‏آخر المستجداتالمجتمع

بين تغوّل الأغلبية وعجز المعارضة.. جدل “الامتناع” يكشف أزمة أعمق في الممارسة الديمقراطية

ـ على خلفية امتناع المعارضة الاتحادية عن التصويت على مقترحي تأميم شركة “لاسامير” وتسقيف أسعار بعض المواد الأساسية ـ

كش بريس/التحرير ـ

لم يكن الجدل الذي أعقب امتناع الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية عن التصويت على مقترحي تأميم شركة “لاسامير” وتسقيف أسعار بعض المواد الأساسية مجرد خلاف إجرائي داخل قبة البرلمان، بل كشف عن أزمة سياسية أعمق تتعلق بطبيعة التوازنات القائمة داخل المؤسسة التشريعية وحدود الفعل السياسي للمعارضة في مواجهة أغلبية تمتلك من القوة العددية ما يجعل نتائج التصويت محسومة قبل بدء النقاش.

وفي خضم موجة الانتقادات التي وُجهت إلى الفريق الاشتراكي، اعتبر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن التركيز على موقف الامتناع، مع تجاهل التصويت الرافض الذي عبرت عنه الأغلبية الحكومية، ليس سوى محاولة مكشوفة لتحويل الأنظار عن المسؤول الحقيقي عن إسقاط المقترحين، وإعادة إنتاج نقاش جانبي يختزل الأزمة في موقف المعارضة بدل مساءلة من يملك القرار التشريعي الفعلي.

ويرى الاتحاد الاشتراكي أن بعض القراءات السياسية والإعلامية تعمدت تضخيم دلالة الامتناع عن التصويت، بينما تجاهلت حقيقة سياسية لا تقبل الجدل، وهي أن الأغلبية الحكومية كانت تملك منذ البداية القدرة العددية الكافية لإسقاط المقترحين مهما كان موقف المعارضة.

ويطرح هذا الواقع، بحسب متابعين، سؤالاً جوهرياً حول طبيعة النقاش العمومي في المغرب: لماذا يتم التركيز على موقف الأقلية البرلمانية، بينما يتم التغاضي عن مسؤولية الأغلبية التي تملك سلطة القرار والحسم؟ وهل أصبح المطلوب من المعارضة مجرد أداء أدوار رمزية داخل مشهد سياسي تُرسم نتائجه مسبقاً؟

الحزب لم يكتف بالدفاع عن موقفه، بل وجه انتقاداً مباشراً لما وصفه بحالة “التغوّل السياسي” الناتجة عن تركيز السلطة السياسية والاقتصادية والتشريعية داخل دائرة ضيقة من الفاعلين، معتبراً أن هذا الوضع يفرغ التعددية السياسية من معناها الحقيقي ويحول البرلمان تدريجياً إلى فضاء للمصادقة الشكلية بدل أن يكون مؤسسة للنقاش والتوازن والرقابة.

ومن منظور الحزب، فإن الخطر لا يكمن فقط في إسقاط مقترح يتعلق بتأميم مصفاة وطنية أو الحد من ارتفاع الأسعار، بل في تكريس نمط من التدبير السياسي يجعل مخرجات النقاش معروفة سلفاً، ويحول العمل البرلماني إلى ممارسة بروتوكولية تفتقد لروح التنافس الديمقراطي الحقيقي.

وفي مواجهة التأويلات التي اعتبرت الامتناع نوعاً من التواطؤ أو الموافقة الضمنية، شدد الحزب على أن هذا الموقف يحمل دلالة سياسية واضحة، ويمثل شكلاً من أشكال الاحتجاج على ما يعتبره اختلالاً في شروط النقاش الديمقراطي.

فبحسب هذا المنطق، لا يعكس الامتناع حياداً بين القبول والرفض، بل يعبر عن رفض المشاركة في منح شرعية تنافسية لعملية سياسية محسومة النتائج بفعل اختلال موازين القوى داخل البرلمان. وهو موقف يراد منه توجيه رسالة سياسية مفادها أن المشكلة لم تعد في مضمون المقترحات فقط، بل في الطريقة التي تُدار بها الحياة البرلمانية برمتها.

وإذا كان الجدل الحالي قد انطلق من موقف تصويتي مرتبط بملفين اجتماعيين واقتصاديين حساسين، فإن أبعاده تتجاوز بكثير حدود “لاسامير” أو أسعار المواد الأساسية. فالقضية الحقيقية التي تبرز من خلف هذا السجال تتعلق بمستقبل التعددية السياسية نفسها، وبقدرة المؤسسات المنتخبة على إنتاج نقاش فعلي يؤثر في القرار العمومي.

ذلك أن الديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد المقاعد التي تمتلكها الأغلبية، بل أيضاً بمدى قدرتها على الإنصات للرأي المخالف واحترام دور المعارضة. أما حين تتحول الأغلبية إلى آلة عددية مغلقة، وتصبح المعارضة مجرد شاهد على قرارات جاهزة، فإن البرلمان يفقد تدريجياً وظيفته السياسية ويتحول إلى مؤسسة تمنح الشرعية الشكلية لقرارات تُصنع خارج منطق التفاعل الديمقراطي الحقيقي.

وفي هذا السياق، يبدو أن الجدل حول الامتناع عن التصويت ليس سوى عرض من أعراض أزمة أعمق، عنوانها اختلال التوازن بين سلطة العدد ومقتضيات الديمقراطية، وبين شرعية الأغلبية وحق المعارضة في التأثير والمساءلة. وهي أزمة مرشحة لمزيد من التفاقم كلما اتسعت الفجوة بين من يملكون القرار ومن يُطلب منهم الاكتفاء بالتعليق عليه.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button