‏آخر المستجداتلحظة تفكير

عبد الله العلوي: الجدارة والانتخابات


سيطرت على بعض المجتمعات –بسيطرة الاستعمار القديم والجديد- فكرة أو نظرية الانتخابات باعتبارها الوسيلة الوحيدة لاختيار الشعب للقادة المسيرين أو الذين يسيرون أجهزة الدولة أو الإدارة خلال مرحلة معينة، بالاستناد إلى نظرية حكم الشعب أو الديمقراطية، والمسألة دورية أو استثنائية أحيانا، فعند فشل جماعة أو حزب ما، فالشعب يعاقبه بعدم التصويت عليه بعد ذلك. وقد تبين أن هذا النظام خاص بالدول الغربية ولا يمكن تعميمه خاصة في البلدان “النامية” لأسباب متعددة.
المسألة الثانية : الاعتقاد العام بكون الانتخابات ستأتي بالمنتخبين “الطيبين” أو الأسوة الحسنة، وقد تبين أن هذا قد لا يكون صحيحا، إذ الانتخابات قد تأتي -وهو مايقع- بالأسوأ، وحتى الكتلة الانتخابية قد لا تكون “طيبة”.
المسألة الثالثة: الاعتقاد أن لا مجال سوى الانتخابات باعتبار أن سياسة الفراغ أو الكرسي الفارغ سيكون خطرها أكبر من الانتخابات مهما بلغت درجة سلبياتها، وهذا أمر أيضا قد لا يكون صحيحا، لأن الانتخابات تكون مراقبة هي وأعضاءها أومنتخبيها من أجهزة الدولة: رئاسة الدولة، والقضاء، والإعلام، وحالة الاستثناء، والأمن، وبالتالي فادعاء خطورة الفراغ مجرد ادعاء لاستمرار حالة تبين عدم نجاعتها ولو مرحليا فلا يمكن الاستمرار في مشروع اتضح كونه غير منتج، وقد نتج عن هذا سقوط التنظيمات السياسية والاجتماعية في مغاور الاستهلاك وقيمه التي تؤدي / أدت إلى نشر الفساد الاقتصادي والاجتماعي وحتى الأخلاقي وانتشار الأمية المعرفية والسياسية وصعود فئات اجتماعية لا يهمها سوى محافظها المالية مع اختلاف هذه المَحافظ وسعتها، فالانتخابات ليست قدرا لا مهرب منه بل وسيلة من الوسائل أو البدائل في مرحلة ما خاضعة للاختيار، وانتخاب شريحة من الناس لممارسة الفعل السياسي أو الإداري في مرحلة ما ، وليست شرا لا بد منه ولا خيرا كذلك، خصوصا عندما تتحول هذه الانتخابات إلى حرفة لدى جماعة غالبة ما. سواء انتَخبوا أو انتُخبوا وتفقد حتى الإيمان تأثيرها، وكل شعب أو دولة ما، يجب أن تقف للتفكير في نجاعة ماتقوم به إذا وصلت الأمور إلى مرحلة تشكل خطرا عاما على القيم والمجتمع، فضلا عن المسألة الاجتماعية بجوانبها التربوية والاقتصادية، فوجوبا يجب وقف هذا النزيف، والتفكير في وضع حد للتسيب وبناء شخصانية جديدة للدولة أو للمرحلة، بغض النظر عن توسيع طبقة للاستفادة من الوضع السياسي والمالي، وعدم إرضاء الأجنبي أو فئة داخلية اتضح أنها تضع بولائها الملغوم العصا في العجلة وتعرقل التطور الطبيعي، وتمنع توزيع المنافع على عامة الشعب، وتنشر الفساد المعرفي/الاجتماعي عبر مختلف الأشكال، بل وتتقاضى مبالغ مالية بالمقابل لشراء ذمم فئة معزولة من الناس، جنحت بها ظروفها الاجتماعية أو فسادها الأخلاقي، إلى بيع ذممها مقابل دريهمات، ويتذكر الجميع شعار رفعه في مرحلة ما حزب معين “فلوسهم حلال عليكم وأصواتكم حرام عليهم” وهو شعار كارثي بكل المقاييس أدى مع تدخل السلطات والأعوان وذوي المصلحة إلى نشر انتهازية فظيعة نتائجها عزوف ونفور الأغلبية من كل مايمث للانتخابات بصلة، فضلا عن سيطرة جماعة من العائلات مع أبناءهم وبناتهم وأسرهم على المقاعد حتى بلغ الأمر أن شخصا ما -زُعم- بأنه قال لو أراد لقطته لنجحت في الانتخابات، رغم أن الأمر مجرد ادعاء معزول ولا يجوز أن يكون قاعدة أو حتى ظاهرة لكن الأمور الانتخابية بلغت درجة من اللامسؤولية، صار كل مايقال عنها – مع المحاكمات والاعتقالات- فضلا عن الاشاعات أشبه –إن لم يك- حقيقة اجتماعية لا يرغب فيها عاقل، فضلا عن حوالي 40 حزبا تتقاضى مبالغ مالية مقابل المشاركة، والأصوات، والمقاعد، مما يجعل تأسيس حزب أشبه بشركة مغفلة الاسم يدر المال بمختلف الطرق والوسائل والحزب لا يجوز أن يأخذ المال بل مداخله الانخراطات وتبرعات أعضاءه فقط، والمقتنعين بأفكار وعقيدة هذا الحزب وهم مرشحيه، وليس كل من هب ودب، حتى تحولت التزكيات إلى بورصة كما يشاع.
لقد واجه المغرب بعد الاستقلال مباشرة في 2 مارس 1956 هذا الإشكال، خصوصا أن خطاب المغفور له محمد الخامس* نص على المشاركة والشورى، فكان أن أعلن بعد شهور قليلة عن تأسيس المجلس الاستشاري الذي تشكل من مختلف الشخصيات حسب الكفاءة والمنطقة. وكان دوره تقديم الاستشارة والدعم القانوني/السياسي للحكومة، وقد ترأسه المرحوم المهدي بن بركة**، وبنظرة سريعة لأعضاءه الذين كانوا من مختلف الفئات الاجتماعية سياسيا وعماليا وتجارا ومثقفين وفلاحين، ولعب هذا المجلس دور الجسر بين آمال الشعب وبرامج الحكومات، فالانتخابات ليست قدرا دائما ومستمرا إلى الأبد، فهناك توقفات تاريخية بالركون في مرحلة ما إلى الجدارة – أو على الأقل وقفة المحارب-، والجدارة تتميز بوضوح الاتجاه والتخطيط والبرنامج الاقتصادي/الاجتماعي من أجل الأمة، وذلك بإجبارية التعليم وفتح الفرص أمام الجميع حتى يستطيع الكل المشاركة مستقبلا في اختيار ممثليه مع برنامج إداري للمصالحة بين الإدارة والناس، والإدارة هنا مفهوم عام، وإعادة الثقة بينهما، مع إعلام قوي وتربوي وتعليمي في كل المؤسسات لحث الأفراد والجماعات على التحلي بالشروط الأخلاقية والنظافة والمعاملة الحسنة وحسن الجوار مع وضع نصوص / قوانين لا تتهم المواطنين من البداية بل تحترمهم وتترك لهم فرصة العمل والاختيار الحسن وفتح جميع المناصب لذوي الكفاءة مع محاربة صارمة للجهل المعرفي أي محاربة الأمية، مع شرط القراءة والكتابة لكل من له رغبة في المشاركة الانتخابية / السياسية، وبالتالي إنشاء جماعات منتخبة مستقبلا تتمتع بظرف مادي شريف وجيد، مع تعليم في المستوى المطلوب، وإعلام تربوي وإدارة وقضاء مواكب.
نعم قد تكون الديمقراطية أو الانتخابات أقل الاختيارات شرا أو سوءا، لكن التوقف مرحليا أو تاريخيا للتهييء لها تقتضي اتخاذ قرارات مؤلمة أحيانا، لتجاوز عقبات طغيان الأغلبية، وأحيانا الأقلية المهيمنة بالثروات والقوانين، المشككة في الذمم فضلا عن الأزمات والظرف الدولي، … مع الجوار القاتل؛


*باحث

ـــــــــــــــــــــــ

  • جاء في الخطاب الملكي للمغفور له محمد الخامس : «…ولقد عملنا على أن تتمثل في هذا المجلس كل النزاعات السياسية الوطنية وسائر المهن (….) حتى يكون مرآة صافية لحياة الأمة…» الخطاب بتاريخ 8 ربيع الثاني 1376 الموافق لـ 12 نونبر 1956.
    ** تألف المجلس الاستشاري من 79 عضوا ومن لجان اجتماعية وللميزانية والاقتصادية والشؤون السياسية ومن أعضائه: المحجوب بن الصديق عن العمال، والتهامي عمار عن الثقافة، وأحمد المذكوري عن الفلاحين، وأحمد والحاج عن التجار، ومحمد الداودي عن العلماء، ومن أعضاءه الكبار الشيخ المكي الناصري ، وأحمد مكوار، وجو اوحنا، وعلي الكتاني، وغيرهم.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button