‏آخر المستجدات‏تكنولوجيا و ميديا

بين صعود المنصات الرقمية وتراجع الثقة.. تقرير دولي يرسم ملامح التحول العميق في المشهد الإعلامي المغربي

كش بريس/التحرير ـ

لم يعد الفضاء الإعلامي المغربي يُدار وفق القواعد التقليدية التي ظلت لعقود تحدد مسارات إنتاج الأخبار وتداولها وتوجيه الرأي العام. فمع التمدد المتسارع للمنصات الرقمية وظهور فاعلين جدد خارج المؤسسات الإعلامية الكلاسيكية، يشهد المغرب تحولات عميقة تعيد رسم حدود التأثير الإعلامي وأشكال صناعة النقاش العمومي. وفي هذا السياق، يقدم تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لسنة 2026 قراءة دقيقة لمشهد إعلامي يتأرجح بين دينامية رقمية متنامية وأزمة ثقة متفاقمة، وبين انفتاح نسبي في التداول العمومي واستمرار ضوابط قانونية ومؤسساتية تحد من اتساع هامش التعبير.

ويرصد التقرير السنوي تحولا متزايدا في مصادر استهلاك الأخبار بالمغرب، حيث أصبحت المنصات الاجتماعية ومقاطع الفيديو الرقمية وصناع المحتوى فاعلين مركزيين في تشكيل الرأي العام، في مقابل تراجع تدريجي للدور الاحتكاري الذي كانت تضطلع به وسائل الإعلام التقليدية في إدارة المجال العمومي.

ويشير التقرير إلى أن النقاش الذي رافق الاستثمارات الضخمة المرتبطة بالتحضيرات لاستضافة منافسات كأس العالم لكرة القدم، وما أثاره من تساؤلات بشأن أولويات الإنفاق العمومي مقارنة بالاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية الملحة، شكل أحد أبرز المؤشرات على هذا التحول. فرغم محاولات المؤسسات الرسمية إعادة تأطير النقاش وتوجيهه، فإن المجال العام بدا أكثر حيوية وقدرة على إنتاج أجندته الخاصة، وإن ظل محكوما بدرجات متفاوتة من الحذر والقيود.

وسجل التقرير أن خريف سنة 2025 عرف بروز موجة احتجاجات شبابية واسعة النطاق، انطلقت أساسا عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيق “ديسكورد”، مطالبة بتحسين أوضاع قطاعات الصحة والتعليم ومحاربة الفساد وإعادة ترتيب أولويات السياسات العمومية. وقد أظهرت هذه الدينامية، بحسب التقرير، قدرة الفضاء الرقمي على التحول إلى منصة للتعبئة والتأثير خارج الأطر الإعلامية والمؤسساتية التقليدية.

وفي المقابل، وجدت وسائل الإعلام الرسمية نفسها أمام واقع جديد فرض عليها التفاعل مع قضايا نشأت وتطورت داخل المنصات الرقمية قبل أن تنتقل إلى واجهة النقاش الوطني. فبعد مرحلة من التردد، بدأت المؤسسات الإعلامية العمومية في منح هذه القضايا حيزا أكبر من التغطية، في محاولة للحاق بإيقاع النقاشات المتسارعة التي كانت تتشكل خارج دوائرها.

ويرى التقرير أن هذا التوتر بين الإعلام التقليدي والمنصات الرقمية أصبح سمة بنيوية للمشهد الإعلامي المغربي، حيث لم يعد النقاش العمومي رهينا بالتسلسل الهرمي المعتاد لإنتاج الأخبار، بل بات يتشكل بصورة متزايدة داخل فضاءات التواصل الاجتماعي، التي أضحت المصدر الأول لاكتشاف الأخبار وتداولها لدى قطاعات واسعة من الجمهور.

وفي هذا السياق، يحتفظ كل من “فيسبوك” و”يوتيوب” بموقع الصدارة في استهلاك المحتوى الإخباري، إلى جانب تنامي حضور “إنستغرام” و”واتساب” و”تيك توك” كمنصات مؤثرة في تداول المعلومات وصناعة الاتجاهات العامة.

ورغم استمرار وسائل الإعلام التقليدية في لعب دور مهم على مستوى منح الشرعية الرمزية للأخبار وتأكيد مصداقيتها المؤسسية، فإن التقرير يؤكد أنها فقدت جزءا مهما من قدرتها السابقة على التحكم في إيقاع النقاشات السياسية الحساسة وتوجيه مساراتها.

ومن بين الظواهر التي توقف عندها التقرير بروز حركة شبابية لامركزية تحمل اسم “GenZ212″، استطاعت في فترة وجيزة أن تتحول إلى موضوع نقاش وطني واسع دون قيادة مركزية واضحة، معتمدة على الشبكات الرقمية في التنسيق والتعبئة ونشر الرسائل والمطالب. وقد دفعت هذه الدينامية عددا من المسؤولين الحكوميين إلى الخروج إعلاميا للتفاعل مع مطالب المحتجين ومحاولة احتواء موجة النقاش المتصاعدة.

ويعتبر التقرير أن استجابة المؤسسات الرسمية جاءت في إطار مسعى لإدماج المطالب الاجتماعية ضمن خطاب وطني أكثر اتساعا يرتكز على مفاهيم الاستقرار والسيادة والتماسك المجتمعي. وفي هذا السياق، استُخدمت بعض المنابر الإعلامية الكبرى لإعادة توجيه النقاش نحو قضايا استراتيجية ذات بعد وطني، من بينها ملف الصحراء المغربية والنجاحات الدبلوماسية المرتبطة به.

ومن خلال قراءة مجمل هذه التطورات، يخلص التقرير إلى أن ما يجري لا يعكس انفتاحا كاملا وغير مشروط للمجال العمومي، بقدر ما يعبر عن عملية تدريجية يتم عبرها استيعاب الاحتجاجات وإعادة تأطيرها داخل السرديات الرسمية المهيمنة.

وعلى مستوى مؤشرات الثقة، يكشف التقرير عن استمرار الفجوة بين الجمهور والمؤسسات الإعلامية، حيث لا تتجاوز نسبة الثقة العامة في الأخبار 28 في المائة، في حين تصل نسبة القلق من انتشار الأخبار المضللة إلى 54 في المائة. ورغم ذلك، سجلت مشاركة الأخبار عبر الإنترنت ارتفاعا ملحوظا لتبلغ 36 في المائة، ما يعكس اتساع دائرة التفاعل مع المحتوى الإخباري الرقمي.

ويشير التقرير إلى أن المغرب لا يواجه فقط تحدي التحول الرقمي، بل يواجه أيضا تحولا في طبيعة الجمهور نفسه؛ جمهور أكثر حضورا ومشاركة وقدرة على التأثير، لكنه في الوقت ذاته أكثر تشكيكا في المؤسسات الإعلامية التقليدية. فالثقة لم تختف بالكامل، وإنما أعيد توزيعها بشكل انتقائي بين مصادر وعلامات إعلامية محددة يختارها الأفراد وفق تجاربهم وتفضيلاتهم الخاصة.

وفي خضم هذا التحول، برز جيل جديد من الوسطاء الإعلاميين يتكون من صناع المحتوى والمعلقين الرقميين والصحافيين الذين انتقلوا من غرف التحرير التقليدية إلى المنصات الرقمية، خاصة “يوتيوب”، حيث يقدمون محتوى سياسيا وإخباريا بلغة أقرب إلى الجمهور وأكثر قدرة على تبسيط القضايا المعقدة.

ويؤكد التقرير أن قوة هؤلاء الفاعلين الجدد لا تكمن بالضرورة في امتلاكهم مستوى أعلى من المصداقية، بل في قدرتهم على تحقيق القرب والتفاعل والسرعة في نقل الأحداث وتفسيرها، وهي عناصر باتت تشكل جزءا أساسيا من معايير استهلاك الأخبار لدى الأجيال الجديدة.

وفي مقابل هذا الانفتاح الرقمي المتسارع، يلفت التقرير إلى استمرار الطابع المقيد للبيئة القانونية المنظمة للمجال الإعلامي، مشيرا إلى أن الإصلاحات المرتبطة بالمجلس الوطني للصحافة وبالوضعية المهنية للصحافيين قُدمت رسميا باعتبارها خطوات تحديثية، غير أنها أثارت نقاشات وانتقادات واسعة داخل الأوساط المهنية والحقوقية، خاصة في ظل استمرار المتابعات والضغوط المرتبطة ببعض أشكال التعبير والنشاط الاحتجاجي.

ويخلص التقرير إلى أن الإعلام المغربي يوجد اليوم في منطقة وسطى بين الانفتاح والانغلاق؛ فلا هو قادر على العودة إلى أنماط الضبط التقليدية التي كانت سائدة، ولا هو انتقل بالكامل إلى فضاء تعددي مفتوح. إنها مرحلة إعادة تشكل مستمرة تتصارع فيها المؤسسات والمنصات والجماهير الجديدة على تعريف المجال العام وحدود التأثير داخله.

تكشف خلاصات تقرير معهد رويترز أن الرهان الحقيقي لم يعد مرتبطا فقط بتحديث الوسائط أو مواكبة الثورة الرقمية، بل بإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات الإعلامية. فالمستقبل لن تحسمه التكنولوجيا وحدها، وإنما قدرة الفاعلين الإعلاميين على إنتاج صحافة مستقلة وذات مصداقية تستجيب لتطلعات جمهور أكثر وعيا ونقدا ومشاركة. وبين دينامية الفضاء الرقمي واستمرار منطق الضبط المؤسساتي، يبدو أن المشهد الإعلامي المغربي يدخل مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: صراع متواصل حول من يملك سلطة إنتاج المعنى وتوجيه النقاش العمومي في العصر الرقمي.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button