امحمد الصاقي: شيشاوة وسؤال النكوص السياسي.. حين تتحول السياسة إلى استعراض وتغيب الدولة عن الوعي العام

شيشاوة وسؤال النكوص السياسي.. حين تتحول السياسة إلى استعراض وتغيب الدولة عن الوعي العام

يطرح المشهد السياسي في إقليم شيشاوة أسئلة تتجاوز حدود التدبير المحلي، لتلامس طبيعة العلاقة التي باتت تربط جزءا من النخب السياسية بالمجتمع، في سياق وطني يتزايد فيه الحديث عن تراجع المشاركة السياسية، وانحسار اهتمام الشباب بالشأن العام، واتساع المسافة بين الخطاب السياسي وانتظارات المواطنين.

فهل يعكس ما يجري في الإقليم حالة من النكوص السياسي، أي العودة إلى أنماط قديمة من ممارسة السياسة، حيث تستبدل البرامج بالولاءات، والنقاش العمومي بالتجمعات الاستعراضية، والمساءلة بتكرار الوعود؟ وهل أصبحت السياسة، في بعض مظاهرها، عاجزة عن إنتاج معنى جديد للمشاركة والثقة والانتماء إلى المجال العام؟

المفارقة أن المجتمع المغربي تغير كثيرا، فيما ما تزال بعض الممارسات السياسية أسيرة قاموس انتخابي قديم، يقوم على إعادة إنتاج الوجوه ذاتها، وتكرار الخطابات ذاتها، واستدعاء الوعود ذاتها، وكأن الزمن السياسي لم يتقدم خطوة واحدة. وفي المقابل، تتسع لدى فئات واسعة، خصوصا بين الشباب، قناعة بأن السياسة لا تقدم أجوبة حقيقية عن أسئلة الشغل والعدالة المجالية والخدمات العمومية والكرامة والفرص.

وفي بعض الحالات، تبدو السياسوية الشعبوية وقد اختزلت السياسة في قدرتها على الحشد اللحظي، وإعادة إنتاج الولاءات، وتحويل المناسبات الانتخابية إلى فضاءات للاستعراض، حيث تصبح الوليمة بديلا عن البرنامج، والتصفيق بديلا عن النقاش، والصورة الانتخابية بديلا عن الإنجاز.

وهنا تحديدا تكمن خطورة الظاهرة؛ لأن السياسة حين تفقد بعدها العمومي تتحول من وسيلة لتدبير الاختلاف والمصالح إلى تقنية لإعادة إنتاج النفوذ. ويصبح المواطن رقما في حشد انتخابي، لا شريكا في صناعة القرار، فيما يتحول الخطاب السياسي إلى طقس موسمي يظهر بقوة مع اقتراب الاستحقاقات ويختفي بانتهاء صناديق الاقتراع.

وفي إقليم شيشاوة، يكتسب هذا السؤال بعدا أكثر إلحاحا، بالنظر إلى استمرار مظاهر العجز التنموي والاجتماعي التي تجعل المواطن أمام أسئلة أساسية تتعلق بالتعليم والصحة والنقل والماء وفرص العمل والبنية التحتية والعدالة المجالية. وهي أسئلة لا يمكن اختزالها في حفلات انتخابية أو وعود عابرة، لأنها ترتبط بجوهر وظيفة السياسة ومؤسسات الدولة.

إن إعادة تدوير الوعود نفسها، واستدعاء الوجوه نفسها، واستعمال أدوات الحشد التقليدية نفسها، لا يكشف فقط عن أزمة في الخطاب السياسي، وإنما عن أزمة في الخيال السياسي نفسه؛ أي العجز عن تصور المستقبل خارج القوالب التي أنتجت واقعا مأزوما.

ولعل الأخطر من ذلك أن استمرار هذه الممارسات يساهم في تعميق عزوف الشباب عن السياسة. فالشاب الذي يرى السياسة وقد تحولت إلى مناسبة لتوزيع الوعود أو تنظيم الولائم أو استعراض الحضور، لن يجد فيها بالضرورة فضاء للتعبير عن أسئلته أو بناء مستقبله. وحين تنسحب الأجيال الجديدة من المجال السياسي، تظل الساحة مفتوحة أمام شبكات النفوذ التقليدية، فتزداد الفجوة بين المجتمع والنخب.

بهذا المعنى، فإن مشكلة شيشاوة ليست في غياب السياسة، وإنما في نوع السياسة التي يجري إنتاجها. فالمجال الذي يفترض أن يكون مدرسة للمواطنة والمشاركة يمكن أن يتحول، إذا استمرت الممارسات نفسها، إلى فضاء لإعادة إنتاج اللامبالاة السياسية.

وإذا كانت الدولة الحديثة تقوم، في أحد معانيها الأساسية، على تحويل المجتمع من مجرد جماعة من الأفراد إلى مواطنين تربطهم حقوق وواجبات ومؤسسات وقواعد، فإن استمرار بعض مظاهر السياسة ما قبل البرامج وما قبل المساءلة يطرح سؤالا صعبا: إلى أي حد استطاعت السياسة المحلية أن تنتقل من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات؟

إن شيشاوة لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج السياسي، وإنما إلى سياسة تعيد الاعتبار للعقل؛ سياسة تقيس المسؤول بالإنجاز لا بعدد الحاضرين، وبالبرنامج لا بحجم الوليمة، وبقدرته على حل المشكلات لا بقدرته على صناعة الصورة.

فالسياسة، في جوهرها، ليست حفلا لتجميع الناس، وإنما عقدا أخلاقيا ومؤسساتيا مع المجتمع. وحين تنفصل عن هذا المعنى، يصبح تراجع الشباب عنها نتيجة طبيعية، ويغدو العزوف السياسي وجها آخر لفقدان الثقة.

ومن هنا، فإن السؤال الذي تطرحه شيشاوة يتجاوز الإقليم نفسه: هل نحن أمام عودة السياسة إلى ما قبل السياسة، أم أمام لحظة ينبغي فيها إعادة اختراع السياسة المحلية على أساس المواطنة والبرنامج والمساءلة؟

Exit mobile version