
كش بريس/وكالات ـ
ماذا يحدث للخبر قبل أن يصل إلى شاشة الهاتف أو صفحات الجريدة أو نشرة الأخبار؟ ومن يقرر أن حادثة ما تستحق أن تصبح خبراً، بينما تبقى أحداث أخرى خارج مجال الرؤية؟ وكيف ينتقل الصحافي من واقعة أولية إلى معلومة قابلة للنشر، مروراً بجمع المصادر وفحصها والتحقق منها ثم صياغتها وإخراجها إلى الجمهور؟
هذه الأسئلة تستعد باريس لتحويلها إلى تجربة متحفية تفاعلية، مع مشروع لإحداث متحف متخصص في الأخبار والصحافة يرتقب أن يرى النور سنة 2029، في وقت تتسع فيه أزمة الثقة في وسائل الإعلام وتتداخل صناعة الخبر التقليدية مع المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي والمعلومات المضللة.
المشروع يحمل اسم Musip، وهو اختصار لمتحف الأخبار والصحافة، ويقوده صحافيون ومهنيون في القطاع الإعلامي، بهدف نقل الجمهور من موقع المتلقي للخبر إلى موقع المتابع لمسار إنتاجه.
من الخبر المنشور إلى ما يحدث داخل غرفة الأخبار
التصور الذي يقدمه أصحاب المشروع لا يقوم على عرض تاريخ الصحافة باعتباره سلسلة من الوثائق والصور والأجهزة القديمة، وإنما على إعادة بناء العالم المهني الذي يسبق لحظة نشر الخبر.
فالزائر يفترض أن يتابع المسار الذي تسلكه المعلومة داخل غرفة الأخبار: كيف يُختار الموضوع، وكيف يبحث الصحافي عن مصادره، وكيف تُقارن الروايات، وكيف يجري التحقق من المعطيات، ثم كيف تتحول المادة الخام إلى نص أو صورة أو تقرير إذاعي وتلفزيوني قابل للنشر والبث.
ويقول أنطوان ماريوتي، الصحافي في قناة فرانس 24 ورئيس المشروع المؤسس، إن الفكرة تنطلق من الحاجة إلى جعل الجمهور أكثر معرفة بالطرق التي تنتج بها الأخبار، خصوصاً في سياق أصبحت فيه المعلومات المضللة جزءاً مركزياً من النقاش حول الإعلام والمنصات الرقمية.
وكان ماريوتي قد قدم المشروع خلال مؤتمر صحافي عقد في برج إيفل، في إشارة رمزية إلى محاولة وضع الصحافة نفسها أمام الجمهور، لا باعتبارها منتجاً نهائياً، وإنما باعتبارها ممارسة مهنية لها أدواتها وقواعدها وآلياتها.
المتحف لا يريد أن يقول للجمهور ماذا يفكر
ومن أبرز الأفكار التي يطرحها المشروع تحويل المتحف إلى فضاء للتجربة لا إلى منصة لتلقين موقف محدد من الأخبار.
وتوضح سيسيل غالوتشيو، الصحافية في فرانس 24 وإحدى مؤسسات المشروع، أن الهدف يتمثل في إظهار كيفية اشتغال هيئة التحرير أمام الزائر، وتعريفه بالوسائل التي يستخدمها الصحافيون في اختيار المواضيع والبحث عن المصادر وفحص صدقية المعلومات، دون أن يكون المقصود إملاء ما ينبغي على الجمهور التفكير فيه.
وهنا تتجاوز الفكرة حدود المتحف التقليدي؛ فالرهان هو جعل صناعة الخبر نفسها موضوعاً للمعرفة العامة، وإتاحة فرصة للجمهور لرؤية المسافة الفاصلة بين الواقعة كما تحدث، والخبر كما يظهر في صورته النهائية.
شبكة إعلامية واسعة خلف المشروع
يحظى المشروع بدعم عدد من المؤسسات الإعلامية والمهنية الفرنسية، إلى جانب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو.
ويضم مجلسه العلمي صحافيين ومهنيين في المجال، برئاسة أنيك كوجان، كبيرة المراسلين في صحيفة لوموند.
كما تشمل الجهات الداعمة راديو فرانس ولوفيغارو ووكالة فرانس برس وشارلي إيبدو، إلى جانب مجموعات إعلامية جهوية ومنظمة مراسلون بلا حدود.
ويأمل أصحاب المشروع في أن تتحول هذه الشبكة إلى قاعدة لشراكات أوسع، سواء على المستوى المهني أو المالي، خصوصاً أن المشروع ما يزال في طور التأسيس.
20 مليون يورو لمتحف صناعة الأخبار
وبحسب أنطوان ماريوتي، جرى توفير مئات آلاف اليوروهات لبدء العمل، بينما تقدر الكلفة الإجمالية لإنجاز المتحف بنحو 20 مليون يورو.
ويخطط القائمون عليه للاعتماد على مزيج من التمويل العمومي والرعاية الخاصة لتأمين الميزانية اللازمة، في حين لم يحسم بعد الموقع النهائي الذي سيحتضن المؤسسة داخل العاصمة الفرنسية.
لكن ملامح المتحف بدأت تتشكل؛ إذ يتضمن التصور إنشاء استوديوهات إذاعية وتلفزيونية وفضاءات مخصصة للإخراج الصحافي، بما يسمح للزائر بخوض تجربة عملية تحاكي بعض المهام اليومية التي يؤديها الصحافيون داخل المؤسسات الإعلامية.
قبل المبنى… الصحافة تدخل المتحف رقمياً
ولا ينتظر المشروع اكتمال المبنى لبدء التواصل مع الجمهور. فقد أطلق حضوره الرقمي من خلال موقع إلكتروني وحسابات على شبكات التواصل الاجتماعي، مع تخصيص جانب مهم من المحتوى للمضامين التربوية، ولا سيما الموجهة إلى الشباب.
كما يعتزم القائمون عليه تنظيم مناظرات ولقاءات ابتداء من يناير، بما يسمح ببناء علاقة مبكرة مع الجمهور قبل افتتاح المتحف.
وتأتي المبادرة في لحظة تتغير فيها وظيفة الصحافة نفسها تحت ضغط المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي وتسارع تداول المعلومات. ولذلك فإن المتحف المرتقب في باريس لا يكتفي بعرض تاريخ مهنة قديمة؛ فهو يحاول جعل العملية الخفية التي تصنع الخبر مرئية أمام الجمهور، من لحظة التقاط الواقعة إلى اللحظة التي تصبح فيها خبراً منشوراً وقابلاً للتداول والتأويل.
وفي زمن يستطيع فيه أي مستخدم أن ينتج محتوى ويعيد نشره خلال ثوانٍ، يصبح السؤال عن كيف صُنعت المعلومة؟ جزءاً من السؤال الأوسع عن: من يملك سلطة تحويل الوقائع إلى أخبار، ومن يحدد ما يستحق أن يُرى ويُسمع ويصبح حقيقة متداولة؟





