المغرب يوسّع رهاناته على المعادن الحرجة مع تقدم مشاريع التيتانيوم والإنتيمون

كش بريس/التحرير ـ

يشهد قطاع التعدين في المغرب حركية متصاعدة، مدفوعة بتطور مشاريع مرتبطة بمعادن استراتيجية تكتسب أهمية متزايدة في سلاسل الإمداد العالمية، وفي مقدمتها التيتانيوم والإنتيمون، وفق معطيات أوردتها منصة التعدين الأسترالية «مينينغ».

وأبرز المصدر ذاته إطلاق معمل تجريبي لمعالجة خامات مشروع «تايتان بيتش»، الذي يمتد على مساحة تناهز 192 كيلومتراً مربعاً، وتصل نسبة أكسيد التيتانيوم فيه إلى 14.9 في المائة، في خطوة قد تمهد لتطوير واحدة من حلقات سلسلة القيمة المرتبطة بهذا المعدن داخل المملكة.

ويرى التقرير أن المشروع يمكن أن يعزز موقع المغرب في سلسلة توريد التيتانيوم الموجهة إلى صناعة الطيران، بالتوازي مع تقوية قدراته في مجال تأمين المعادن الحرجة. ويكتسب أكسيد التيتانيوم أهمية استراتيجية متزايدة، بعدما أدرجته عدة دول، من بينها الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبية، ضمن قوائم المعادن الحرجة والاستراتيجية، في ظل ارتفاع الطلب العالمي وتركيز جانب مهم من الإمدادات لدى عدد محدود من المنتجين.

وترتبط دينامية الطلب على التيتانيوم أساساً بصناعات الطيران والدفاع، إلى جانب استخداماته الواسعة في إنتاج الصبغات الصناعية. وتشير تقديرات التقرير إلى إمكانية ارتفاع قيمة السوق العالمية لهذا المعدن إلى ما بين 2.9 و3.7 مليارات دولار بحلول عام 2030.

قطاع استراتيجي للاقتصاد المغربي

وتأتي هذه التطورات في سياق يحافظ فيه التعدين على موقع محوري داخل الاقتصاد المغربي، إذ يساهم القطاع بنحو 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر قرابة 30 في المائة من إجمالي الصادرات، فضلاً عن تشغيل حوالي 40 ألف شخص واستقطاب استثمارات سنوية تتراوح بين 1.7 و3.4 مليارات دولار.

ويضع «المخطط التعديني للمغرب 2021-2030» تطوير القطاع ضمن رؤية تستهدف جذب مزيد من الاستثمارات، والانتقال نحو إنتاج المعادن والمواد ذات القيمة المضافة المرتفعة، وتشجيع الابتكار، إلى جانب توسيع عمليات الاستكشاف والبحث عن مكامن معدنية جديدة وتعزيز الاستدامة في الأنشطة التعدينية.

وفي موازاة التيتانيوم، يبرز الإنتيمون باعتباره أحد المعادن التي يمكن أن تمنح المغرب موقعاً أكثر أهمية في خارطة المعادن الاستراتيجية عالمياً. وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى مساهمة شركات من بينها «ستيدرايت كريتيكال مينرالز» و«إن إس إم كابيتال» و«زيوس ريسورسز» في تطوير «مشروع الدار البيضاء للإنتيمون»، الذي يغطي مساحة تبلغ نحو 79 كيلومتراً مربعاً وسط المغرب.

وأظهرت عمليات الاستكشاف في المشروع مؤشرات مرتفعة لتركيز الإنتيمون، إذ بلغت بعض عينات الصخور مستويات تصل إلى 46.52 في المائة، ما يعكس، وفق المصدر ذاته، إمكانات واعدة لتطوير الموارد المحلية من هذا المعدن.

الإنتيمون يعيد رسم خريطة الإمدادات العالمية

وتزايدت الأهمية الجيو-اقتصادية للإنتيمون بعد القيود الصينية على صادراته إلى الولايات المتحدة سنة 2024، وهو ما ساهم في ارتفاع حاد في أسعاره، في وقت تهيمن فيه الصين على حصة كبيرة من الإنتاج والاحتياطيات العالمية.

وأمام هذه التحولات، يتجه اهتمام الدول الغربية إلى تنويع مصادر الإمداد والبحث عن مناجم ومشاريع جديدة خارج الصين، وهو ما يضع المغرب ضمن دائرة الاهتمام المتنامي باعتباره بلداً يمتلك إمكانات معدنية قابلة للتطوير، وموقعاً جغرافياً يسمح له بالمساهمة في إعادة تشكيل سلاسل توريد المعادن الحرجة.

ويتعزز هذا الرهان في ظل تراجع الإنتاج العالمي للإنتيمون من نحو 187 ألف طن سنة 2011 إلى حوالي 110 آلاف طن سنة 2023، بما يعكس ضغوطاً متزايدة على المعروض العالمي من معدن يدخل في عدد من الصناعات ذات الاستخدامات الحساسة.

وتتجاوز أهمية الإنتيمون الاستخدامات الصناعية التقليدية، ليصبح عنصراً حاضراً في قطاعات الإلكترونيات والدفاع وتخزين الطاقة والتكنولوجيات المتجددة. كما يدخل في صناعات ومكونات متعددة، من الذخائر والمعدات العسكرية إلى الصواريخ الموجهة والإلكترونيات الدفاعية والبطاريات ومثبطات الحريق وأجهزة الرؤية الليلية.

وبذلك، يفتح صعود مشاريع التيتانيوم والإنتيمون أمام التعدين المغربي أفقاً يتجاوز استخراج الموارد الخام، نحو رهان أكثر تعقيداً يتعلق بالتموقع داخل سلاسل القيمة العالمية للمعادن الحرجة، وتحويل الثروة الجيولوجية إلى رافعة صناعية وتكنولوجية واقتصادية ذات أبعاد استراتيجية.

Exit mobile version