
كش بريس/التحرير ـ عادت الأقسام التحضيرية العمومية إلى واجهة النقاش التربوي بالمغرب، بعد تحذيرات نقابية من تراجع جاذبيتها وفقدانها التدريجي لمكانتها التاريخية باعتبارها أحد أبرز مسارات التميز الأكاديمي في المدرسة العمومية. وفي خطوة تعكس حجم القلق المتنامي بشأن مستقبل هذه المؤسسات، وجه المكتب الوطني للجامعة الوطنية للتعليم – التوجه الديمقراطي مراسلة إلى وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، دق فيها ناقوس الخطر بشأن ما وصفه بالوضعية المقلقة التي باتت تعيشها الأقسام التحضيرية العمومية.
وأكدت النقابة أن هذه المؤسسات تواجه نزيفاً متواصلاً يتمثل في انتقال أعداد متزايدة من التلميذات والتلاميذ المتفوقين نحو مؤسسات خاصة وشبه عمومية أو أخرى قائمة على صيغ الشراكة، معتبرة أن هذا التحول لا يعكس بالضرورة تفوقاً بيداغوجياً لهذه المؤسسات بقدر ما يستند إلى استقطاب نخبة المتعلمين الذين راكمت المدرسة العمومية تكوينهم وتأهيلهم على امتداد سنوات الدراسة السابقة.
وأوضحت المراسلة أن النتائج الجيدة التي تحققها بعض المؤسسات المنافسة للأقسام التحضيرية العمومية ترتبط أساساً بقدرتها على جذب أفضل التلاميذ وتوفير محيط تنافسي محفز، مشيرة إلى أن نجاح أي منظومة تحضيرية لا يرتبط فقط بجودة التأطير التربوي، بل يتأسس أيضاً على طبيعة الرأسمال البشري الذي تستقطبه وقدرتها على الحفاظ عليه.
وربطت الجامعة الوطنية للتعليم الأزمة الحالية التي تعيشها الأقسام التحضيرية العمومية بجملة من الاختلالات البنيوية التي راكمتها المنظومة خلال السنوات الأخيرة، على رأسها استنزاف الكفاءات التلميذية على الصعيد الوطني، الأمر الذي انعكس سلباً على مستوى التنافسية الداخلية وعلى الإشعاع الأكاديمي الذي كانت تتمتع به هذه المؤسسات.
ولم يقتصر الأمر، بحسب الوثيقة، على هجرة المتفوقين، بل امتد ليشمل الأطر التربوية ذات الخبرة والكفاءة، التي أصبحت تتجه نحو مؤسسات توفر ظروف اشتغال أكثر جاذبية من حيث الإمكانات المهنية والمادية، في ظل غياب سياسات واضحة لتثمين الكفاءات والحفاظ عليها داخل القطاع العمومي.
وسجلت النقابة كذلك استمرار مظاهر الضعف المرتبطة بالحكامة والتدبير الإداري والبيداغوجي داخل عدد من مؤسسات الأقسام التحضيرية، معتبرة أن غياب رؤية استراتيجية متكاملة لإعادة تأهيل هذا المسار التعليمي ساهم في تراجع أدائه وفقدانه تدريجياً لعناصر القوة التي ميزته لعقود.
كما انتقدت محدودية المواكبة التربوية وضعف آليات التتبع والدعم البيداغوجي، إلى جانب التفاوت الكبير في ظروف الدراسة والإقامة والتجهيزات والخدمات بين المؤسسات العمومية ونظيراتها المنافسة، وهو ما يخلق، وفق تعبيرها، بيئة غير متكافئة تدفع العديد من المتفوقين إلى البحث عن فضاءات تعليمية أخرى توفر شروطاً أفضل للتحصيل والنجاح.
وأشارت الوثيقة إلى أن بعض المؤسسات العمومية تجد نفسها أمام وضعية مفارقة، إذ تستثمر جهوداً تربوية وبشرية كبيرة في تأهيل التلاميذ، قبل أن تنتقل نسبة منهم إلى مؤسسات أخرى خلال المسار الدراسي نفسه، ما يحرمها من جني ثمار عملها ويعمق منطق الاستنزاف بدل بناء منظومة قائمة على التكامل والتعاون.
وفي هذا السياق، دعت النقابة إلى إخضاع تجربة الشراكات المعتمدة في مجال الأقسام التحضيرية لتقييم موضوعي وشامل، يحدد آثارها الحقيقية على المدرسة العمومية ومدى انسجامها مع مبدأ تكافؤ الفرص بين مختلف فئات المجتمع.
وطالبت الجامعة الوطنية للتعليم بفتح نقاش وطني واسع حول مستقبل الأقسام التحضيرية العمومية، يشارك فيه مختلف الفاعلين التربويين والنقابيين والمؤسساتيين، بهدف بلورة رؤية إصلاحية قادرة على إعادة الاعتبار لهذا المسار التعليمي الاستراتيجي. كما دعت إلى إجراء تقييم مستقل لمدى تأثير المؤسسات الخاصة وشبه العمومية على المنظومة العمومية، واتخاذ إجراءات عملية للحد من نزيف استقطاب المتفوقين والكفاءات.
وشددت المراسلة على ضرورة تحسين شروط الدراسة والإقامة والتأطير والتجهيز داخل الأقسام التحضيرية العمومية، وتوفير بيئة تعليمية أكثر جاذبية تسمح باستعادة الثقة في هذا النموذج التربوي، إلى جانب مراجعة أنماط الحكامة والتدبير بما يعزز الاستقلالية البيداغوجية ويرفع من فعالية الأداء.
وتعكس هذه التحذيرات النقابية حجم التحديات التي تواجه أحد أهم مسالك التميز في التعليم العمومي المغربي، في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول قدرة السياسات التعليمية الحالية على ضمان العدالة وتكافؤ الفرص والحفاظ على الكفاءات الوطنية داخل المؤسسات العمومية، بما يصون دورها التاريخي في إنتاج النخب العلمية والأكاديمية وتأهيلها لخدمة التنمية الوطنية.





