ـ قالت إن الجسد جزء من التجربة الإنسانية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة سهلة لجذب الانتباه، وأن ما يعنيها في الكتابة هو الإنسان بكل هشاشته وأسئلته ورغباته وحنينه وخوفه.
حاورها أحمد الشيخاوي
هي قامة حداثية، ترشق من قلب القوة الناعمة، فتهدل حروفها مخاتلات مغريات، على النحو المذكر بحالة صاحب الحمامة في عزلته وتمسّكه بالأمل حتى في أقصى حالات الشكوى والمكابدات والانزواء، حين أنشد يقول:
أَيَضحَكُ مَأسورٌ وَتَبكي طَليقَةٌ/ وَيَسكُتُ مَحزونٌ وَيَندِبُ سالِ
بيد ان شاعرتنا كصوت استثنائي وقد آثرت أن تكون قصيدة النثر لسانا لواقعها وتجربتها، ما تنفك تنتصر للحياة وتحتفي بسائر ألوانها، بما في ذلك الأبيض والأسود، في سياقات تضيء عتمة الذات والعالم، ما مكّنها من بصم هويتها الشعرية المتفرّدة والخاصة، في مشهدنا الإبداعي العربي من محيطه إلى خليجه، بوعي واختمار ومسؤولية واستحقاق.
إنها الشاعرة القطرية سعاد الكواري التي سبق أن قلت فيها، من خلال دراسة قاربت تجربتها، يضمّها كتاب” شعرية النص الموازي” الصادر عن دار الآن/ ناشرون وموزعون، طبعة2021، الأردن:
{مثلما هو جليّ، تكتسي شعرية صاحبتنا الفرادة من معجم الاتكاء المفرط على ميكانيزم الأنوية السحيقة جدا واستكناهها داخل عوالم معاناة، تجيد الذات عبرها الإصغاء إلى الصوت الداخلي للتجربة الدالة على ميتافيزيقيا اللفظ والمعنى وعزلة الفعل الإبداعي المشحون بالتفاصيل الحياتية والمتماهي مع تقنيات تقزيم الوظيفة الوجدانية الجزافية والإسراف في درجات إقحام المتون القلبية الطافحة بها شعريات ما قبل الحداثة والمغرقة في الغزليات والمقدمات الطللية.}.

أسعدتنا استضافتها، في موقع “كش بريس” وهي الجديرة بالاحتفاء والتكريم، فكان لنا معها هذا الحوار:
- في البداية، نلتمس منك، وضعنا في الصورة كاملة، من هي سعاد الكواري: الشاعرة فالناشرة فالإنسانة؟
سعاد الكواري شاعرة قبل كل شيء، لأن الشعر بالنسبة إليّ ليس مهنة ولا ترفاً، بل طريقة في النظر إلى العالم ومقاومة اعتياده. وأنا أيضاً ناشرة، وجدت في النشر مساحة أخرى للاهتمام بكتبي من الكتابة إلى النشر .
أما الإنسانة، فهي امرأة تنتمي إلى بيئتها وذاكرتها وأسئلتها، لكنها لا تريد أن تبقى أسيرة لها. أؤمن بأن الهوية ليست جداراً نعزل أنفسنا خلفه، وإنما نافذة نطل منها على الآخر. وربما لهذا جاءت تجربتي موزعة بين الشعر والنشر والاشتغال الثقافي، لأنني أرى أن هذه المجالات، في جوهرها، تصب في سؤال واحد: كيف يمكن للإنسان أن يترك أثراً جميلاً وصادقاً في هذا العالم؟
2- لعل الشواعر في تمثيلهن لتلكم القوة الناعمة، استطعن اكتساح المشهد العربي، وأثبتن جدارتهن وضلوعهن، فكسرن بالتالي السطوة والغرور الذكوري.. أيهن الأقرب إلى قلبك، من حيث نضج التجربة الشعرية والحضور الإبداعي الذي يترجم روح الابتكار والتجديد؟
يصعب أن أضع اسماً واحداً في مقدمة هذا المشهد، لأن الشعر النسائي العربي غني بتجارب متعددة ومختلفة، ولكل شاعرة مشروعها وحساسيتها وأدواتها. أحب التجارب التي لا تكتب المرأة باعتبارها «امرأة» فقط، وإنما باعتبارها شاعرة تمتلك رؤيتها الخاصة للعالم.
هناك أسماء كثيرة أعود إليها باستمرار، من أجيال وتجارب مختلفة، لكن ما يجذبني دائماً هو الشعر الذي يمتلك صوته، ولا يستعير صوته من أحد. وأعتقد أن أجمل ما حققته الشاعرات العربيات هو أنهن لم يعدن بحاجة إلى إثبات أنهن قادرات على الكتابة؛ لقد أصبحن جزءاً أصيلاً من المشهد الشعري، والحوار الحقيقي اليوم ينبغي أن يكون حول قيمة النص، لا جنس كاتبه.
3- تصطبغ تجربتك بجملة من التيمات التي تدور حول الهم الهوياتي والمركزية الإنسانية وبعض الشوقيات.. كيف أمكنك الحفاظ على المسافة بينك وبين عوالم الأيروتيكية التي أغرت كثيرات، في عصر يُسلْعِن الجسد؟
أنا لا أتعامل مع الجسد باعتباره منطقة محرمة في الشعر، ولا باعتباره سلعة شعرية في الوقت نفسه. الجسد جزء من التجربة الإنسانية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة سهلة لجذب الانتباه.
ما يعنيني في الكتابة هو الإنسان بكل هشاشته وأسئلته ورغباته وحنينه وخوفه. لذلك حين يمر الجسد في قصيدتي، فإنه يمر بوصفه جزءاً من الوجود، لا بوصفه مادة للاستعراض. وأعتقد أن الفرق بين الشعر الحقيقي واستثمار الإثارة يكمن في اللغة وفي العمق الإنساني الذي تقودنا إليه الصورة الشعرية.

4- هلاّ سقت لنا جرداً بمجموعة دواوينك، لحد الآن، مع منحنا فكرة مقتضبة حول كل منها على حدة، رغبة منا وحرصاً على تقريب المتلقي العربي والمغربي بشكل خاص، من ماهية مشروعك الشعري الممتد؟
أميل إلى النظر إلى دواويني باعتبارها محطات في مسار واحد أكثر من كونها كتباً منفصلة. كل مجموعة شعرية جاءت في مرحلة مختلفة من حياتي، ولذلك حملت أسئلتها وقلقها ونبرتها الخاصة.
في البدايات كان الهاجس هو اكتشاف الصوت الشعري ومحاولة الإمساك باللغة والذات، ثم أخذت التجربة تتجه أكثر نحو أسئلة الذاكرة والهوية والحب والمنفى الداخلي والعلاقة بالآخر. ومع الوقت أصبحت القصيدة أكثر اختصاراً وأقل احتفالاً بالزخرفة، وأكثر ميلاً إلى التقاط اللحظة الإنسانية العابرة.
لذلك لا أريد أن أقدم دواويني باعتبارها عناوين منفصلة فقط، وإنما باعتبارها سيرة شعرية تتغير فيها الشاعرة بقدر ما تتغير القصيدة. وأظن أن القارئ حين يقرأ التجربة كاملة سيجد خيطاً ممتداً بينها، حتى وإن اختلفت الموضوعات والأشكال.
5- هل لعامل العمر تأثير معين على جِلد القصيدة؟
بالتأكيد. العمر لا يغير القصيدة فقط، بل يغير علاقتنا باللغة وبالأشياء وبأنفسنا.
في البدايات نكتب كثيراً لأن لدينا رغبة في قول كل شيء، ومع الزمن نتعلم أن الصمت أحياناً يمكن أن يكون أكثر شعرية من الكلام. تصبح القصيدة أكثر هدوءاً، وربما أكثر قسوة وصدقاً.
العمر يمنح الشاعر شيئاً لا يمكن تعلّمه من الكتب: التجربة. لكنه لا يضمن الشعر. فقد يكون الشاعر شاباً ويمتلك حكمة شاعر عاش طويلاً، وقد يتقدم العمر بالإنسان دون أن يمنحه بالضرورة عمقاً. المسألة في النهاية ليست في عدد السنوات، وإنما في مقدار ما عشناه منها.
6- في تقديري، ألا تخدش التصنيفات الضيقة والجائرة، المتشدقة بمفاهيم من قبيل «النسوية»، وتشوه ملامح مشهد إبداع المساواة، فتعطل بذلك الحراك الحداثي كأصقل مرآة معرية لوجه الوطن، من غير أقنعة ولا نفاق؟
أنا مع كل خطاب ينتصر للإنسان وكرامته وحريته، لكنني لا أحب أن تتحول التصنيفات إلى أقفاص.
يمكن أن نقرأ النص من زاوية نسوية، أو اجتماعية، أو سياسية، أو جمالية، لكن لا ينبغي أن نختزل الشاعرة في التصنيف. المرأة ليست جنساً أدبياً، والرجل ليس جنساً أدبياً. هناك نص جيد ونص رديء، نص حقيقي ونص مصنوع، نص يضيف إلى الأدب ونص يستهلكه.
المساواة الحقيقية تبدأ عندما نقرأ المبدع بوصفه مبدعاً، لا بوصفه ممثلاً إلزامياً لجنسه أو فئته.
7- الأوبة إلى الطفولة البعيدة، في سياق مكاشفات الذاكرة والموروث، بأي منسوب استحوذت على شعرية منجزك؟
الطفولة تسكنني أكثر مما أستدعيها. وهي ليست مجرد زمن مضى، بل مكان داخلي أعود إليه كلما احتجت إلى أن أستعيد شيئاً من براءتي الأولى.
في الذاكرة الخليجية تحديداً تفاصيل صغيرة جداً يمكن أن تصبح قصيدة: رائحة البحر، البيوت القديمة، أصوات النساء، الحكايات الشعبية، الأشياء التي كنا نظن أنها عادية ثم اكتشفنا لاحقاً أنها كانت تصنع وعينا.
أعتقد أن الشعر في جانب كبير منه محاولة للعودة إلى تلك اللحظة التي لم نكن فيها نعرف أسماء الأشياء، لكننا كنا نشعر بها بعمق.

8- هل أنصف النقد، سعاد الكواري؟
لا أعتقد أن الشاعر ينبغي أن يقيس تجربته بمقدار ما ناله من النقد. النقد الحقيقي إضافة، لكنه ليس شهادة صلاحية للشاعر.
ربما لم تأخذ تجربتي نصيبها الذي كنت أتوقعه من النقد العربي، وربما يعود ذلك إلى أسباب كثيرة، من بينها مركزية بعض المؤسسات الثقافية، وقلة التواصل النقدي بين المشرق والمغرب والخليج.
لكنني في النهاية أفضل أن يظل النص هو الذي يتحدث. قد يأتي النقد متأخراً، وقد يعيد اكتشاف تجربة بعد سنوات. الأدب طويل العمر، أما الأحكام السريعة فعمرها قصير.
9- البعض من النقاد يقدمونك على أنك واحدة من أبرز أصوات الحداثة الشعرية الخليجية… ألا تجدين شحاً في نظير هذا التقديم من طرفهم؟
ربما هناك شح فعلاً، لكنني لا أحب أن أطالب النقاد بما أراه مناسباً لتجربتي. النقد حر مثل الشعر، وله أولوياته ومساحاته وأسئلته.
يسعدني بالطبع أن يقرأ ناقد تجربتي بعمق وأن يضعها في سياقها العربي والعالمي، لكنني لا أبحث عن لقب «أبرز» أو «الأهم». هذه الألقاب لا تصنع شاعراً.
ما أتمناه هو قراءة جادة تتوقف عند النص، وتناقش تحولات التجربة وأدواتها وموقعها ضمن الشعر العربي المعاصر. أما الأوصاف الكبيرة، فتسعدنا للحظة، لكن النص هو الذي يبقى.
10- هل من الممكن أن يُكتب شكل شعري جديد، غير قصيدة النثر، سعاد الكواري، في يوم ما؟
ولمَ لا؟ الشعر لا يعترف بالنهايات.
قصيدة النثر نفسها لم تأتِ لتعلن نهاية الأشكال الشعرية، وإنما جاءت بوصفها استجابة لتحولات في الحساسية واللغة والرؤية. وربما يأتي شكل آخر لا نعرف اسمه اليوم.
أنا شخصياً لا أبحث عن الشكل بقدر ما أبحث عن الضرورة الشعرية. حين تكون الفكرة والإحساس بحاجة إلى شكل جديد، ستجد اللغة شكلها. الشاعر الحقيقي لا يقرر مسبقاً أنه سيكتب قصيدة تنتمي إلى هذا الشكل أو ذاك؛ النص هو الذي يفرض هندسته.
11- هجرة الشعر إلى الرواية، في مجملها، أضحت مجرد موضة، هل من الممكن أن تطالعنا الشاعرة سعاد الكواري غداً أو بعده، بمثل هذا الانزياح الأجناسي؟
الرواية ليست موضة، لكنها بالتأكيد أصبحت فضاءً مغرياً لكثير من الشعراء، وربما لأن الرواية تمنحهم مساحة أوسع للحكاية والشخصيات والتفاصيل.
أما أنا، فلا أستطيع أن أقول إنني لن أكتب رواية. ربما يحدث ذلك يوماً، إذا وجدت الحكاية التي تستحق أن أتنازل من أجلها عن اقتصاد القصيدة.
لكنني حتى الآن أشعر أن الشعر هو بيتي الأول، والرواية تحتاج إلى بيت آخر وإلى نفس مختلف. فإذا جاءت الرواية، أتمنى ألا تكون مجرد «تجربة شاعر يكتب رواية»، بل رواية حقيقية لها أسبابها وضرورتها.

12- كيف توفقين بين الكتابة الشعرية والعمل كمديرة لدار نشر؟
التوفيق ليس سهلاً، لكنه ممكن لأن المجالين يكمل أحدهما الآخر.
الشعر يجعلني أتعامل مع الكتاب بوصفه تجربة إبداعية، والنشر يجعلني أراه أيضاً بوصفه مشروعاً يحتاج إلى التخطيط والتسويق والتوزيع والصبر.
قد يكون العمل في دار النشر مرهقاً ويستهلك وقتاً كبيراً، لكنه في المقابل يفتح أمامي يومياً أبواباً على تجارب وأصوات وكتب مختلفة. وربما هذا الاحتكاك المستمر بالكتابة يجعلني أكثر حرصاً حين أعود إلى قصيدتي.
أحاول فقط ألا أجعل الناشرة تفرض شروطها على الشاعرة، ولا الشاعرة تفرض حساسيتها على الناشرة.
13- كلمة أخيرة؟
أشكر موقع «كيش بريس» على هذه المساحة، وعلى الرغبة في فتح النوافذ بين التجارب العربية بعيداً عن الحدود الجغرافية والتصنيفات الجاهزة.
وأعتقد أن الثقافة العربية اليوم بحاجة إلى مزيد من الحوار، لا مزيد من العزلة. نحن نملك أصواتاً شعرية وسردية وفنية كثيرة تستحق أن تُقرأ خارج جغرافياتها المحلية.
أما الشعر، فسأظل أؤمن بأنه تلك المساحة الصغيرة التي يستطيع فيها الإنسان أن يقول ما عجز عن قوله في الحياة. وربما لهذا السبب، رغم كل التحولات، لا يزال الشعر قادراً على أن ينجو.

التقدم والاشتراكية يحذر من منشورات انتخابية منسوبة إليه ويدعو إلى التحقق من مصادرها
التهامي أغنيم: مفهوم الإبداعية في قصيدة “تموز جيكور” لبدر شاكر السياب
الاقتصاد المغربي يستعد لـ2027 بنمو متوقع بـ4,1% واستثمار أقوى
سيارات مخصصة لنقل المتمدرسين والأطفال في وضعية إعاقة تُسخّر للانتخابات بمراكش.. مراسلة للولاية تثير الاستغراب