كش بريس/التحرير ـ
صعّد الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب لهجته تجاه الحصيلة الاجتماعية والاقتصادية للولاية الحكومية 2021-2026، معتبراً أن السنوات الخمس الأخيرة اتسمت بتفاقم كلفة المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف دينامية التشغيل، إلى جانب ما وصفه باستمرار الجمود في الأجور.
وقدّم الاتحاد، اليوم الثلاثاء، مذكرة تأطيرية بعنوان «تقييم حصيلة الولاية الحكومية 2021-2026 ومقترحات الاتحاد للحكومة المقبلة»، خلال ندوة صحافية خصصت لتشخيص الوضع الاجتماعي والاقتصادي بالمغرب في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وحملت الوثيقة جملة من الملاحظات بشأن السياسات العمومية المنتهجة خلال الولاية الحالية، كما اقترحت على الحكومة المقبلة حزمة من الإجراءات، في مقدمتها إطلاق خطة وطنية استثنائية لتشغيل الشباب، وإعادة النظر في مستوى الحد الأدنى للأجر، إلى جانب إصلاحات في أنظمة التقاعد والقوانين المنظمة للعمل النقابي والانتخابات المهنية.
كلفة المعيشة تتسع والفئات الهشة تدفع الثمن
في تشخيصه لتطور الأسعار، اعتبر الاتحاد أن ارتفاع المستوى العام لأسعار المستهلكين خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2026 تجاوز 17 في المائة، معتبراً أن المتوسطات الرسمية لا تعكس، في نظره، كامل حجم الضغط الذي تواجهه الأسر في نفقاتها اليومية.
وتوقفت المذكرة، كما عرضها الأمين العام للاتحاد، عند التطور اللافت لأسعار المواد الغذائية، خصوصاً اللحوم الحمراء، التي سجلت، بحسب المعطيات التي أوردتها الوثيقة، ارتفاعاً تراكمياً تجاوز 50 في المائة بين 2021 و2025.
وأشارت إلى أن أسعار لحوم الأبقار تراوحت في فترات مختلفة بين 100 و110 دراهم للكيلوغرام، بينما اقترب سعر لحوم الأغنام من 140 درهماً، وهو ما اعتبره الاتحاد مؤشراً على اتساع الفجوة بين أسعار بعض المواد الأساسية وقدرة الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط على اقتنائها.
كما سجلت المذكرة ارتفاعاً في أسعار الأسماك بأكثر من 30 في المائة، فيما بلغت الزيادة في أسعار البيض، وفق المعطيات نفسها، حوالي 80 في المائة خلال الفترة موضوع التقييم.
الدرهم يفقد جزءاً من قدرته على شراء الضروريات
ربط الاتحاد بين ارتفاع الأسعار وتراجع القيمة الفعلية للدخل، متحدثاً عن تآكل القدرة الشرائية للدرهم.
ووفق المذكرة، فقدت العملة الوطنية أكثر من 16 في المائة من قدرتها التبادلية العامة، بينما تجاوز فقدانها 35 في المائة في ما يتعلق بالإنفاق على السلة الغذائية، وهي مؤشرات يرى الاتحاد أنها تكشف عمق التحول الذي طرأ على ميزانية الأسر خلال السنوات الأخيرة.
ومن منظور النقابة، فإن النقاش حول التضخم لا ينبغي أن يتوقف عند النسب الإحصائية، وإنما يجب أن ينتقل إلى أثرها المباشر على الحياة اليومية، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر التي لا تملك هوامش مالية تسمح لها بامتصاص الارتفاع المتواصل في تكاليف الغذاء والسكن والخدمات.
زيادات الأجور تحت ضغط التضخم
في المقابل، اعتبر الاتحاد أن التدابير المتعلقة بتحسين الأجور لم تكن، في تقديره، كافية لتعويض الارتفاع المسجل في تكاليف المعيشة.
وانتقدت المذكرة ما وصفته بـ«تقسيط» الزيادات الأجرية زمنياً، معتبرة أن ذلك أضعف أثرها على القدرة الشرائية، كما سجلت عدم استفادة فئات من هذه الزيادات، وفي مقدمتها عدد من المتقاعدين والعاملين في القطاع الخاص.
وترى المركزية النقابية أن الفارق بين نمو الأسعار وتطور المداخيل أفرغ جزءاً من الزيادات الاسمية في الأجور من أثرها الاقتصادي والاجتماعي، وجعل تحسين الدخل لا ينعكس بالضرورة على مستوى المعيشة بالوتيرة نفسها.
سوق الشغل.. أرقام ثقيلة خارج دائرة الإدماج
في ملف التشغيل، وصفت المذكرة الوضع بأنه من أبرز مكامن الاختلال خلال الولاية الحكومية، مشيرة إلى وجود نحو 3 ملايين شاب وشابة خارج التعليم أو التشغيل أو التكوين.
كما سجلت ارتفاع معدل بطالة الشباب من 32.7 في المائة سنة 2022 إلى 37.2 في المائة سنة 2025، معتبرة أن هذه الأرقام تعكس صعوبة إدماج شريحة واسعة من الشباب في الدورة الاقتصادية.
وأثار الاتحاد كذلك طبيعة الوظائف التي ينتجها الاقتصاد، مشيراً إلى أن قطاع الخدمات يستقطب نحو 49.1 في المائة من المشتغلين بمقابل، وهي نسبة اعتبرها مرتفعة، خصوصاً مع هيمنة أنشطة ذات إنتاجية محدودة واتساع نطاق التشغيل غير المهيكل الذي يفتقر، وفق المذكرة، إلى الضمانات الاجتماعية والاستقرار والأجور الملائمة.
من رهان «الكابلاج» إلى سؤال القدرة التنافسية
وتطرقت المذكرة إلى قطاع صناعة أسلاك السيارات، المعروف بـ«الكابلاج»، معتبرة أن هذا النشاط فقد جزءاً من قدرته السابقة على استقطاب اليد العاملة، رغم الرهان الذي ظل يحظى به ضمن الاستراتيجية الصناعية الوطنية.
ويضع الاتحاد هذا التطور ضمن سؤال أوسع يتعلق بقدرة الاقتصاد المغربي على الانتقال من نموذج يقوم على استقطاب اليد العاملة في أنشطة صناعية ذات قيمة مضافة محدودة إلى نموذج قادر على إنتاج وظائف أكثر استقراراً وإدماجاً وأعلى مردودية.
الصحة والتعليم.. نزيف بشري وهدر مدرسي
لم تقتصر انتقادات الاتحاد على المؤشرات الاقتصادية، إذ تناولت كذلك قطاعات الصحة والتعليم، محذراً من استمرار ما وصفه بـ«نزيف الأطباء»، إلى جانب استمرار ظاهرة الهدر المدرسي.
وأشارت المذكرة إلى أن معدل الهدر المدرسي بلغ، مع نهاية الموسم الدراسي 2025-2026، نحو 6 في المائة، مقابل هدف محدد في 1.6 في المائة، رغم رصد ميزانية تفوق 86 مليار درهم للقطاع، وفق المعطيات التي أوردتها النقابة.
ويرى الاتحاد أن اتساع الفارق بين الموارد المرصودة والنتائج المسجلة يفرض مراجعة آليات تنفيذ السياسات العمومية وقياس أثرها، بدل الاكتفاء بحجم الاعتمادات المالية المخصصة للقطاعات الاجتماعية.
تشغيل الشباب لاستعادة الثقة
وبالنسبة إلى المرحلة المقبلة، وضع الاتحاد قضية الشباب في صدارة مطالبه، داعياً إلى إطلاق خطة وطنية طارئة للتشغيل تستهدف بصورة خاصة الشباب الموجودين خارج التعليم والتكوين والعمل.
واقترحت المركزية النقابية اعتماد برامج تكوين مهني مجانية ومندمجة، تكون مرتبطة بصورة مباشرة بحاجيات سوق الشغل، إلى جانب إعادة هندسة الدبلومات والشهادات بما يجعلها أكثر اتصالاً بالمهن والقطاعات الصاعدة، خصوصاً في مجالات الرقمنة والطاقات المتجددة والصناعات عالية التقنية.
كما دعا الاتحاد إلى إطلاق مبادرة وطنية لإعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات، رابطاً هذا المطلب بالسياقات الاجتماعية التي أفرزت، بحسب الأمين العام للاتحاد، أحداث التدفقات الجماعية نحو سبتة المحتلة نهاية يوليوز الماضي.
إصلاح التقاعد بعيداً عن «الحلول الترقيعية»
وفي ملف أنظمة التقاعد، طالب الاتحاد بإطلاق إصلاح بنيوي وتشاركي لصناديق التقاعد، بمشاركة فعلية للنقابات، رافضاً ما وصفه بالحلول الأحادية الجانب التي تحمل الموظفين والأجراء كلفة الإصلاح من خلال رفع سن التقاعد أو زيادة الاشتراكات أو تقليص قيمة المعاشات.
ويرى التنظيم النقابي أن إصلاح منظومة التقاعد ينبغي أن يقوم على مقاربة شاملة تستحضر استدامة الصناديق، وفي الوقت نفسه تحمي الحقوق الاجتماعية للأجراء والمتقاعدين.
النقابة تطالب بإعادة ترتيب قواعد اللعبة الاجتماعية
وشملت المقترحات أيضاً الدعوة إلى الإسراع بإصدار قانون تنظيمي جديد ومستقل للنقابات المهنية، إلى جانب مراجعة جذرية للقوانين الانتخابية المتعلقة بانتخابات المأجورين ومندوبي الأجراء.
ويضع الاتحاد هذه المطالب ضمن تصور أوسع للحكومة المقبلة، يقوم على إعادة ترتيب العلاقة بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وربط السياسات العمومية بمؤشرات ملموسة تتعلق بالدخل والتشغيل وجودة الخدمات العمومية والقدرة الفعلية للمواطنين على مواجهة تكاليف الحياة.
وبذلك، يقدّم الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب حصيلة الولاية الحكومية من زاوية اجتماعية تضع الأسعار والأجور والتشغيل والخدمات العمومية في قلب التقييم، داعياً الحكومة المقبلة إلى الانتقال من معالجة الاختلالات بصورة قطاعية إلى اعتماد سياسة اجتماعية أكثر شمولاً، يكون معيارها الأساسي مدى انعكاس النمو والاستثمار العمومي على الحياة اليومية للمواطنين.
ـ الصورة من الأرشيف ـ

أحمد الشيخاوي: دفاتر الوراق” للأردني جلال برجس.. تشاكل سرديات الفقد والتحول والانتماء
حملة مواطنية تطالب بالإفراج عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي بالمغرب
OCP يتجاوز تقلبات السوق العالمية بـ48.4 مليار درهم من رقم المعاملات
نداء عربي من الرباط للتحرك الدولي العاجل لحماية الأسرى الفلسطينيين من الإعدام