلي. فالتخصص المهني، والتكوين المستمر، والرقابة على الأموال، والشفافية في العلاقة مع الموكل، كلها رهانات تظل مرتبطة بوجود مؤسسات قوية، وآليات رقابة فعالة، وإرادة حقيقية لتفعيل القانون دون انتقائية أو استثناء.
كما أن نجاح الإصلاح لن يتحقق بمجرد تشديد شروط الولوج إلى المهنة، بل يحتاج إلى رؤية شاملة تعالج أيضا واقع الاكتظاظ داخل القطاع، وتفاوت فرص الممارسة، وإشكالات الأتعاب، واستقلالية المهنة، وضمانات الدفاع، والعلاقة بين المحاماة وباقي مكونات منظومة العدالة.
في النهاية، يبدو أن مشروع القانون 66.23 يمثل محاولة جادة لتجاوز عدد من أعطاب قانون 28.08، من خلال إدخال مفاهيم حديثة ترتبط بالتخصص، والحكامة، والرقمنة، والتكوين المستمر، والشفافية المالية. لكنه، في المقابل، يضع الدولة وهيئات المحامين أمام امتحان أصعب من مجرد إصدار قانون جديد، وهو امتحان التنزيل السليم. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ عند نشر النص في الجريدة الرسمية، بل عندما ينعكس على جودة العدالة، ويرسخ ثقة المواطن في المحامي، ويعيد للمهنة مكانتها كأحد أهم أعمدة الأمن القانوني والقضائي.
ـ خبير وقانوني





