ـ نمو 4,2%.. قراءة دولية تعيد رسم رهانات الاقتصاد المغربي ـ
كش بريس/التحرير ـ تتجه توقعات المؤسسات المالية الدولية بشأن الاقتصاد المغربي نحو قراءة أكثر تحفظاً لمسار النمو خلال المرحلة المقبلة، بعدما وضع البنك الدولي مجموعة من العوامل الخارجية والداخلية في صلب حساباته الجديدة. فبينما تراهن الحكومة على تسريع وتيرة الانتعاش الاقتصادي وتحقيق نمو مرتفع، يرسم البنك صورة أكثر حذراً، مرتبطة بتداعيات الأزمات الجيوسياسية، واستمرار الضغوط المناخية، وضعف بعض المحركات البنيوية للنمو، وعلى رأسها سوق الشغل والإنتاجية.
وفي أحدث تقييم له، خفض البنك الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المغربي خلال سنة 2026 إلى 4,2 في المائة، معتبراً أن المسار الاقتصادي للمملكة سيظل رهيناً بقدرتها على امتصاص الصدمات الخارجية وتعزيز التحولات الداخلية، خاصة في مجالات الرقمنة، ورفع مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، وتقليص الاعتماد على القطاعات الأكثر تأثراً بالتقلبات المناخية.
ويأتي هذا التقدير الجديد بعد أسابيع من تأكيد الحكومة المغربية تمسكها بتحقيق معدل نمو في حدود 5,2 في المائة خلال السنة المقبلة، في وقت يرى البنك الدولي أن الاقتصاد الوطني، رغم صلابة أسسه الماكرو اقتصادية، يواجه مجموعة من التحديات التي قد تؤثر على ديناميته المستقبلية.
وأوضح البنك، في بلاغ صادر عنه، أن الصراع في الشرق الأوسط يمثل أحد أبرز المخاطر قصيرة الأمد، بالنظر إلى انعكاساته المحتملة على كلفة واردات الطاقة وارتفاع أسعار النقل البحري، مشيراً إلى أن هذه التطورات قد تؤدي إلى خفض معدل النمو المتوقع للمغرب بنحو 0,8 نقطة مئوية مقارنة بالمستوى الذي كان يمكن تحقيقه قبل اندلاع هذه التوترات.
وعلى المدى المتوسط والطويل، حذر البنك الدولي من استمرار تأثير التغيرات المناخية، خاصة توالي سنوات الجفاف، باعتبارها عاملاً يهدد الإنتاج الفلاحي والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالموارد المائية. كما أكد أن أداء الاقتصاد المغربي سيظل مرتبطاً بوتيرة التعافي الاقتصادي لدى شركائه التجاريين الأساسيين في أوروبا، بالنظر إلى أهمية هذه الأسواق بالنسبة للصادرات والاستثمارات المغربية.
وفي الجانب الداخلي، سجلت المؤسسة المالية الدولية أن سوق الشغل ما يزال يشكل إحدى أبرز نقاط الضعف الهيكلية، خصوصاً مع استمرار انخفاض معدل مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، وهو ما يحد من الاستفادة الكاملة من الإمكانات البشرية المتاحة ويؤثر على قدرة الاقتصاد الوطني على خلق نمو أكثر شمولاً.
ورغم هذه التحذيرات، أشاد البنك الدولي بالأداء الاقتصادي للمغرب خلال سنة 2025، حيث قدر معدل نمو الناتج الداخلي الإجمالي الحقيقي بحوالي 4,9 في المائة، وهو أقوى أداء يسجل منذ أكثر من عقد، مدفوعاً بانتعاش نسبي للقطاع الفلاحي، وارتفاع الاستثمارات العمومية المرتبطة بالتحضيرات الكبرى، خاصة الأوراش المتعلقة باستضافة كأس العالم لكرة القدم 2030.
وسجل البنك أن الاقتصاد المغربي استفاد كذلك من تحسن عدد من المؤشرات المالية، حيث تراجع التضخم إلى حوالي 0,8 في المائة، ما ساهم في تخفيف الضغوط التي تحملتها الأسر والمقاولات خلال السنوات الماضية، كما تم تقليص عجز الميزانية إلى نحو 3,5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، بالتوازي مع تحسين التصنيف الائتماني السيادي للمغرب من طرف وكالة “ستاندرد آند بورز”.
غير أن البنك الدولي اعتبر أن الحفاظ على هذه الدينامية يتطلب تحقيق قفزة نوعية في الإنتاجية، مرتبطة أساساً بمدى قدرة المقاولات المغربية على تبني التكنولوجيا الرقمية المتقدمة. وأوضح أن التحول الرقمي لا يزال محدوداً، إذ إن أقل من خمس الشركات المغربية تعتمد بشكل مكثف ومتكامل أدوات رقمية متطورة، مثل أنظمة تدبير المؤسسات، ومنصات إدارة علاقات الزبناء، وحلول التجارة الإلكترونية.
وأكد التقرير أن توسيع اعتماد التقنيات الرقمية يمثل فرصة استراتيجية لرفع تنافسية الاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أن المقاولات التي تعتمد مستويات أعلى من الرقمنة تحقق مكاسب مهمة في الإنتاجية، قد تصل إلى 70 في المائة، مع ارتفاع معدلات التشغيل بحوالي 10 في المائة، وتحسن الأجور بنحو 27 في المائة مقارنة بالمقاولات الأقل اندماجاً رقمياً.
وخلص البنك الدولي إلى أن تقليص الفجوة الرقمية بالمغرب وتقريب مستوى استخدام التكنولوجيا داخل المقاولات من مستويات الدول المماثلة يمكن أن يرفع الإنتاجية الإجمالية للاقتصاد بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة، ما يجعل التحول الرقمي أحد المفاتيح الأساسية للانتقال من اقتصاد قائم على الاستثمار العمومي إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على الابتكار والنجاعة والإنتاجية.

خبير اقتصادي: تعقيد المنظومة الضريبية يرهق المقاولات الصغرى ويقوض دينامية الاستثمار
د عبد العلي الودغيري: لعبة الكرة ولعبة السياسة
السياحة المغربية تواصل زخمها.. 9,4 ملايين وافد وعائدات تتجاوز 53 مليار درهم في خمسة أشهر