كش بريس/التحرير ـ
دخل حزب الاستقلال مرحلة أكثر تقدماً في التحضير للانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، مع انتقال قيادته من تدبير الترشيحات في إطارها الداخلي إلى إعادة رسم خريطة مرشحيه على مستوى عدد من الدوائر الانتخابية، في خطوة تكشف مبكراً عن ملامح المنافسة التي ستطبع الاستحقاق المقبل.
وأعلنت اللجنة التنفيذية للحزب، عقب اجتماعها المنعقد الاثنين 3 غشت الجاري، عن دفعة جديدة من التزكيات، بعد دراسة الملفات المحالة عليها وإخضاعها لآلية فحص من طرف لجنة الأخلاقيات والسلوك، في مسعى تقول قيادة الحزب إنه يهدف إلى مطابقة الترشيحات مع مقتضيات النظام الأساسي وميثاق السلوك الداخلي.
وتوزعت الدفعة الجديدة على عدد من الجهات، من الشمال إلى الجنوب، بما يؤشر على رغبة الحزب في تسريع بناء لوائحه المحلية وعدم انتظار اقتراب موعد الاقتراع للحسم في أسماء مرشحيه.
ففي جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، اختار الحزب محمد الحموداني لقيادة لائحته بدائرة الحسيمة، بينما اتجه في جهة الشرق إلى توحتوح محمادي بدائرة الناظور، وهو اسم قادم من حزب التجمع الوطني للأحرار، أحد مكونات الأغلبية الحكومية.
وتتكرر ملامح الحسم في جهة فاس–مكناس، حيث تمت تزكية الحسن سليغوة بدائرة فاس الشمالية، والحسن اليمني بدائرة مكناس، ومحمد سوفان بدائرة تاونات–تيسة، في وقت اختار فيه الحزب بجهة مراكش ـ آسفي عبد العزيز الدرويش بدائرة المدينة سيدي يوسف بن علي، أما على مستوى الرباط ـ سلا فاختار بدائرة الرباط–شالة، وإدريس السنتيسي، القيادي والبرلماني السابق عن حزب الحركة الشعبية، بدائرة سلا المدينة.
أما في جهة بني ملال–خنيفرة، فقد حسم الحزب ترشيح عبد العالي بروكي بدائرة أزيلال–دمنات، فيما اختار بجهة مراكش–آسفي عبد العزيز درويش بدائرة المدينة–سيدي يوسف بن علي، ومنح تزكيته لشادي بولون بدائرة طانطان.
غير أن أهمية هذه الدفعة لا تكمن فقط في عدد الأسماء التي جرى الإعلان عنها، وإنما في طبيعة الاختيارات السياسية التي تقف خلفها. فاستقطاب مرشحين لهم تجارب سابقة داخل أحزاب أخرى، ولا سيما أحزاب الأغلبية الحكومية، يكشف أن المنافسة الانتخابية بدأت تفرض نفسها داخل التحالف الحكومي قبل أن تصل إلى صناديق الاقتراع.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة في ظل كون الأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية تستعد للاستحقاق نفسه، وهو ما يجعل عدداً من الدوائر المحلية ساحات محتملة لتنافس مرشحين ينتمون إلى مكونات سياسية يفترض أنها تلتقي في إطار الأغلبية الحكومية، لكنها تدخل الانتخابات بمنطق مختلف تحكمه حسابات المقاعد والامتداد المحلي والقدرة على تعبئة الناخبين.
ومن هذه الزاوية، تبدو تحركات حزب الاستقلال أقرب إلى إعادة هندسة حضوره الانتخابي المحلي، من خلال الجمع بين الحفاظ على أسماء الحزب وفتح المجال أمام وجوه تمتلك شبكات انتخابية وحضورا ميدانيا خارج البنية التقليدية للتنظيم. وهي استراتيجية تسمح للحزب بتوسيع هامش المناورة في الدوائر التي تحتاج إلى مرشحين قادرين على خوض منافسة انتخابية قوية، بدل الاقتصار على منطق الترشيح التنظيمي الداخلي.
وتأتي هذه الدينامية في سياق سياسي بدأ يشهد انتقال الأحزاب تدريجياً من مرحلة الإعداد الداخلي إلى مرحلة اختبار موازين القوى على الأرض. فمع اقتراب موعد 23 شتنبر، تتحول عملية اختيار المرشحين من قرار تنظيمي إلى عنصر مؤثر في رسم التحالفات المحلية، واستقطاب الأعيان والفاعلين الانتخابيين، وإعادة توزيع مراكز النفوذ داخل عدد من الدوائر.
كما أن لجوء الحزب إلى لجنة الأخلاقيات والسلوك لفحص الترشيحات يضيف بعداً تنظيمياً إلى هذه العملية، إذ تسعى القيادة إلى تقديم التزكيات باعتبارها نتيجة لمسار مؤسساتي داخلي، لا مجرد استجابة لضغوط انتخابية محلية. ويمنح هذا المسار القيادة هامشاً أكبر في ضبط الاختيارات، خصوصاً في مرحلة يمكن أن تتسع فيها المنافسة داخل الحزب نفسه حول من يملك أحقية الترشح ومن يمتلك الحظوظ الانتخابية الأكبر.
وتكشف الدفعة الثانية، في الوقت ذاته، أن معركة الاستقلال لن تدار فقط من داخل الحزب، وإنما ستتأثر أيضاً بقدرة القيادة على إعادة تركيب خريطتها المحلية واستقطاب شخصيات قادرة على تغيير موازين المنافسة في دوائر محددة.
ومن المرتقب أن تحمل الدفعات المقبلة من التزكيات مؤشرات أكثر وضوحاً بشأن الرؤية الانتخابية للحزب، خصوصاً في الدوائر التي تعرف تقاطعاً بين الطموحات الانتخابية لمرشحي أحزاب الأغلبية. فكلما اقترب موعد الاقتراع، ستصبح مسألة توزيع الترشيحات داخل هذه الدوائر أكثر حساسية، وقد تضع أحزاب التحالف الحكومي أمام اختبار صعب يتمثل في كيفية الفصل بين التعايش الحكومي والمنافسة الانتخابية.
وبذلك، لا تبدو عملية التزكيات مجرد إجراء تنظيمي لتغطية الدوائر الانتخابية، وإنما إحدى أولى ساحات الصراع الانتخابي الفعلي. فالأحزاب التي تنجح في حسم مرشحيها مبكراً تملك وقتاً أطول لبناء حملاتها المحلية، وترتيب شبكاتها التنظيمية، واستقطاب الفاعلين المؤثرين، وقياس اتجاهات الناخبين قبل الدخول في الحملة الرسمية.
ويقدم حزب الاستقلال هذه العملية باعتبارها جزءاً من مسار يهدف إلى اختيار مرشحين تتوفر فيهم شروط الكفاءة والنزاهة والاستحقاق، وقادرين على تمثيل المواطنين والدفاع عن قضاياهم، مع التشديد على مبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
لكن ما ستكشفه الدفعات المقبلة سيكون أكثر أهمية من البيانات التنظيمية نفسها: هل ينجح الحزب في تحويل هذه التزكيات إلى قوة انتخابية فعلية، وهل يؤدي استقطاب وجوه من أحزاب الأغلبية إلى تعزيز موقعه داخل التحالف، أم إلى توسيع رقعة التنافس بين مكوناته قبل الوصول إلى يوم الاقتراع؟
أسئلة ستجد أجوبتها تدريجياً مع اكتمال الخريطة الانتخابية للأحزاب، وانتقال المنافسة من مكاتب التنظيمات السياسية إلى الدوائر التي ستحدد في نهاية المطاف موازين القوى داخل البرلمان المقبل.

زلزال داخل «فيفا».. ثلاث كونفدراليات كبرى تفتح معركة الحكامة وتضع إنفانتينو أمام أزمة ثقة غير مسبوقة
نقابات الصحافة تحذر من «التسرع» في انتخابات المجلس الوطني للصحافة وتعلن التصعيد الاحتجاجي
إعادة الثقة في عبد العزيز درويش.. رهان على استكمال المشاريع وإعادة الاعتبار للتنمية المحلية بمراكش