تثنية الطريق الوطنية رقم 8 بقلعة السراغنة بـ127 مليون درهم.. مشروع تنموي أم صفقة في توقيت انتخابي حساس؟

كش بريس/التحرير ـ

على بعد أيام قليلة من موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تعود مشاريع البنية التحتية بجهة مراكش آسفي إلى واجهة النقاش، بعدما أعلنت الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع عن طلب عروض دولي مفتوح لإنجاز أشغال تثنية مقطع من الطريق الوطنية رقم 8 بإقليم قلعة السراغنة، بكلفة تقديرية تناهز 127 مليون درهم.

وبحسب معطيات طلب العروض، يتعلق المشروع بتثنية مقطع طرقي يمتد على نحو 10.4 كيلومترات، فيما حُددت كلفة الأشغال في 127.016.905,20 درهم، شاملة للرسوم، مع تحديد الضمان المؤقت في مليوني درهم.

لكن اللافت في هذه الصفقة لا يرتبط فقط بحجم الاستثمار أو بأهمية المشروع بالنسبة إلى البنية التحتية للإقليم، وإنما أيضاً بتوقيتها الزمني؛ إذ حددت الوكالة يوم 17 شتنبر 2026 موعداً لفتح الأظرفة، أي ستة أيام فقط قبل الاقتراع التشريعي.

ستة أيام بين فتح الأظرفة ويوم الاقتراع

وفق الرزنامة الانتخابية الرسمية، تنطلق الحملة الانتخابية يوم 10 شتنبر وتستمر إلى منتصف ليلة 22 شتنبر، على أن يجري الاقتراع في اليوم الموالي، 23 شتنبر.

وبذلك، فإن فتح أظرفة صفقة بقيمة 127 مليون درهم في 17 شتنبر سيجري في قلب الحملة الانتخابية، أي في فترة تكون فيها المشاريع العمومية والوعود التنموية شديدة الحساسية سياسياً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشروع طرقي كبير في دائرة انتخابية يغلب عليها الطابع القروي والفلاحي.

وهنا يبرز السؤال المشروع: هل يتعلق الأمر بمجرد تزامن زمني فرضته المساطر والبرمجة التقنية للمشروع، أم أن توقيت إخراجه إلى واجهة التداول العمومي يمكن أن يمنحه، ولو بشكل غير مباشر، قيمة انتخابية؟

السؤال في حد ذاته لا يعني وجود مخالفة، ولا يسمح باستنتاج أي توظيف انتخابي للمشروع. فالمعيار الحاسم يظل في مسار الصفقة، وتاريخ برمجتها، ومراحل إعدادها، ومصدر التمويل، ومدى احترامها لجميع القواعد القانونية والتنظيمية المؤطرة للصفقات العمومية.

من طلب العروض إلى المشروع الفعلي.. هل يكفي الوقت؟

الأهم من ذلك أن فتح الأظرفة في 17 شتنبر لا يعني انطلاق الأشغال في التاريخ نفسه.

ففتح الأظرفة لا يعدو أن يكون مرحلة ضمن مسار الصفقة، تليها عملية فحص العروض وتقييمها، ثم اختيار المتعهد الفائز واستكمال المساطر القانونية والإدارية المرتبطة بالصفقة، قبل المرور إلى مرحلة الأمر بالشروع في الأشغال.

وبالتالي، فإن الحديث عن مشروع «سينطلق» قبل الانتخابات يحتاج إلى قدر من الدقة؛ فالمتاح، وفق المعطيات المنشورة، هو أن فتح الأظرفة مبرمج قبل الاقتراع بستة أيام، وليس أن الأشغال ستنطلق قبل موعد الانتخابات.

وهذا التفصيل مهم، لأن الفرق كبير بين الإعلان عن صفقة، وفتح الأظرفة، وإسنادها، وتوقيعها، ثم إعطاء الأمر بانطلاق الأشغال.

أين تكمن «منطق الصفقة»؟

من زاوية تدبيرية، يبدو أن المشروع يدخل ضمن منطق استكمال استثمارات البنية الطرقية بالجهة، خصوصاً أن تثنية 10.4 كيلومترات من الطريق الوطنية رقم 8 يمكن أن تكون لها آثار مباشرة على السلامة الطرقية وانسيابية حركة السير والربط بين المجالات الترابية.

لكن من زاوية الحكامة، فإن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على «لماذا الآن؟»، وإنما يجب أن يمتد إلى «متى بدأ إعداد المشروع؟ ومن قرر برمجته؟ ومتى أُعدت الدراسات؟ ومتى رُصد الاعتماد المالي؟ ومتى أطلق طلب العروض؟»

هذه الأسئلة تسمح بالتمييز بين مشروع جرى إعداده منذ مدة طويلة، ووصل بصورة طبيعية إلى مرحلة طلب العروض، وبين مشروع جرى تسريع إخراجه بشكل استثنائي قبيل الاستحقاق الانتخابي.

وفي الحالة الأولى، سيكون الأمر مجرد تزامن زمني؛ أما في الحالة الثانية، فإن المسألة تصبح جديرة بالتدقيق السياسي والإداري، دون أن يعني ذلك مسبقاً وجود مخالفة.

هل يمكن أن تبدأ الأشغال قبل 23 شتنبر؟

عملياً، فتح الأظرفة في 17 شتنبر يجعل بدء الأشغال الفعلية قبل الانتخابات أمراً غير مرجح زمنياً، لأن مرحلة فتح الأظرفة ليست نهاية مسطرة الصفقة.

وعليه، فإن ما قد يكون متاحاً قبل الاقتراع هو الإعلان عن الصفقة وفتح أظرفتها، وليس بالضرورة رؤية الآليات في موقع المشروع.

ومن هنا تبرز مفارقة لافتة: المشروع قد لا يكون قد بدأ ميدانياً عندما يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع، لكنه سيكون قد دخل رسمياً مرحلة تنافس المتعهدين خلال الحملة الانتخابية نفسها.

الاستثمار العمومي والحياد الانتخابي

تزداد حساسية المسألة بالنظر إلى أن جهة مراكش آسفي، التي يرأس مجلسها سمير كودار، تراهن على الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع باعتبارها ذراعاً تنفيذية لعدد من الأوراش الجهوية.

ولا خلاف في أن الاستثمار في الطرق والبنيات الأساسية يمثل حاجة حقيقية، خصوصاً في الأقاليم التي تعاني من صعوبات في الربط والتنقل. كما أن تحسين الطريق الوطنية رقم 8 يمكن أن يخدم السلامة والتنمية الاقتصادية ويعزز جاذبية الإقليم.

لكن المشاريع العمومية لا تُقاس فقط بأهميتها، وإنما أيضاً بطريقة توقيتها وتقديمها للرأي العام عندما تتزامن مع الاستحقاقات الانتخابية.

ففي الديمقراطيات، لا تكمن حساسية المال العام في كيفية إنفاقه فقط، بل أيضاً في ضرورة حماية القرار العمومي من أي التباس قد يجعله يبدو وكأنه أداة للتأثير في الاختيار الانتخابي.

الكرة الآن في ملعب الوكالة والجهة

لذلك، فإن أبسط ما يمكن أن يبدد علامات الاستفهام هو نشر المعطيات الكاملة المتعلقة بالمشروع: تاريخ إدراجه في برنامج الاستثمار، تاريخ المصادقة عليه، الدراسات المنجزة بشأنه، مصدر تمويله، تاريخ التأشير على الاعتماد، وتاريخ إطلاق طلب العروض، ثم الجدولة الزمنية المتوقعة لإنجاز مختلف مراحل الصفقة.

فإذا كانت كل هذه المراحل قد تمت قبل وقت كافٍ من الاستحقاق الانتخابي، فإن موعد فتح الأظرفة في 17 شتنبر سيكون، في الغالب، مجرد محطة إدارية تصادف الحملة الانتخابية.

أما إذا كانت الصفقة قد أُخرجت إلى الوجود في اللحظات الأخيرة، فإن التزامن بين صفقة بـ127 مليون درهم وحملة انتخابية في دائرة تستفيد مباشرة من المشروع سيظل سؤالاً مشروعاً أمام الرأي العام.

وفي جميع الأحوال، فإن 23 شتنبر ليس مجرد تاريخ انتخابي؛ إنه أيضاً موعد يفترض أن تكون فيه حدود المال العام والفعل الانتخابي واضحة، وأن تظل المشاريع العمومية خاضعة لمنطق التخطيط والحاجة والمصلحة العامة، لا لمنطق الحسابات الانتخابية.

والسؤال الأكثر دقة، في نهاية المطاف، ليس: هل هناك صفقة قبل الانتخابات؟
وإنما: هل كانت الانتخابات هي التي حددت توقيت الصفقة، أم أن الصفقة كانت ستصل إلى هذه المرحلة في الموعد نفسه مهما كان موعد الاقتراع؟

الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى خطاب سياسي، وإنما إلى الوثائق والتواريخ ومسار القرار الإداري.

Exit mobile version