كش بريس/التحرير ـ
في وقت ما تزال فيه أنظمة تعليمية عديدة حول العالم تبحث عن صيغ ناجعة لمعالجة تعثرات التعلم وتحسين جودة المدرسة العمومية، بدأت التجربة المغربية المعروفة بـ”المدارس الرائدة” تفرض نفسها بوصفها إحدى المبادرات الإصلاحية الأكثر لفتاً للانتباه. فقد اعتبر تقييم حديث صادر عن مجموعة البنك الدولي أن هذه التجربة تمثل مؤشراً قوياً على قدرة المغرب على إحداث تحول فعلي في منظومته التعليمية، بعدما نجحت في الانتقال من مرحلة الاختبار إلى مشروع وطني واسع النطاق.
وأكد التقرير أن الرؤية الإصلاحية التي اعتمدها المغرب، والقائمة على الربط بين التخطيط الاستراتيجي والممارسات التربوية المستندة إلى الأدلة العلمية، أسهمت في إرساء نموذج واعد قادر على تحقيق نتائج ملموسة داخل الفصول الدراسية. كما أبرز أن الاستثمار في تكوين المدرسين وتوفير الموارد الضرورية للتدريس يشكل أحد المفاتيح الأساسية لهذا التحول.
توسع غير مسبوق في شبكة المؤسسات
يشكل برنامج المدارس الرائدة أحد المحاور المركزية ضمن خارطة الطريق الوطنية لإصلاح التعليم للفترة 2022-2026، حيث يهدف إلى الارتقاء بجودة التعلمات وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص، إلى جانب الحد من ظاهرة الهدر المدرسي.
وأشار البنك الدولي إلى أن البرنامج عرف خلال فترة وجيزة نمواً استثنائياً، إذ انتقل من 626 مؤسسة ابتدائية خلال مرحلته التجريبية في الموسم الدراسي 2023-2024 إلى ما يقارب 4626 مؤسسة خلال الموسم الدراسي 2025-2026، وهو ما يمثل أكثر من نصف المدارس الابتدائية العمومية بالمملكة.
ويستفيد من هذه المنظومة حالياً أزيد من مليوني تلميذ وتلميذة، يشرف على تأطيرهم ما يقارب 75 ألف أستاذ وأستاذة، إلى جانب 960 مفتشاً تربوياً يتولون مهام المواكبة والتقييم وضمان جودة الأداء التربوي.
من الابتدائي إلى الإعدادي
ولم يقتصر المشروع على التعليم الابتدائي، بل امتد إلى السلك الإعدادي عبر إطلاق تجربة “الإعداديات الرائدة” خلال الموسم الدراسي 2024-2025. وتشمل هذه المرحلة حالياً 786 مؤسسة إعدادية تستقبل حوالي 678 ألف متعلم ومتعلّمة، مع تركيز خاص على المناطق التي تعرف نسباً مرتفعة من الانقطاع عن الدراسة.
ويرى التقرير أن هذا التوسع يعكس توجهاً واضحاً نحو بناء مسار إصلاحي متكامل يرافق المتعلم في مختلف مراحل تمدرسه.
مقاربات جديدة لمواجهة تعثرات التعلم
وتكتسب التجربة المغربية أهميتها من حجم التحديات التي كانت تواجه المدرسة العمومية. فبحسب المعطيات التي استند إليها التقرير، كان عدد كبير من الأطفال في سن العاشرة يعانون صعوبات في قراءة نصوص بسيطة وفهمها، وهو ما استدعى اعتماد تدخلات تربوية مبتكرة.
ومن أبرز هذه التدخلات اعتماد مقاربة “التدريس وفق المستوى المناسب”، وتخصيص فترة للدعم المكثف في المواد الأساسية مع بداية كل موسم دراسي، فضلاً عن مواكبة التلاميذ طيلة السنة الدراسية وتوفير برامج للدعم النفسي والاجتماعي تسهم في تحسين ظروف التعلم والاندماج المدرسي.
كما واصل البنك الدولي مواكبة هذا الورش الإصلاحي من خلال برنامج تمويلي بلغت قيمته 750 مليون دولار، يركز على تطوير حكامة الأكاديميات الجهوية وتعزيز مسارات التكوين والتأهيل المهني للأطر التربوية.
مؤشرات أولية تعزز الرهان الإصلاحي
وسجل التقرير نتائج اعتبرها مشجعة في المراحل الأولى من تنفيذ المشروع، إذ أظهرت المعطيات أن تلاميذ المدارس الرائدة حققوا مستويات أداء تفوقت على نسبة كبيرة من أقرانهم في المؤسسات التقليدية ذات الخصائص المماثلة بعد سنة واحدة فقط من انطلاق التجربة.
ويرى معدّو التقرير أن هذه المؤشرات الأولية تعكس فعالية المقاربة المعتمدة، وتؤكد إمكانية تحقيق مكاسب تعليمية ملموسة عندما تتكامل الرؤية الإصلاحية مع آليات التنفيذ والمتابعة الميدانية.
نحو مدرسة أكثر عدالة ونجاعة
وفي خلاصاته، اعتبر البنك الدولي أن تجربة المدارس الرائدة تتجاوز مجرد مشروع تربوي ظرفي، لتندرج ضمن تصور أوسع يروم إرساء مدرسة عمومية قادرة على ضمان حق التعلم للجميع دون تمييز. كما تسعى إلى تقليص الفوارق التعليمية المرتبطة بالمجال الجغرافي أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأسر، عبر توفير دعم تربوي يتلاءم مع حاجات كل متعلم.
ومع استمرار جهود تعميم التعليم الأولي وتوسيع قاعدة الولوج إلى الطفولة المبكرة، تبدو آفاق هذه التجربة أكثر اتساعاً، بما قد يتيح للمغرب ترسيخ نموذج إصلاحي يراهن على الجودة والإنصاف معاً، ويؤسس لتحسينات مستدامة في مستوى التعلمات الأساسية للأجيال القادمة.

جمعية آباء وأولياء تلاميذ إعدادية المحاميد تدق ناقوس الخطر بسبب توقف النقل المدرسي بدوار أيت مبارك
ورش مشبوه بالمدينة العتيقة يحرج السلطة المحلية.. أين اختفت رخصة البناء؟
إشكال الخيار الأوحد في الامتحان الوطني الموحد: نحو عدالة تقويمية في مادة اللغة العربية (مسلك الآداب والعلوم الإنسانية)