
كش بريس/التحرير ـ
دافعت فاطمة الزهراء المنصوري عن التوجهات السياسية والاقتصادية للحكومة الجديدة، مؤكدة أن الائتلاف التنفيذي يسعى إلى تجاوز اختلالات المرحلة السابقة، ورفض نموذج اقتصادي تتسع فيه الفوارق بين الأغنياء والفقراء، مع التعويل على تشجيع الاستثمار وتبسيط المساطر الإدارية وربط منح التراخيص بدفاتر تحملات واضحة.
وخلال جلسة عمومية خُصصت لمناقشة البرنامج الحكومي الذي عُرض أمام مجلسي البرلمان، شددت المنصوري على أن المرحلة المقبلة تقتضي بناء اقتصاد قوي قادر على خلق فرص الشغل وتحريك عجلة التنمية، مع وضع حد لمنطق الامتيازات الذي يسمح للبعض بتوسيع ثرواتهم بفعل القرب من مراكز القرار. وأكدت أن تشجيع المقاولات يظل ركيزة أساسية لتحقيق التنمية وضمان الاستقرار وتهيئة شروط الانتقال إلى دولة صاعدة تستجيب لتطلعات أجيالها الجديدة.
واعتبرت أن الرهان الاقتصادي لا ينفصل عن ضرورة إصلاح بيئة الاستثمار، من خلال تبسيط الإجراءات وتطوير آليات منح التراخيص وفق قواعد معلنة ودفاتر تحملات محددة، بما يعزز وضوح المعاملات ويحد من الممارسات التي تكرس تفاوت الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين.
«حكومة سياسية» بمرجعيات حزبية ومسارات نضالية
وفي معرض دفاعها عن وصف الحكومة الجديدة بأنها «حكومة سياسية»، أوضحت المنصوري أن هذا التوصيف يستند إلى المرجعيات الفكرية والسياسية للأحزاب المشاركة في الائتلاف، وإلى التجارب النضالية لعدد من أعضائه، فضلاً عن الالتزام المعلن بالإنصات إلى المواطنين والاستجابة لانتظاراتهم.
وجاء هذا الموقف رداً على تساؤلات بشأن طبيعة القواسم المشتركة بين مكونات الأغلبية الحكومية، ومدى وجود تقاطعات بينها على مستوى التصورات والمنطلقات النظرية. وأكدت المنصوري أن الأحزاب المشاركة تتوفر على مرجعيات سياسية وفكرية واضحة، مستحضرة كلاً من حزب الأصالة والمعاصرة، وحزب التقدم والاشتراكية، وحزب الاستقلال، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وأضافت أن عدداً من الوزراء خاضوا تجارب سياسية ونضالية اتسمت بالصراع داخل أحزابهم من أجل الدفاع عن تصوراتهم للمجتمع وتثبيت حضورهم السياسي، معتبرة أن هذه المسارات تشكل أحد مرتكزات الهوية السياسية للحكومة الجديدة.
وشددت على أن الديمقراطية التي تدافع عنها مكونات الائتلاف ينبغي أن تتجاوز الممارسة الشكلية والشعارات، لتقوم على الحوار والتواصل المباشر مع المواطنات والمواطنين، والاقتراب من مشاغلهم اليومية، وتحويل مطالبهم إلى سياسات عمومية ملموسة.
المشاركة الانتخابية وأزمة الثقة في المؤسسات
ولم تغفل المنصوري الإشكال المرتبط بضعف المشاركة الانتخابية، إذ أقرت بأن بلوغ نسبة المشاركة 38 في المائة يعكس، وفق قراءتها، وجود أزمة ثقة لدى قطاعات من المواطنين تجاه المؤسسات، ولا سيما المؤسسات المنتخبة.
واعتبرت أن هذا المعطى شكل أحد العناصر الأساسية التي استحضرتها مكونات الحكومة خلال مشاورات تشكيل الائتلاف، في ظل الحاجة إلى إعادة وصل العمل السياسي بالمجتمع واستعادة المصداقية لدى المواطنين.
وربطت المسؤولة الحكومية استعادة هذه الثقة بترسيخ النزاهة والأخلاق في تدبير الشأن العام، مؤكدة أن النزاهة تتجاوز كونها شعاراً سياسياً لتصبح شرطاً ضرورياً لاستقامة المؤسسات وتعزيز شرعيتها. كما ربطت تصاعد غضب الشباب واحتجاجاتهم بمطالب تتصل بالثقة في المؤسسات وبمدى قدرة الفاعلين السياسيين على تقديم أجوبة مقنعة عن الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، نفت المنصوري أن تكون التوجهات التي تدافع عنها الحكومة مجرد خطاب شعبوي، مؤكدة أن الرهان يتمثل في تحسين أداء الاقتصاد الوطني، والاستجابة للمطالب الاجتماعية، وتعزيز المسار الديمقراطي.
المعارضة بين الاختلاف السياسي والبناء الديمقراطي
وعلى مستوى العلاقة مع المعارضة، أعربت المنصوري، بصفتها منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، عن احترامها لاختيار التجمع الوطني للأحرار، معربة عن أملها في أن يترجم الحزب تعهده بممارسة معارضة بناءة.
ويضع هذا الموقف العلاقة بين الأغلبية والمعارضة أمام اختبار سياسي يرتبط بقدرة الطرفين على تدبير الاختلاف داخل المؤسسات، مع الحفاظ على حق المعارضة في المساءلة والنقد، وضمان شروط النقاش العمومي حول السياسات والقرارات الحكومية.
البرنامج الحكومي بين الإنصات للمواطنين واختبار النتائج
وفي دفاعها عن منهجية إعداد البرنامج الحكومي، أكدت المنصوري أن المقاربة المعتمدة لم تقم على الاكتفاء بالدراسات النظرية أو انتظار تصورات جاهزة تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنما استندت إلى الإنصات للمواطنين واستحضار خصوصيات الجهات والأقاليم.
ويعكس هذا التوجه، وفق الطرح الذي قدمته، محاولة لربط صياغة السياسات العمومية بالواقع الاجتماعي والمجالي، بدل الاكتفاء بتصورات عامة قد لا تستجيب للفوارق بين المناطق أو لحاجات السكان الفعلية.
غير أن التعهدات المتعلقة بمحاربة اقتصاد الامتيازات، وتحفيز الاستثمار، واستعادة الثقة في المؤسسات ستظل رهينة بمدى ترجمتها إلى إجراءات قابلة للقياس، وبقدرة الحكومة على إرساء قواعد شفافة لتدبير الصفقات والتراخيص، وتحقيق توزيع أكثر إنصافاً لثمار النمو، وتقديم أجوبة عملية عن أسباب العزوف الانتخابي والاحتقان الاجتماعي.
فالمعيار الحاسم في تقييم «الحكومة السياسية» لن يتوقف عند مرجعيات أحزابها أو المسارات النضالية لأعضائها، وإنما سيمتد إلى قدرتها على تحويل خطاب النزاهة والإنصات والعدالة الاقتصادية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.




