‏آخر المستجداتالمجتمع

العدالة المناخية وحقوق الإنسان.. مؤتمر دولي يرسم ملامح عقد بيئي جديد

ـ دعوات لتوسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليشمل جرائم البيئة في زمن السلم ـ

كش بريس/التحرير ـ اختتمت بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة القاضي عياض بمراكش أشغال المؤتمر الدولي العاشر الذي نظمه مختبر الدراسات الدولية والدستورية وتحليل الأزمات والسياسات (LEICACP)، بشراكة مع مؤسسة هانس سايدل والكتاب العربي للقانون الدولي، يومي 24 و25 يونيو 2026، تحت شعار: “العدالة المناخية وحقوق الإنسان”.

وشكل هذا اللقاء العلمي الدولي فضاءً للحوار بين باحثين وأكاديميين وخبراء قانونيين من تخصصات متعددة، سعوا إلى تفكيك العلاقة المركبة بين التغيرات المناخية ومنظومة الحقوق والحريات، والبحث في مدى قدرة القانون الوطني والدولي على الاستجابة للتحديات المتزايدة التي تفرضها الأزمة المناخية على المجتمعات والدول، خصوصاً الفئات الهشة والدول الأقل إسهاماً في إنتاج الانبعاثات الكربونية.

وأكد المشاركون أن مفهوم العدالة المناخية لم يعد يقتصر على الجوانب البيئية المحضة، بل أصبح إطاراً نظرياً وأخلاقياً وقانونياً يسلط الضوء على الاختلال القائم في توزيع الأعباء المناخية على المستوى العالمي. فبينما تتحمل الدول الصناعية الكبرى المسؤولية التاريخية عن الجزء الأكبر من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، تجد الدول النامية والمجتمعات الفقيرة نفسها في مواجهة التداعيات الأكثر قسوة، من جفاف وتصحر وندرة المياه وتهديد الأمن الغذائي وارتفاع مخاطر النزوح والهجرة القسرية.

وشهدت جلسات المؤتمر نقاشاً معمقاً حول التطور الذي عرفته العدالة المناخية داخل المؤسسات القضائية الدولية، بعدما انتقلت من فضاء المطالبات السياسية والأخلاقية إلى فضاء التقاضي الدولي. وتم التذكير بأن الاعتراف بالحق في بيئة سليمة يعود إلى التحولات التي أطلقتها الأمم المتحدة منذ مؤتمر ستوكهولم سنة 1972، قبل أن يتعزز تدريجياً داخل منظومة حقوق الإنسان. غير أن هذا المسار ما يزال يصطدم بإكراهات قانونية ومؤسساتية عديدة، تتعلق بصعوبة إثبات المسؤوليات العابرة للحدود وتعقيد العلاقة بين الأضرار البيئية والالتزامات الدولية للدول والشركات متعددة الجنسيات.

وفي هذا السياق، شدد المتدخلون على أن الأضرار البيئية لا تعترف بالحدود السياسية أو الجغرافية، وأن حماية البيئة أصبحت مسؤولية جماعية تتطلب تجاوز المقاربات التقليدية نحو نماذج جديدة للحكامة البيئية العالمية. كما استعرضوا عدداً من التجارب المقارنة الناجحة، من بينها التجربة الدانماركية التي استطاعت الجمع بين التنمية الاقتصادية والانتقال البيئي عبر منظومة قانونية صارمة وسياسات عمومية قائمة على الاقتصاد الأخضر والاستثمار في الطاقات المتجددة.

كما استأثرت قضية النفايات العابرة للحدود باهتمام خاص خلال أشغال المؤتمر، حيث اعتبر المشاركون أن تصدير النفايات نحو الدول الفقيرة يمثل أحد أوجه اللامساواة البيئية المعاصرة، ويكشف عن اختلالات عميقة في النظام البيئي العالمي. وأبرزوا أن العديد من الدول النامية تفتقر إلى البنيات التحتية والقدرات التقنية الكفيلة بمعالجة وتثمين هذه النفايات، ما يجعلها عرضة لمخاطر صحية وبيئية جسيمة، ويقوض جهود التنمية المستدامة والحكامة البيئية.

وفي محور المساءلة البيئية الدولية، برزت دعوات قوية إلى إعادة النظر في المنظومة القانونية الدولية الحالية، من خلال إحداث محكمة بيئية دولية دائمة، وتوسيع نطاق المسؤولية الجنائية ليشمل الفاعلين الاقتصاديين الخواص والشركات متعددة الجنسيات التي تتسبب بشكل مباشر أو غير مباشر في الإضرار بالبيئة، سواء عبر الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية أو من خلال تمويل النزاعات المسلحة التي تؤدي إلى تدمير النظم البيئية.

كما ناقش المؤتمر إشكالية الهجرة المناخية التي باتت تشكل أحد أكثر الملفات تعقيداً في القانون الدولي المعاصر. وأجمع المتدخلون على وجود فراغ قانوني واضح يحرم ملايين المتضررين من التغيرات المناخية من وضعية قانونية تضمن لهم الحماية الدولية، وهو ما يفرض إعادة بناء مقاربات جديدة تربط بين المناخ وحقوق الإنسان وتؤسس لاعتراف قانوني بفئة “اللاجئين المناخيين”.

وفي تقييمهم لمنظومة العدالة الدولية، اعتبر عدد من الباحثين أن محدودية فعالية اتفاق باريس للمناخ، وخضوع العديد من التزامات الدول لمنطق الطوعية، إضافة إلى القيود التي يفرضها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وآلية حق النقض داخل المؤسسات الأممية، كلها عوامل تحد من فعالية المساءلة المناخية. لذلك تعالت الأصوات المطالبة بتجريم “الإبادة البيئية” باعتبارها جريمة دولية مستقلة، وإحداث غرفة أو هيئة متخصصة داخل المحكمة الجنائية الدولية للنظر في الجرائم المناخية والبيئية.

أما على المستوى الوطني، فقد سلطت المداخلات الضوء على الحاجة إلى مراجعة الترسانة القانونية البيئية من خلال توحيد النصوص المتفرقة داخل مدونة بيئية شاملة، والاعتراف بالضرر الإيكولوجي المستقل كفئة قانونية قائمة بذاتها، إلى جانب إقرار الشخصية القانونية للطبيعة وتكريس واجب اليقظة بالنسبة للمؤسسات الاقتصادية والفاعلين العموميين والخواص.

ولم يقتصر النقاش على الأبعاد القانونية والمؤسساتية، بل امتد إلى الأبعاد الفلسفية والاجتماعية للأزمة المناخية، حيث اعتبر بعض الباحثين أن الحلول التكنولوجية وحدها لن تكون كافية لمواجهة التحديات البيئية المقبلة، ما لم يصاحبها تحول عميق في أنماط توزيع السلطة والثروة والموارد. فالأزمة المناخية، في جوهرها، ليست فقط أزمة طبيعة، بل هي أيضاً أزمة عدالة، إذ غالباً ما يدفع الفقراء والفئات الهشة الثمن الأكبر لاختلالات لم يكونوا مسؤولين عن إنتاجها.

وخلص المؤتمر إلى أن مستقبل العدالة المناخية يقتضي الانتقال من منطق إدارة الأضرار إلى منطق بناء المسؤولية، ومن معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب البنيوية للأزمة. كما دعا إلى ترسيخ التربية البيئية داخل المنظومات التعليمية، وتوسيع آليات التقاضي المناخي، وإحداث محاكم بيئية متخصصة، وتعزيز الحماية القانونية للحق في بيئة سليمة، وتطوير آليات المساءلة الدولية والوطنية، بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للمخاطر والموارد والمنافع البيئية بين الدول والأجيال.

نحو عقد اجتماعي بيئي جديد

وأجمع المشاركون في ختام أشغال المؤتمر على أن التحدي المناخي لم يعد مجرد ملف قطاعي أو قضية تقنية قابلة للتدبير بالإجراءات التقليدية، بل أصبح سؤالاً حضارياً يمس مستقبل الإنسانية برمتها. ومن ثم، فإن بناء عدالة مناخية حقيقية يمر عبر إرساء عقد اجتماعي وبيئي جديد يقوم على الاستدامة والإنصاف والديمقراطية التشاركية والتضامن بين الأجيال، ويجعل من حماية البيئة وحقوق الإنسان ركيزتين متلازمتين في أي مشروع تنموي مستقبلي. فالمعركة ضد التغير المناخي ليست فقط معركة لحماية الطبيعة، وإنما هي أيضاً معركة من أجل الكرامة الإنسانية والحق في مستقبل أكثر عدلاً وأمناً واستدامة.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

Back to top button